العالم الإسلامي ينقلب على حزب الله

مقال رأي

حزب الله هو أقوى جماعة في لبنان حاليا ، سواء سياسيا أوعسكريا. وقد أخذ في العقد الماضي سلسلة من القرارات التكتيكية التي أسفرت عن انتصارات خاطفة. رغم ذلك، قد تكون هذه الانتصارات مكلفة على المدى الطويل. في الواقع، خلال العامين الماضيين، جعل حزب الله من نفسه ببطء لاعبا طائفيا بدلا من كونه منظمة إسلامية تجذب كلا من السنة والشيعة. إن هذه نقطة تحول بالنسبة للمنظمة، وتشير مشاركتها في سوريا إلى تسارع انحدارها في أعين غالبية المسلمين. وإذا أرادت المنظمة الاستمرار على المدى الطويل، فإن عليها أن تجري تحولا كليا في موقفها، شبيها بعملية اللبننة التي أجرتها في بداية التسعينيات.

مثلت حرب 2006 مع إسرائيل انتصارا باهظ الثمن لحزب الله، وأصبحت لاحقا أول الأخطاء الكبيرة التي يرتكبها حزب الله وسط سلسلة من الأخطاء ارتكبتها المجموعة على مدى السنوات القليلة الماضية. أدت تلك الأخطاء إلى تنفير السنة منه، وخاصةً في لبنان.

كانت حرب عام 2006 هي لحظة وصول المجموعة إلى قمة أوجها: فقد عززت بقوة مكانة حزب الله في العالم العربي، وأصبح زعيم التنظيم حسن نصر الله بطلا. وعلى الرغم من الشكوك حول الأساس المنطقي لبدء الحرب، التف اللبنانيون من كل الطوائف حول حزب الله طالما احتدم الصراع. بعد انتهاء الحرب، زاد انقسام اللبنانيين على أساسٍ طائفي في دعمهم لحزب الله. فرأى الشيعة – وبعض حلفائهم من المسيحيين- أن التنظيم قد انتزع الانتصار من بين فكي الهزيمة. بالنسبة لآخرين، وخاصة السنة، كانت التكلفة البشرية والمادية "للنصر الإلهي" على إسرائيل مرتفعة للغاية. وعلاوة على ذلك، كان السنة لا يزالون يعانون من اغتيال زعيمهم، رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. كانت هناك شكوك بأن النظام السوري، حليف حزب الله، وراء هذا القتل.

في مايو 2008، ارتكب حزب الله خطأه الثاني عندما غزا التنظيم المناطق السنية في بيروت فيما يمثل استعراضا للقوة. كان الهدف الرئيسي من هذا الهجوم إجبار الحكومة اللبنانية على التراجع عن قرارها بتفكيك شبكة اتصالات الجماعة. وبعد صراعٍ مجهد، تبلورت قبضة حزب الله على الدولة اللبنانية عقب اتفاق توسطت فيه قطر. واعتبر كثيرون هذا الاتفاق بأنه انتصار نهائي لحزب الله وتكريسا لصعود الشيعة في لبنان. ولكن، بدت هذه الأحداث أيضا ناقوس الموت لأي دعم سني (لبناني) للمجموعة.

ظهر الخطأ الثالث في الأحداث المحيطة بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تحقق في اغتيال الحريري. في عام 2011 أصدرت المحكمة أخيرًا لائحة اتهام بتورط أعضاء حزب الله في هذه الجريمة. وكانت النتيجة احتجاج من قبل مسؤولي مجلس الوزراء المنحازين لحزب الله، مما أدى إلى ما رآه الكثيرون بمثابة انقلاب مدبر. وأدت الاحتجاجات إلى انهيار الحكومة التي ترأسها سعد الحريري (ابن رئيس الوزراء المقتول) لأنه كان خارج البلاد في زيارة للرئيس الأمريكي باراك أوباما. اعتبرت هذه الخطوة كمحاولةٍ لإذلال الحريري، بل وطائفته كلها. وأدى ذلك إلى تفاقم الاستياء السني اللبناني والكراهية تجاه الشيعة بشكلٍ عام، وتجاه حزب الله على وجه الخصوص.

وجاء الخطأ الرابع والأخير في حسابات حزب الله بعد ذلك بعامين. في مايو 2013، اعترفت المنظمة بالشيء الذي طالما أثار الشكوك: تورطها في الحرب السورية إلى جانب نظام بشار الأسد. ضغطت معركة القصير، التي خسر فيها حزب الله أكثر من مائة مقاتل، على نصر الله. كان شباب الشيعة يعودون من سوريا بشكل جماعي في أكفان، بحيث لم يعد من الممكن إخفاء هذه الخسائر. أقيمت جنازات "الشهداء" في القرى اللبنانية الجنوبية، وأدركت الصحافة هذه الحقيقة. في نهاية المطاف، كان نصر الله مجبرا على الاعتراف بضلوع منظمته المباشر (في الحرب السورية) وهو الأمر الذي مثّل المسمار الأخير في نعش حزب الله بين السنة في المنطقة وغيرهم من معارضي نظام الأسد.

تغيرت مبررات حزب الله لمشاركته في الحرب السورية عدة مرات منذ اعترافه أول مرة. في الأصل، تم تقديم الحرب في سوريا على أنها جهاد، وأصدر شيوخ حزب الله فتوى لهذا الغرض. ثم تحولت مبررات حزب الله إلى ضرورة الدفاع عن مقام السيدة زينب في دمشق. وأخيرا، أعلنت المنظمة أن هدفها هو حماية السكان الشيعة من "التكفيريين" (وهو اللفظ الذي تطلقه على المتطرفين السنة).

على أي حال، قدم حزب الله خياره الواعي بالمشاركة في الحرب للشيعة اللبنانيين على أنه قرارا وجوديا، استنادا إلى ضرورة حماية طائفتهم ضد أولئك الذين يريدون إبادتها. لم تتم الإشارة الى محور المقاومة الذي وحد سوريا وإيران وحزب الله لسنوات. كما لم تتم الإشارة الى اعتماد حزب الله على رعاية سوريا، أو الأسلحة والأموال التي تدفقت إلى حزب الله من إيران عن طريق مطار دمشق. بل قيل للشعب إن القتال هناك كان دفاعا عن النفس ضد المعتدين من السنة المتطرفين.

وبالتالي فقد قسمت الحرب السورية اللبنانيين بين أنصار نظام الأسد ومؤيدين للثورة ضده. فكان السنة متعاطفين إلى حدٍ كبير مع الثورة، حيث ضمت إخوانهم السوريين في الدين ، والذين كانوا في كثير من الحالات أعضاء نفس الأسر وشركاء تجاريين. في المقابل أجبر حزب الله الشيعة على مساندة نظام الأسد القمعي. شعر الغالبية أنهم ليس لديهم أي خيار سوى اتباع نصر الله، ولكن المثقفين ورجال الدين كتبوا رسالة مفتوحة في الصحافة لدعم الثورة السورية.

حتى بين دوائر حزب الله الخاصة، بدأ الإيمان بقيادة الجماعة في الانخفاض. وزاد من هذا الشك فضيحة الاستثمار التي جرت عام 2009، والتي احتال فيها مصرفي له علاقات مع حزب الله على العديد من الشيعة ليسلبهم مدخراتهم، كما ساء الأمر بسبب المزاعم اللاحقة بالفساد، والإثراء غير المشروع وتوزيع الأدوية من قبل أفراد أسر قادة الحزب. بدأت سمعة أيدي حزب الله "النظيفة" في التمرغ في الوحل. وفي الآونة الأخيرة، كانت هناك مزاعم بأن إغراءات الفساد قد أدت إلى إختراق أجهزة المخابرات الإسرائيلية للمنظمة. أدى فقدان المنظمة لسمعتها التي كانت تتسم  بالاستقامة والحصانة إلى فقدان مكانتها. فبالنظر إلى وفاة أكثر من ألف مقاتل في سوريا، وتورط الجماعة هناك في المستقبل القريب، بالإضافة إلى التفجيرات التي وقعت في مناطق شيعية في بيروت في صيف عام 2013، فمن غير المستغرب أن نرى الدعم لحزب الله في المجتمع يتناقص ببطء (شديد).

كما أدت خطب نصر الله النارية وخطابه الطائفي الطنان والمولع بالقتال إلى تفاقم حالة الغضب التي يشعر بها غالبية السنة اللبنانيين تجاه المجموعة. إن الكراهية العميقة تجاه الشيعة التي يسمعها المرء في خطاب الإسلاميين السنة مثيرة للقلق. وهي لا تبشر بالخير بالنسبة لحزب الله على المدى الطويل، ولا للشيعة في لبنان إذا استمروا في ارتباطهم بهذه المنظمة. يمثل الشيعة فقط حوالي 10 إلى 13 في المئة من المسلمين حول العالم. وهكذا، فإن التهديد الوجودي الحقيقي على الشيعة لا يأتي من عدد قليل من الراديكاليين المتطرفين، كما قال نصر الله، ولكن من احتمال رد فعل حزب الله المبالغ فيه والذي ينفر الأغلبية السنية التي تفوقه عددا بكثير.

وبينما دعا رجال دين شيعة عقلاء مثل محمد حسن أمين والمرحوم هاني فحص إلى دعم الثورة السورية وإلى الحفاظ على علاقات أفضل مع السنة، فقد ذهبت دعواتهم أدراج الرياح إلى حدٍ كبير. لا يزال طغيان حزب الله قويا جدا، وبينما تتردد كلمات المعارضة بخفوت في الممرات، فهي نادرا ما تجرى مناقشتها علنا. ومع ذلك، فالمعارضة تنمو ببطء.

إن تصرفات حزب الله قبل الحرب السورية أبعدته عن السنة في لبنان، ولكن قراره بدخول الحرب كحليفٍ لنظام الأسد قد قوض أيضا من شرعيته في جميع أنحاء العالم العربي (السني)، على الرغم من محاولاته للتفريق بين السنة و"التكفيريين". وفي سوريا نفسها، فإن حزب الله الآن مكروها تماما بين الغالبية العظمى من السكان، ولن تنسى الحكومات السورية السنية المستقبلية دوره في الحرب. ومع ازدواجية معاييرها في الآونة الأخيرة بمقارنة موقفها من التمرد السوري الذي تقاتله، مع التمرد البحريني الذي تؤيده (على الأقل بالقول)، فقد صنفت المنظمة نفسها على أنها جماعة طائفية محلية بدلا من أن تكون حركة مقاومة عربية موحدة سبب وجودها هو محاربة إسرائيل.

وصل حزب الله إلى أوج مجده في عام 2006، وعلى الرغم من أنه لا يزال منتصرا على المشهد السياسي اللبناني، فغطرسة نصر الله وميله إلى الحصول على مكاسب قصيرة الأمد بدلا من التفكير الاستراتيجي طويل المد، قد أدى إلى خسارته دعم العالم العربي والإسلامي الأكبر. فبالنسبة لرجل ذكي يتمتع بالكاريزما، ارتكب نصر الله عددا كبيرا من الأخطاء الاستراتيجية على رقعة الشطرنج السياسية للشرق الأوسط. ربما يكون قد قضى وقتا طويلا في مخبئه خوفا من الاغتيال الإسرائيلي ولم يعد يضع إصبعه على نبض الشارع. ربما كانت تلك المسافة، إلى جانب توجيهات إيران بدعم الأسد من الناحية التكتيكية، هي سبب جره لحزب الله والشيعة اللبنانيين الى هاوية الفتنة الطائفية، وبالتالي تعريض مستقبل طائفته للخطر على المدة الطويل. حتى يستطيع البقاء في محيطه الشائك، على حزب الله التنازل عن موقفه المتشدد، والتكيف مرة أخرى مع واقع الشرق الأوسط من خلال إعادة تعريف نفسه على أنه جماعة إسلامية عربية، وليس كما يقول بعض السنة إنه رأس حربة الطموحات الصفوية الإيرانية في المنطقة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب