الصين تسير على حبل مشدود في الشرق الأوسط

مقال رأي

لفهم دور الصين في الشرق الأوسط، يمكن النظر إلى حدثٍ وقع مؤخرا، وحدثٍ آخر لم يقع. في أواخر مارس، احتلت بكين عناوين الأخبار عندما أرسلت سفنًا حربية لإنقاذ المئات من المواطنين الصينيين والأجانب من اليمن التي تمزقها الصراعات. ولكن في أوائل أبريل الماضي، ألغى الرئيس الصيني شي جين بينج ما كان من المفترض أن تكون أول زيارة رسمية له إلى السعودية ومصر، بسبب القتال في اليمن، حسبما قيل – مما يؤكد أن بكين تفضل الخروج من المطبخ على الوقوف في حرارة السياسة في الشرق الأوسط. في الواقع، إن غياب الصين الكبير ، بدلا من نفوذها المزدهر، هو الذي لا يزال يحدد دورها في هذه المنطقة المضطربة.

لدى الصين أسباب وجيهة لتهتم بالأحداث في الشرق الأوسط: ما يقرب من نصف وارداتها من النفط تأتي من الخليج العربي. وعلاوة على ذلك، فبكين قلقة حول امكانية أن توفر العناصر المتطرفة في المنطقة التدريب والإلهام إلى الانفصاليين المسلمين في غرب الصين.

رغم ذلك، وفي تناقض صارخ مع جدول أعمال "شي" المحلي الطموح – من إصلاح القطاعات الرئيسية للاقتصاد، بما في ذلك الخدمات المصرفية والزراعة؛ وتخفيف القيود المفروضة على نظام تسجيل الأسر الصيني الذي عفا عليه الزمن، وتخفيف سياستها سيئة السمعة التي تلزم الأسرة بألا تنجب أكثر من طفل- فهو لم يفعل شيئا يذكر في السياسة الخارجية يمكن أن يسمح له بكتابة مذكراته مثل هيلاري كلينتون في كتابها "خيارات صعبة". في الواقع، على الرغم من دعوة "شى" إلى المزيد من السياسة الخارجية الصينية "الاستباقية"، فلازالت بكين لم تساهم سوى في السياسة الدولية الآمنة والميسرة، مثل التنمية الاقتصادية، ومكافحة القرصنة، والصحة العامة العالمية، وعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. لا تبذل الصين كثيرا من دمائها أو أموالها في الخارج لمكافحة التطرف العنيف، أو تسوية الحروب الأهلية الدامية، أو التوسط في الصراعات الإقليمية الكبرى. بل ظلت بكين حساسة في مواجهة القضايا السياسية والأمنية الصعبة في الخارج، مما يحد بشكل حاد من نفوذها الجيوسياسي. نتيجة لذلك، فنداءات الصين المستمرة بالتعاون الذي يضمن "المكسب لجميع الأفراد" – الذي قد يكون له معنى في الشؤون الاقتصادية والعوالم النزيهة الأخرى- لا يضمن لها الكثير من النفوذ عندما تكون المعارك السياسية ذات مجموع صفري وتجرى الحرب فيها حول حصص غير قابلة للتجزئة ومتنازع عليها بشدة.

لا يتجلى هذا الأمر في أي مكان أكثر مما يفعل في الشرق الأوسط، حيث أن نفوذ الصين الهامشي حول القضايا الاقليمية أمرا يثير الاستغراب، حتى في الوقت الذي تجبرها فيه اعتماديتها المتنامية في مجال الطاقة على شراكات أعمق مع السعودية وأمثالها.

وبسبب عدم رغبتها في تقوية مواقفها، فقد حققت الصين غزواتٍ مؤقتة في مستنقع الشرق الأوسط لكنها فشلت إلى حد كبير. في أكتوبر 2012، طرح وزير الخارجية الصيني آنذاك، يانغ جيه تشي، "خطة من أربع نقاط" للأزمة السورية، تدعو جميع الأطراف إلى وقف القتال، وإنهاء الأزمة، والشروع في عملية انتقالٍ سياسي. أشارت أسوشيتد برس إلى أن الخطة لم تحظ بالكثير من الاهتمام الدولي: فقد وجدها معظم المراقبين "غامضة، ومن المرجح إنها تهدف إلى تعزيز سمعة الصين في أعقاب انتقادات لتحركاتها للانضمام لروسيا في عرقلة قرارات الأمم المتحدة التي تهدف الى انهاء اراقة الدماء في سوريا". غني عن القول، كان مصير تلك المبادرة الفشل.

تكمن المشكلة في أن بكين لا ترغب في اختيار أحد الجانبين في منطقة تتطلب عادةً القيام بذلك. على النقيض من ذلك، قدمت واشنطن التزامات كبيرة في المنطقة: فتبقى الولايات المتحدة هي الضامن الفعلي للأمن الخارجي للسعودية وبقية دول مجلس التعاون الخليجي. يحمي الوجود البحري الأمريكي المهيمن حرية تدفق الموارد النفطية من الشرق الأوسط، ويضمن الازدهار الاقتصادي للعديد من الجهات الفاعلة في المنطقة، ولا تزال واشنطن تشارك بعمق في المهمة الصعبة المتمثلة في محاولة التوسط بين الإسرائيليين والفلسطينيين. إلا أنه على الرغم من الاستثمار الأمريكي الكبير، انتقد شركائها في الشرق الأوسط إدارة أوباما لرفضها اتخاذ إجراءات أكثر حسما في العديد من الصراعات الإقليمية. هذه المنطقة متطلبة جدًا بالنسبة لأي قوة عظمى: إذا أرادت الصين أن تلعب على هذا المستوى، فسيكون عليها أن تنحاز إلى أحد الطرفين.

من الصعب أن نرى كيف يمكن للصين الكارهة بعمق للمخاطرة أن تأخذ دورا قياديا في أيٍ من النزاعات الملتهبة في المنطقة. سيكون أصعب توازن تقوم به بكين هو محاولة الحفاظ على علاقات جيدة مع كلٍ من الرياض وطهران وسط تصاعد المنافسة الإقليمية والطائفية. أكثر ما يقلق السعودية بشأن الاتفاق النووي الإيراني، والذي قد يتم الانتهاء منه بنهاية يونيو، هو أن رفع العقوبات المصرفية والنفطية سيعطي طهران الموارد اللازمة لتعيث مزيدا من الفوضى من خلال وكلائها في اليمن وسوريا ولبنان والعراق. إن غالبية الأموال الجديدة المتدفقة إلى إيران تأتي من الصين – وهي أكبر شريك تجاري لإيران. في الواقع، بعد أيام فقط من التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني في أوائل أبريل، كان وزير النفط الايراني بيجان زنكنه في طريقه إلى بكين. هل يمكن للصين حقا أن تحل محل الولايات المتحدة كضامنٍ لأمن دول الخليج عندما تمول أكثر ما يمثل تهديدا لهم؟

وبالنظر الى ساحة أخرى ذات أهمية كبيرة في دبلوماسية الشرق الأوسط، وهي ساحة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فالصين أيضا غائبة. يلعب الأعضاء الأربعة الدائمين الآخرين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة دورا هاما في عملية السلام. فبينما تمثل الولايات المتحدة الوسيط الأساسي، فالدول الأوروبية الرئيسية بما في ذلك فرنسا وبريطانيا، قد قادوا المسيرة في الاتحاد الأوروبي لتقديم حوافز اقتصادية كبيرة وعوائق أمام كلا الجانبين، بينما يقف الروس عادةً في جانب الفلسطينيين. وتبقى الصين هي العضو الوحيد في مجلس الأمن التي تفشل في اللحاق بالركب.

وفي الوقت نفسه، هناك القليل من الخيارات الجيدة المتاحة في سوريا والعراق – الذين اجتمع فيهما فشل الدولة والحرب الأهلية، وصعود الدولة الإسلامية (داعش)، ليخلقوا أشد أزمات المنطقة. خلصت الدول العربية إلى أن الطريقة الأكثر جدوى للقوى الأجنبية للمساهمة في سوريا والعراق هي من خلال التدخل العسكري الذي يستهدف الدولة الإسلامية ويطيح بالرئيس بشار الأسد. ويجادلون بأنه لن ينقذ سوريا في هذا المرحلة سوى التدخل الذي يضم مجموعة من الغارات الجوية إضافةً إلى التدريب وتسليح قوات المعارضة، بل وربما مزيدا من الخيارات العسكرية المباشرة. ولكن الصين لن تخوض في ذلك أيضا. بدلا من ذلك، انحازت بكين إلى موسكو في مجلس الأمن لعرقلة القرارات التي من شأنها زيادة الضغط على الأسد. في ذات الوقت، ولتكون رهاناتها أكثر حيطة، استضافت الصين مرارا جماعات المعارضة السورية في بكين، وفي مارس 2012 أرسلت مبعوثا خاصا للقائهم في دمشق.

وجدير بالذكر أن الصين قد بدأت في اتباع دبلوماسية أكثر استباقية في المنطقة. ويشمل ذلك زيادة الزيارات رفيعة المستوى، بما في ذلك أول زيارة يقوم بها وزير خارجية صيني إلى العراق منذ 23 عاما، في فبراير 2014؛ فضلا عن تعزيز المشاركة مع المنظمات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية. الحشد الناجح لتسعة بلدان في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك مصر وإيران والسعودية، للاشتراك كأعضاء مؤسسين في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية الذي تقوده الصين. ولكن هذا لا يعني التغلب على المشكلة الأساسية، وهي أنه من المستحيل تقريبا إرضاء جميع الأطراف بينما تظل لاعبا رئيسيا في منطقة الشرق الأوسط.

بطبيعة الحال، لن يختلف الكثيرون مع وصف الرئيس باراك أوباما الذي قال إن الصينيين "كانوا لاعبين أحرار خلال السنوات الثلاثين الماضية، وقد نجح ذلك الأمر للغاية بالنسبة لهم" في الشرق الأوسط. حسب ذلك المنطق، قد تكون بكين حكيمة في عدم تورطها في الصراعات التي تبدو مستعصية على الحل في المنطقة. ومع ذلك، لا يمكن للصين أن تستمر في انتهاج سياسة خارجية تتحاشى المخاطرة وأن تبرز في ذات الوقت كقائد على ساحة سياسة الشرق الأوسط الصعبة والمتدهورة. فبالنسبة لـ "شي"، عليه أن يقرر اختيار أحد الأمرين.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب