العراق يسعى لتحقيق مكاسب كبيرة ضد داعش، لكن ببطء

مقال رأي

باللهجة العراقية، يقولون إن المعركة لتحرير الانبار تسير "شوي شوي".. "ببطء ببطء" .."شيئا فشيئا." وهذا لا يصف فقط كيف تشن قوات الأمن العراقية هجوما جديدا ضد معاقل الدولة الإسلامية الرئيسية – ولكن أيضا كيف تسعى إدارة أوباما إلى إبعاد قوات الأمن الحكومية عن النفوذ الإيراني.

تركيز بغداد المتجدد على محافظة الانبار مترامية الأطراف غربي البلاد – وهي التي تقع أجزاء منها تحت الاحتلال منذ 16 شهرا- سوف يظهر في سلسلةٍ من خطواتٍ صغيرة لكنها مقصودة لتحويل مجتمعاتها الإسلامية ذات الاغلبية السنية ضد المتطرفين الإسلاميين. وهذا من شأنه تأخير عملية عسكرية واسعة في مدينة الموصل شمالي العراق، والتي هي بمثابة مقر الدولة الإسلامية في العراق.

حتى الآن، لا تسير الحملة الجديدة بشكل جيد: طرد مقاتلو الدولة الإسلامية قوات الأمن العراقي ومقاتلي القبائل في الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار، في نهاية الأسبوع الماضي وحافظوا على سيطرتهم على المدينة القريبة من الفلوجة. خلال عطلة نهاية الأسبوع، أمر رئيس الوزراء حيدر العبادي بإرسال المزيد من القوات إلى المناطق المحيطة بها لدرء التراجع.

ولكن التحول الى الأنبار يعطي القوات العراقية فرصة لكسب المسلمين السنة المتشككين، الذين يخشون أن مجتمعاتهم المحلية ستحكمها الميليشيات الشيعية – والتي يرتبط بعضها بإيران- بعد انتهاء المعركة.

وسيكون ذلك أحد أهم مواضيع النقاش بين إدارة أوباما والعبادي هذا الأسبوع في أول زيارةٍ له إلى واشنطن. سيستغل المسؤولون الأمريكيون أيضا هذه الرحلة – التي تعد المرة الثانية فقط التي يزور فيها العبادي الولايات المتحدة- لتذكيره أنه فقط بعد أن حل الدعم الأمريكي محل المساعدات العسكرية الإيرانية في مدينة تكريت السنية الشهر الماضي، استطاعت القوات العراقية اقتناص النصر في واحدة من أصعب المعارك التي جرى الفوز فيها ضد الدولة الإسلامية حتى الآن.

قال نائب الرئيس جو بايدن في خطابٍ ألقاه في جامعة الدفاع الوطني الأسبوع الماضي"القوات العسكرية المدعومة بشكلٍ أساسي من إيران كانت في الصدارة،" في اشارة الى معركة تكريت ".. ثم تغير شيءٌ ما. توقف الهجوم."

اعترف بايدن بأن العراق ستتمتع دائما بعلاقات مع إيران، نظرا لحدودهما المشتركة، والأهم، تاريخهما لكونهما اثنين من القوى الشيعية في الشرق الأوسط الذي يهيمن عليه السنة بأغلبيةٍ ساحقة. ولكن في تحدٍ واضحٍ لطهران، أشار بايدن أن "العراقيين لا يريدون الانجرار إلى الصراعات الإقليمية."

وأضاف بايدن "إنهم لا يريدون أن يكونوا دمىً تتدلى على مسرح دمي يخص أي شخص في المنطقة."

وقال مسؤولٌ أمريكيٌ كبير أن سكان الأنبار الذين يغلب عليهم السنة يجعلون من غير المرجح أن الميليشيات الشيعية سيمكنها التغلب على الدولة الإسلامية هناك. كان العديد من المقاتلين السنة مترددين في مواجهة المتطرفين، وفي بعض الحالات، يعتقدون أن الدولة الإسلامية محتل أفضل من القوى الشيعية التي يعتقدون أن إيران تسيطر عليها. وقال المسؤول الكبير أن ربما ذلك هو الحال – لكن بنسبة أقل- في الموصل، حيث وضعت وزارة الدفاع الأمريكية في فبراير خططا لحملة يقوم بها الآلاف من قوات الأمن العراقية ضد المتطرفين الإسلاميين. لم يكن المسؤول الأميركي رفيع المستوى مخول له مناقشة التحول بالاسم، وقد تحدث إلى "فورين بوليسي" بشرط عدم الكشف عن هويته.

وكانت حملة الموصل قد حُدد موعد القيام بها في البداية إما هذا الشهر أو الذي يليه، وكانت سيدعمها مدربين من القوات الخاصة الأمريكية إلى جانب الاستخبارات ، والغارات الجوية. وقال مسؤول في إدارة أوباما للصحفيين الأسبوع الماضي إنه ليس من الواضح الآن متى قد تبدأ معركة الموصل: فهي "قد يصل بها الأمر أن تأتي في النهاية، أو قد تكون بعد بعض الوقت من الآن،" حسبما قال المسؤول الذي تحدث أيضا للصحفيين بشرط عدم الكشف عن هويته. وأضاف "لكنها ستكون مرحلة طويلة، طويلة، طويلة."

تاريخيا، كانت كل من الموصل والأنبار معاقلٍ للدولة الإسلامية، وسابقتها التنظيمية: تنظيم القاعدة في العراق. تقع الموصل – وهي ثاني أكبر مدينة في العراق- على مفترق طرق بالنسبة للمتطرفين المسافرين بين بغداد وحدود البلاد مع سوريا، حيث تعمل الدولة الإسلامية دون مضايقة إلى حد كبير في المناطق الشمالية والشرقية من هذه الدولة.

ورغم أن سكان الموصل يهيمن عليهم السنة، فهي تضم أيضا أكراد ومجموعات متناثرة من المسيحيين. وهي أقرب إلى الحدود الايرانية من الانبار، ويمكن الوصول إليها بسهولة من قِبل الميليشيات الشيعية التي تسعى للانتقام لتفجيرات الدولة الإسلامية التي دمرت مزارات شيعية في الموصل العام الماضي.

وبالنظر إلى الانبار، على العكس، فهي ستكون أكثر اعتمادا بكثير على مقاتلي العشائر السنية الذين تحالفوا مع القوات الامريكية في عامي 2005 و 2006 في نقطة تحول في الحرب ضد تنظيم القاعدة في العراق. وفي سلسلةٍ من المناوشات على نطاق أصغر، سوف يكون من اللازم عليهم إلى حد كبير الإطاحة بالدولة الإسلامية من المدن والبلدات في مختلف أنحاء المحافظة الصحراوية – بما في ذلك بعض المناطق التي يسيتطر عليها المتطرفون منذ يناير 2014.

وقال مسؤول عسكري أمريكي لـ "فورين بوليسي" إنه ليس هناك حاليا أي خطط لتعزيز المساعدات الأميركية لمعارك الانبار سوى مهمة تدريب محدودة قائمة بالفعل، إلى جانب الغارات الجوية المستمرة. خلال عطلة نهاية الاسبوع، أصابت الضربات الجوية الأمريكية أهداف الدولة الإسلامية في هيت والأسد، وكلاهما في محافظة الأنبار. كما أصابت الضربات الجوية الموصل وعدة بلدات أخرى في المناطق ذات الأغلبية السنية.

وقال بايدن في خطابه الأسبوع الماضي إن أكثر من 6000 جندي عراقي قد تخرج حتى الآن من البرامج التدريبية التي بدأتها الولايات المتحدة العام الماضي في أربع مناطق في العراق – بما في ذلك واحد خارج الأسد. في المقابل، سوف يدرب هؤلاء الجنود القوات العراقية الأخرى ومقاتلي العشائر السنية لمواجهة التمرد.

ومن الواضح أن واشنطن ستحث العبادي خلال زيارته على التأكد من أن أي ميليشيات شيعية تقع بحزم تحت سيطرة بغداد – وليس تحت سيطرة إيران- بينما تستمر الحرب. قال مسؤول في إدارة أوباما للصحفيين خلال مؤتمر صحفي الأسبوع الماضي: "ليس هناك شك في أن هذا يشكل مصدر قلقٍ كبيرٍ لنا، بل وأيضا، بصراحة، للحكومة العراقية."

بالفعل، لقد ادعى اثنان على الأقل من الميليشيات الشيعية أنهما يشاركان في الهجوم على الانبار، التي أعلن عنها العبادي الأسبوع الماضي فقط. وتتلقى إحدى تلك الميليشيات، كتائب حزب الله، التمويل والتدريب من قبل قوة فيلق القدس المرموقة شبه العسكرية في إيران. ويتحكم في الميليشا الأخرى، سرايا السلام، رجل الدين الشيعي المناهض للولايات المتحدة مقتدى الصدر، الذي عاد إلى وطنه بعد فراره للدراسة في المدارس الدينية في إيران خلال الحرب الامريكية في العراق.

ولكن الميليشيات الشيعية الأخرى – بما في ذلك عصائب أهل الحق، وحركة النجباء، وكتائب بدر، وكلها ترتبط بإيران– فقد قالت إنها سوف تجلس جانبا خلال معركة الانبار حتى يدعوهم العبادي للمشاركة. أفاد معهد دراسات الحرب أيضا أن تلك الميليشيات أوضحت أنها لن تشارك إذا استمرت الضربات الجوية الأمريكية في الأنبار.

وخلص تحليل صدر يوم الاثنين عن "آي.اتش.اس كانتري ريسك"، وهي شركة استخبارات خاصة، أن السنة في الانبار قد يكونون متخوفين من الانضمام إلى جانب الحكومة إذا شاركت الميليشيات الشيعية في القتال. وقد وصف تحليل قام به خبير "آي.اتش.اس الشرق الأوسط" جيمي انجرام مقاتلي العشائر السنية بأنهم "ضروريون" لهزيمة الدولة الإسلامية في الأنبار.

التقى العبادي، وهو شيعي، الأسبوع الماضي مع زعماء العشائر السنية في الأنبار، وسلم أول شحنة بين الألف سلاح التي وعد بها من أجل الجبهة الجديدة التي تواجه الدولة الإسلامية. وقد مثل ذلك ظهورا رمزيا للغاية بالنسبة لرئيس الوزراء، الذي يسعى جاهدا لإعادة بناء ثقة السنة تجاه للحكومة المركزية في بغداد بعد أن فشل سلفه، رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وهو شيعي أيضا، في تحقيق سنواتٍ من الوعود المماثلة بالدعم والحكم الذاتي للأنبار والمناطق السنية الأخرى. كما استهدف المالكي القادة السياسيين السنة، مما أجج الغضب الذي غذى صعود الدولة الإسلامية.

وقال عضو البرلمان السني جابر الجابري إن هجوم الأنبار سيتخذ نهجا تدريجيا. وقال الجابري في مقابلة مع "فورين بوليسي" إن الحملة ستركز أولا على تحرير الرمادي عاصمة المحافظة، ثم تنتقل إلى الفلوجة، وأخيرا تذهب للقضاء على الدولة الإسلامية في الروافد الغربية للمحافظة.

وقال الجابري إن ذلك من شأنه الحفاظ على أمن الطريق السريع الرئيسي من بغداد الذي يمر عبر محافظة الأنبار إلى الحدود مع الأردن. وقال مسؤولون امريكيون إن الحكام في الدول ذات الأغلبية السنية في الأردن والمملكة العربية السعودية يتحدثون على نحوٍ مماثل لزعمائهم القبليين لحشد التأييد لإخوانهم في العراق.

ولا يزال العبادي وحكومته "بحاجة الى بذل المزيد من الجهد في الانبار" حسبما يقول الجابري، واصفا المستوى الحالي من الدعم لمقاتلي العشائر السنية بـ"الضعيف للغاية".

لا تزال واشنطن عازمة – في مرحلة ما على الأقل- على مواجهة الدولة الإسلامية في الموصل، وقد التقى الجنرال لويد أوستن، قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأسبوع الماضي مع قادة الأكراد العراقيين لمناقشة كيفية القيام بذلك فقط. ومع ذلك، يصر المسؤولون في إدارة أوباما أن شن المعركة في الأنبار أولا سوف يساعد في حملة الموصل بقطع خطوط إمدادات الدولة الإسلامية والتواصل بين المنطقتين.

ولكن إلى جانب المقاتلين على الأرض، هناك حرب أكبر تخاض: إقناع السنة العراقيين بأن حكومتهم التي يقودها الشيعة ستحميهم. إذا حاولت بغداد كسب المعركة في الموصل دون أن تبين أولا أن قواتها تمثل رهانا أفضل من الدولة الإسلامية، يمكن أن تفشل الحملة العسكرية.

قال جون ألترمان، وهو خبير في شؤون الشرق الأوسط سيستضيف العبادي هذا الأسبوع في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: "يمكنك إقناع بعض الناس بتغيير وجهات نظرهم، ولكن من الصعب القيام بذلك في زمن الحرب، ومن غير المؤكد أنك ستنجح."

ويضيف ألترمان إن اتخاذ نهجٍ أبطأ في الأنبار من شأنه أن يبني الثقة بين السنة هناك، سيمهد الطريق نحو انتصارٍ دائم في الموصل. وأضاف: "إذا كان الناس في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة العراقية أكثر أمانا وأفضل حالا، سيعلم الناس في المناطق الأخرى بذلك."

وبعبارةٍ أخرى، بخطواتٍ صغيرة، ببطء ببطء، شوي شوي.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب