العالم العربي لم يعد يحتاج إلى أمريكا

مقال رأي

يرى أغلب العرب أن عملية "عاصفة الحزم"، التحالف الجديد الذي تقوده السعودية لاستعادة اليمن بعد استيلاء الحوثيين عليها، صفحة جديدة تعيد التوازن الاستراتيجي بينهم وبين إيران. هناك إحساس بالراحة والنشوة في عدد من العواصم بعد فراغ طويل، وهناك ديناميكية جديدة وروح عربية جديدة وتصميم على دفع ما يرونه على أنه "انقلاب" إيران في المنطقة إلى الخلف. هناك إحساس بالكرامة المستعادة وثقة بأن العالم العربي يقدر على اتخاذ موقف. ردّ الفعل العربي الجديد هذا هو تحذيرٌ أيضًا لإيران بأنها قد تجاوزت خطوطًا حمراء وتمادت في عبثها في الشؤون العربية. يسمع الشخص عبر المنطقة ويرى الإيمان بأن الشرق الأوسط قبل عملية عاصفة الحزم ليس هو نفسه بعدها.

تستطيع أن تحس، من الخليج إلى مصر ولبنان والأردن والمغرب، بأن نبض المنطقة قد تغيّر. هناك ارتياح وفخر بأن العرب يأخذون مصيرهم بيدهم ويحيي العديد من الأفراد والصحف المهمة مثل الدستور وحسن عصفور التغير الاستراتيجي في التفكير العربي.

تمثّل عملية عاصف الحزم مفهومًا جديدًا في العالم العربي والذي تم تسميته "عقيدة سلمان"، على اسم الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز آل سعود. كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيين عندما غزا الرئيس السابق، صدام حسين، الكويت هم من أخذوا بزمام المبادرة وشكلوا تحالفًا لدحض غزو صدام حسين. كان التحالف بقيادة الولايات المتحدة بينما كان العرب مجرَد أعضاء في هذا التحالف. لكن في الأسبوع الماضي، عندما لم يرضخ الحوثيون وحليفهم الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، لنصيحة السعودية للبقاء خارج مدينة عدن الساحلية، لم ينتظر السعوديون طويلًا واشنطن أو إذنًا من أي طرف آخر وأخذوا بزمام المبادرة. لقد جمعوا تحالفًا قويًا من عشر دول تم تنسيقه مع واشنطن وحلفائهم الغربيين ثم شنّوا عمليتهم.

تعتبر هذه الخطوة الجريئة سابقة في العالم العربي. تم تفسيرها على أنها تغير عن الموقف السابق، وهو "انتظار تحرُّك الولايات المتحدة والذي لن يأتي أبدًا كما حدث في سوريا"، كما قالت جريدة القدس العربي. كان أول دروس هذه العملية هو أن "القوة الإقليمية يمكنها أن تقود التاريخ وتغيّره كما قال الكاتب السعودي الذي يحظى باحترام واسع، جمال خاشقجي، في الحياة. لم تعد المنطقة تنتظر واشنطن ولا تستطيع أن تعتمد عليها كي تهب للإنقاذ.

أمّا الدرس الثاني فتمثّل في أن واشنطن ستتبع إن تولت المبادرة وأبدت حزمًا وقيادة، وهي لن ترفض مبادرة عربية تحظى بتأييد واسع. لقد تم انتقاد ممانعة إدارة أوباما في التدخل في المنطقة خاصّة بعد تقاعسها عن فعل المزيد في سوريا، لكن العمل العربي الأخير ربما لم يكن ليرى النور لولا هذا التقاعس الأمريكي. من الممكن أن يكون الرئيس أوباما قد ساعد المنطقة بدون قصد أكثر من أي إدارة أمريكية أخرى بإجبارها على الاعتماد على قيادتها ومواردها. وقد اكتشف القادة الإقليميون أنهم يستطيعون فعل ذلك. يستطيعون التقدُّم وحدهم بمباركة ومساندة أمريكية، لكن بدون مشاركة أمريكية.

وافق القادة العرب في القمّة العربية، في شرم الشيخ بمصر، على إنشاء قوات عربية مشتركة تعمل كقوات ردع أو حفظ سلام كما قال أمين عام جامعة الدول العربية، نبيل العربي. وكما أوضح سامح شكري، وزير الخارجية المصري، ففي سياق التحديات التي يواجهها الأمن العربي تم  خلق قوات مناسبة تعمل على مواجهتها. إنّ الحقيقة المجرّدة هي أن مثل هذه الدول العربية وافقت على خلق مثل هذه القوات بعد سنوات من المناظرات، وهو دليل على الحاجة الملحّة لها. أشار الكاتب اللبناني، رضوان السيد، في جريدة الشرق الأوسط، أن إيران والغرب معتادان على التردد العربي ورفض تحمل المسؤولية ولكنه قال "اليوم هناك مكان به حسم في اتخاذ القرار العربي. اليمن اختبار وإن تم استعادة صنعاء سيتم إنقاذ العرب. هذا الاختبار للسعودية التي ظهرت ككقائد ونجاحها في اليمن يمكن أن يدعم هذا الوضع ووضعها في خطر".

بالإضافة إلى ذلك فقد كشفت العملية عن الكبت والإحساس بالسخط لدى العرب بسبب الدور والنفوذ الإيراني في المنطقة. لقد أثارت الصورة المنتشرة لقاسم سليماني، الرئيس الإيراني لقوات القدس، على أراضي عربية والتصريحات العديدة من المسؤولين الإيرانيين حول السيطرة على أربع عواصم عربية، الكراهية والسخط والغضب. يرى العرب العمليةَ في اليمن كاستعادة لكرامتهم وثقتهم بأنفسهم. اعتبرت أصوات عديدة في العالم العربي العملية رسالةً مدويةً من السعودية لإيران بأنها لن تسمح بوقوع أي دول عربية أخرى في تأثير إيران. يعتقد العديدون أن هذا سيكون درسًا لإيران عن الثمن الباهظ الذي ستدفعه للتوسع خارج حدودها باستخدام أدوات طائفية. وتبدو إيران اليوم أكثر عزلة من أي وقت مضى بينما ظهرت السعودية كقائد لتحالف كبير.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب