المشكلات والسياسات المحلية تحتل فكر المواطن الأردني

مقال رأي

اليمر الأردن بفترةٍ عصيبة. أولا، تكافح المملكة لاستيعاب حوالي مليون لاجئ سوري على مدار السنوات الأربع الماضية، ما أثقل كاهل البنية التحتية والموارد العامة للمملكة بعبءٍ ثقيل. بالإضافة إلى اضطرارها للتعامل مع الأشخاص المسافرين إلى الجهة المقابلة، فمنذ العام 2011، اتخذ ما يقدر بـ2500 أردني طريقهم عبر الحدود الشمالية للأردن للانضمام إلى جبهة النصرة والدولة الإسلامية. وفي المقابل، أصبحت الأردن هدفا هاما لتلك التنظيمات الإرهابية. في مطلع مارس، أخلت فرق السلام متطوعيها من الأردن، مشيرة إلى تهديدات أمنية متزايدة من الإرهاب، إلا أنه، رغم كل ذلك، لا يعتبر المواطن الأردني العادي الأمن التحدي الأساسي للبلاد.

وفق استطلاعٍ للرأي أجراه المعهد الجمهوري الدولي، وهو مؤسسة غير ربحية، يقلق الأردنيون بشكل أكبر بشأن الاقتصاد المتعثر، والأسعار المرتفعة، والفساد المتوطن، ويشعرون بأن لديهم وسائل محدودة للغاية لإصلاح تلك المشكلات. وفق الاستطلاع، قال 71 بالمئة من الأردنيين إن برلمانهم المنتخب قد فشل في تحقيق أي شيء جدير بالثناء خلال عام 2014. لا يبدو المجلس التشريعي في وضع حرج بسبب الحكومة المهيمنة فقط، بل يُعتبر أعضاءه مشغولي البال بأمور أقل من ثانوية، كعلاقاتهم بإسرائيل ومشروع قانون غير ضروري لحماية اللغة العربية.

رغم أن الأردنيين لم يخرجوا إلى الشوارع للتظاهر بعد، إلا أن المخاوف المحلية تظل مصدرا مستمرا وواسع النطاق للإحباط. خلال رحلة إلى الأردن في مارس 2015، شهدت كيفية تعامل مواطنة أردنية مع تلك المشكلات في حيها. سلطت التجربة الضوء على كيفية رؤية السياسيين الأردنيين لسياسة الإدارة، وكيف يمكن للسياسات المحلية أن تنفصل بشدة عن السياسة الخارجية الأكبر والمشكلات الأمنية التي تحل بالبلاد.

ردينة العطي، التي تبلغ من العمر 42 عاما، هي برلمانية في مدتها الثانية من بلدة الرصيفة، وهي بلدة فقيرة ومحافظة وأغلب سكانها من الفلسطينيين في محافظة الزرقا، على بعد مسافة قصيرة بالسيارة في شمال عمان. تنحدر العطي من عائلة فلسطنية بارزة، فقبل أن يتنحى هذا العام، عمل والدها لسنوات طويلة كمسؤولٍ كبير في حزب البعث الأردني العربي التقدمي، الذي يدعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد. وبالإضافة لحصولها على بكالوريوس في الإدارة المالية والمصرفية، تحمل العطي درجة الماجستير في إدارة الأعمال، وبين عامي 2007 و2010، عملت كعضو في مجلس البلدية الخاص ببلدة رصيفة. وبعد انتخابها للبرلمان الاردني عام 2010 ومجددا عام 2013 في ظل كوتة المرأة الأردنية (حيث يخصص 15 مقعدا من أصل 138 مقعد في البرلمان للمرشحات الإناث اللاتي تحصلن على أعلى نسبة تصويت)، تعمل العطي في لجان البرلمان الخاصة بالمالية والشؤون الفلسطينية.

ربما أكثر ما تعرف به العطي في الأردن هو آرائها فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. فهي من أبرز مناصري تأسيس دولة فلسطينية تشمل كامل فلسطين التاريخية وعاصمتها القدس. كما تدعو إلى "تحرير" الأردن من "عبء" معاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية التي وُقعت 1994. حملت ملصقاتها الدعائية عام 2010 صورة لها أمام مسجد قبة الصخرة الواقع بالقدس محاطة بثلاث انتحاريات فلسطينيات من حركة حماس. كما قدمت الدعم الكامل – في مقابلاتها التلفزيونية والمطبوعة – للهجمات الفلسطينية التي حدثت يوم 18 نوفمبر 2014 ضد المعبد اليهودي بالقدس الذي أودى بحياة خمسة إسرائيليين.

قابلت العطي في مكتبها بجمعية نشميات الخيرية بالأردن، التي تقدم المساعدات للسكان الأفقر بالحي. هي رئيسة المؤسسة وتلتقي بالناخبين في مقرها الرئيسي مرتين أسبوعيا، في يومي السبت والأربعاء، لتستمع إلى مشكلاتهم فيما يتعلق بالبطالة والإعانة والتعليم إلى جانب عددٍ كبير من المشكلات الاجتماعية. عندما وصلت في ظهيرة أحد أيام السبت، وجدت ما لا يقل عن 30 شخصا يجلسون في حجرة انتظار، ينتظرون بصبر. كمعظم النساء في حيها، العطي مسلمة محافظة ترتدي الحجاب وترفض مصافحة الرجال. إلا أنها لا تنكمش خجلا.

على مدار الساعتين، التقت العطي بحوالي 20 من الناخبين، من الذكور والإناث. تخلل الاجتماعات بشكل منتظم – كل حوالي ثلاث دقائق – سيل من المكالمات على هاتفها المحمول، والتي أجابتها سريعا. لقد كانت لطيفة – حيث كانت دائما ما تبدأ بالسؤال عن عائلات الناخبين – ثم تنتقل مباشرة إلى الأعمال.

بشكلٍ غير مفاجئ، كانت الأغلبية من زوار العطي يريدون مساعدتها في الالتحاق ببرامج الإعانة الممولة من الحكومة. فالفقر متفش في الأردن: حسب البنك الدولي، يقع حوالي 15 بالمئة من سكان المملكة تحت خط الفقر (والذي يعرّف بأنه هؤلاء الذين يعيشون ضمن عائلة يبلغ دخلها 366 دينارا شهريا (517 دولارا) أو أقل)، بينما يعيش حوالي 30 بالمئة في فقر لمدة ربع عام على الأقل.

ناقش العديديون ممن التقوا بالعطي عدم كفاية إعاناتهم. شرح رجل معاق جسديا، وغير قادر على العمل لدعم أسرته المتكونة من خمسة أشخاص، إلى العطي أنه كان يحصل على 136 دينارا فقط شهريا (192 دولارا) كمساعدة حكومية. ولكنه قال إن ذلك الدخل أقل مما يحق له وأنه لم يكن كافيا حتى لتغطية إيجار منزله. واستجابت العطي بأن كلفت السكرتارية الخاصة بها بكتابة رسالة لوزارة التنمية الاجتماعية تطلب من الوزير مراجعة حالة الرجل.

وفي موقفٍ آخر، تحدثت العطي مع شابة حديثة الزواج تطلب المساعدة في تخفيف الضغوط المالية. فزوجها تم سجنه مؤخرا لكتابته شيك دون رصيد – وهو مبلغ يبدو ضخما جدا حتى أنه لم يكن قادرا على سداده حتى تم القبض عليه – وسيظل حبيسا لعامين. أعلمت العطي العروس الشابة أنها مؤهلة للحصول على إعانة شهرية، وشجعتها على تقديم طلب لدى وزارة التنمية الاجتماعية.

إلا أن العطي لم تتمكن من مساعدة الجميع. فقد جاءت امرأة أردنية انتقلت إلى سوريا مع زوجها السوري منذ سنوات قليلة لتسألها بشأن حقها في مساعدة الحكومة. وقالت إنها حتى عام مضى كانت تعيش في حمص. ورغم الجنسية الأردنية، اعتبر أفراد عائلتها لاجئين في الأردن حيث أن جنسيات الأطفال تكون حسب جنسية الوالد. وكسوريين، تحصل العائلة على 39 دينار فقط كإعانة شهرية. (وفق برنامج الغذاء العالمي، يعاني 34 بالمئة من الأردنيين تحت سن 5 سنوات من الأنيميا، مشيرا إلى أن اللحوم الحمراء تعتبر عنصرا شحيحا في النظام الغذائي المحلي بشكل متزايد). وقالت المرأة إن شقتها تكلف 150 دينار شهريا، وإن مرتب زوجها كخياط لم يكن كافيا لدعمهم. أخبرتها العطي أن خياراتها محدودة، ولكنها اقترحت أن تسعى للحصول على دعم إضافي عبر المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وفي حالةٍ أخرى، انفجرت مطلقة معدمة – تعيش مع أطفالها في منزل أختها – في البكاء مع شرحها لموقفها للعطي. حيث لم تحصل المرأة بعد على أي شكل من الإعانة من الحكومة وأجبرت على البحث عن الطعام في القمامة. ومع عجزها عن تقديم أي نصيحة مفيدة، وضعت العطي يدها في حقيبتها ووضعت بعض الدينارات في يد الناخبة.

تمثلت إحدى المشكلات الشائعة في عدم استمرارية المنح التعليمية التي تمولها الحكومة. حيث شكى العديد من ناخبي العطي الأصغر سنا من أن منحهم التعليمية – التي تقدم للطلاب الحاصلين على تقدير "جيد جدا" – قد اختفت لسببٍ غير مفهوم. شرحت امرأة ومعها ابنتها أن منحتها الدراسية بالجامعة الهاشمية العام الماضي قد توقفت بعد الفصل الدراسي الأول من العام الحالي رغم تقديراتها الممتازة. استدعت العطي مجددا السكرتارية الخاصة بها من الغرفة المجاورة لتسجيل تفاصيل الحالة ولكتابة رسالة من مكتبها إلى وزير التعليم العالي.

مع اقتراب مستوى البطالة إلى 30 بالمئة في الأردن وربما إلى نسبة أعلى في الرصيفة، لم يكن مفاجئا أن يسعى العديد من الناخبين للحصول على مساعدة العطي في إيجاد عمل. فكأغلب الأردنيين، يبدو أن سكان الرصيفة يفضلون وظائف القطاع العام، الذي رغم انخفاض دخله إلا أنه يوفر أمنا وظيفيا ويعتبر عملا أقل تطلبا. فقد طلب رجل مساعدتها في إلحاق إبنه بالجيش. وقالت امرأة كانت سابقا مديرة في وزارة التعليم إنها تبحث عن العودة إلى منصبها القديم. وجاء أيضا مدرس متخصص في التعليم الإسلامي، زار العطي منذ ستة أشهر، ليبحث عن وظيفة في مدرسة عامة. قالت له العطي إنها قد أرسلت رسالة إلى الوزير نيابة عنه، ولكنها لم تتلقى رد منه بعد، إلا أنها وافقت على متابعة الأمر.

لم يكن مدى نجاح العطي في حل جميع تلك المشكلات واضحا. إلا أنه من المؤكد، بناءً على معرفتها بحالة المدرس – والعدد الكبير من الأشخاص الذين ينتظرون مقابلة معها – أن تروس البيروقراطية تتحرك ببطء في عمان.

غادرت مكتب العطي بعد ساعتين معجبا بالتزامها وتواصلها وإخلاصها لناخبيها. كما أعجبت أيضا بكفاءة عملياتها، وانتباهها المذهل للتفاصيل. على مدار سنوات التقيت بالعديد من السياسيين الأردنيين، ولكنني سمعت القليل للغاية عن عودتهم الروتينية إلى أحيائهم للتفاعل مع الناخبين. وباستثناء حضور الجنازات والأحداث الاجتماعية الأخرى التي تتطلب منهم الظهور علنا في أحيائهم، يبقى البرلمانيون عادة في عمّان ويطالبون الناخبين بالسفر إلى العاصمة للقاء بهم.

لقد كان توفير العطي ليوم خدمة للناخبين بالفعل مثيرا للإعجاب. رغم أنه وفي ذات الوقت، يعتبر غريبا أن يحتاج سكان الرصيفة إلى تقديم طلب لممثلتهم البرلمانية لتتدخل نيابة عنهم في إتمام الأمور التي تبدو روتينية وتتعلق بالهيئات الحكومية في عمّان. عجز الأردنيون عن التنقل بين المؤسسات البيروقراطية للدولة – وحقيقة أن العطي تكتب رسائل إلى الوزراء لتستفسر عن الكثير من الأفراد – يشير إلى حالات عجز خطيرة في الحكم بالأردن. وبينما جهود العطي مفيدة على المستوى متناهي الصغر، تمثل تلك الجهود حلا مرتجلا للقصور الحالي في نظام الإدارة.

وحتى نكون منصفين، بذلت الحكومة الأردنية بعض الجهود خلال السنوات الأخيرة لتحسين عنصر الإدارة. رغم أن الفساد يظل شكوة أساسية للأردنيين العاديين، ففي العام الماضي على سبيل المثال، ووفق منظمة الشفافية الدولية، انخفض مؤشر الفساد في المملكة بشكلٍ كبير. إلا أنه ومع تنامي التهديدات الأمنية، فمن الواضح أن الإصلاح والتحسينات الممنهجة في الإدارة بالأردن تظل ذات أولوية منخفضة. بالنسبة للوقت الحالي على الأقل، تمثل الخدمات التي تقدمها العطي وسائل واقعية لتلبية بعض احتياجات الرصيفة.

بالنسبة للمواطن الأردني العادي، المشغول البال بالتآكل والتمزق بفعل مشكلات الحياة اليومية والقلق بشأن الوضع المتدهور في سوريا والعراق، يعتبر النظام مرضيا، رغم عدم كونه في أفضل حال. إلا أنه بالنسبة لواشنطن، سوف تظل العطي معضلةً. فرغم جميع أعمالها الجيدة في الإدارة، قد لا تكون أجندة سياستها الخارجية أمرا يمكن تحمله بالنسبة للغرب. وبينما تستمر واشنطن في دعم التنمية الديمقراطية في الأردن وأنحاء الشرق الأوسط، بجب أن تتذكر أن جميع السياسات محلية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب