الهزّة السعودية تُمثّل أحجيةً ملكية أمام الولايات المتحدة

مقال رأي

 بينما تواترت الأخبار، الأربعاء الماضي، بشأن ما قام به الملك السعودي من إعادة تنظيمٍ لسلّم وارثيه، عقدت مجموعةٌ من خبراء السياسة الخارجية الأمريكيين جلسة نقاشِ مع سفيرٍ سابقٍ بالمملكة الغنية بالنفط. وعندما أشار أحد الحضور إلى الشخص الذي تمت تسميته حديثًا ليشغل الموقع الثاني في سلّم الورثة، محمد بن سلمان، الابن المفضّل لدى الملك، أتى تقييم المبعوث الدبلوماسي السابق مشوبًا بالسخرية.

"إذا ما اختلط عليكم الأمر لتعلقوا في المسافة الفاصلة بين ‘الأب’ و‘الابن’, فإن عليكم أن تكونوا حذرين كي لا ينتهي بكم المطاف عند الروح القُدُس." هكذا قال.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يُدخل ما قام به الملك سلمان من تصعيدٍ لابنه الصغير المتشدد، الذي لا يحظى بمعرفةٍ كبيرة بين الدوائر الأمريكية، عنصرًا من الغموض على العلاقة التي زاد توترها في ظل إدارة أوباما.

وعلى الجانب الآخر، فإن الشخص الذي تمت تسميته حديثًا ليشغل موقع الصدارة بسلم الورثة، ولي العهد الأمير محمد بن نايف البالغ من العمر خمسة وخمسين عامًا، يعد مفضلًا منذ فترةٍ طويلة لدى المسئولين الأمريكيين، الذين عملوا معه في مواجهة الجماعات المتشددة، أمثال القاعدة. كذلك فإن وزير الخارجية القادم، عادل الجبير، هو السفير السعودي الحالي لدى الولايات المتحدة، كما أنه منخرطٌ منذ فترةٍ طويلة في دوائر واشنطن؛ فقد حصل على درجة الماجستير من جامعة جورج تاون واعتاد على تناول وجبة عشائه في عددٍ من مطاعم واشنطن الراقية.

ومع ذلك، فإن محمد بن سلمان لديه القليل من الروابط، إن كان هناك ثمّة روابط بالأساس، مع المسئولين الأمريكيين. وبالرغم من ذلك، ربما بسبب شبابه وقربه من الملك الحالي، فإن المطاف قد ينتهي به منافسًا لولي العهد الجديد الذي طالما لعب دورًا محوريًا في العلاقات السعودية الأمريكية.

يُعتقد أن محمد بن سلمان، الذي يشغل حاليًا منصب ولي ولي العهد، في نهاية عقده الثالث أو بداية عقده الرابع. وقد أنهى دراسته الجامعية بالمملكة العربية السعودية، على النقيض من العديد من أقرانه، أو حتى أبناء الجيل السابق عليهم، الذين تم إرسالهم إلى الخارج للدراسة الجامعية. ترقّى بن سلمان سريعًا في سلم الأمراء، حيث تم تعيينه وزير دفاع المملكة في يناير الماضي. لذلك، فإنه يُعد أيضًا أحد المهندسين الرئيسيين للحملة الجوية التي شنتها السعودية على اليمن لقمع تمرد الحوثيين الذي يُدّعى أنها مدعومٌ من قبل إيران.

"أعتقد أن هناك تخوفًا من أن يكون محمد بن سلمان على درجةٍ من التهور، بالنظر إلى حملة اليمن،" هكذا قال مسئولٌ سابقٌ بإدراة أوباما. "ولكنني أعتقد أن السعوديين قد تعلّموا الدرس من عدم إحراز نجاحٍ كافيٍ في اليمن حتى الآن، لذلك فإننا سوف نرى إن كان محمد بن سلمان سيلتزم بالمزيد من ضبط النفس في المستقبل أم لا."

ورغم أنه لم يصدر عن المسئولين الأمريكيين العديد من التصريحات العامة بخصوص محمد بن سلمان، فقد وصفه نائب وزير الخارجية أنتوني بلينكن بأنه "على قدرٍ عالٍ من الإطلاع والتركيز والاجتهاد."

"أعتقد أننا نحاول صياغة العلاقة مع المملكة العربية السعودية، ولكنني متخوفٌ من أن نواجه عددًا من التحديات،" هكذا قال سيمون هندرسون، الخبير في شئون المملكة العربية السعودية بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، هذا وقد وصف الأمير الصاعد بأنه "سياسيٌ لا يرحم."

"إنه الشخص الذي كان علينا، بوضوحٍ، أن نبني علاقاتٍ معه، إلا أنه لا يوجد ما يبرهن على نجاحنا في ذلك حتى الآن،" هكذا قال هندرسون.

من جانبها، لم تستجب السفارة السعودية في واشنطن على الفور للطلب بالتعليق على ما جرى يوم الأربعاء. وعندما سُئل بخصوص التغيرات السعودية الراديكالية خلال مؤتمره الصحفي اليومي، قال الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض جوش إرنست أن ذلك كان "قرارًا داخليًا للحكومة السعودية،" وأضاف أن الولايات المتحدة "سوف تواصل العمل على الحفاظ على علاقاتٍ وثيقة وفعّالة مع قادة المملكة العربية السعودية."

ويُذكر أن التغيرات في سلم الوراثة بالسعودية تأتي عقب سنواتٍ من تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والمسئولين السعوديين. حيث يشعر السعوديون بالقلق إزاء جهود الولايات المتحدة الرامية إلى إبرام اتفاقٍ نوويٍ مع إيران، الدولة المسلمة الشيعية والمنافس الإقليمي الرئيسي للسعودية. كذلك فقد اختلفت الرؤى التي تتبناها كلٌ من واشنطن والرياض بحدة إزاء كيفية التعامل مع الحرب الأهلية السورية – وفي عام 2013، على سبيل المثال، قال الأمير السعودي تركي الفيصل أن المملكة قد أصيبت "بخيبة أملٍ كبيرة بسبب الطريقة التي تتعامل بها الحكومة الأمريكية" في سوريا. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تعزز الجهود السعودية، من خلال الدعم الاستخباراتي وغيره، في اليمن، فإن نتائج الصراع لا تزال غير مؤكدة.

ويشير القرار الذي اتخذه الملك سلمان، البالغ من العمر نحو ثمانين عامًا، بتصعيد ابنه الصغير إلى منصب ولي ولي العهد إلى أن السعوديين عازمون على مواصلة لعب دورٍ حازمٍ في المنطقة – مع أو بدون مباركةٍ أمريكية.

"لقد تم بالأساس تصعيد الأشخاص الذين يديرون السياسة الإقليمية،" هكذا قال جريجوري جوز، الأستاذ بجامعة "تكساس إيه أند إم" والباحث في قضايا أمن الخليج.

كما تُمثّل التغيرات التي جرت على سلم الوراثة السعودي أيضًا نقلةً غير متوقعة من جيل أبناء الملك السعودي الأول إلى جيلٍ أصغر من أحفاده.

ويُعتقد أنه قد تم إعفاء وزير الخارجية الأسبق، سعود الفيصل، الذي كان يُعد أطول وزراء الخارجية خدمةً في العالم – حيث ظل في منصبه لمدة أربعين عامًا – بسبب مرضه. أما الأمير مقرن، ولي العهد السابق، فإنه في حوالي السبعين من عمره وكان قد تولى منصب ولي العهد لبضعة أشهرٍ فقط. ويعد خليفة مقرن، بن نايف، الذي لا يزال في عقده السادس، صغيرًا في السن بمعايير القيادة السعودية. وقد شغل بن نايف منصب وزير داخلية البلاد.

إن الجيل الأصغر من القادة السعوديين، بشكلٍ عام، أكثر إدراكًا وقدرةً على التكيف مع العالم الخارجي، كما يقول أولئك الذين يتعاملون معهم. كما تشير حقيقة اختيار الملك لجبير، وهو ليس عضوًا بالعائلة المالكة، لمنصب وزير الخارجية إلى أنه أراد شخصًا على درجةةٍ عالية من الكفاءة، وليس مجرد أمير آخر.

هذا وقد شملت تغيّرات هذا الأسبوع، وفقًا للتقارير الصحفية، إقالة المرأة ذات المنصب الأعلى في الحكومة السعودية، نورا الفايز، من منصبها كنائبٍ لوزير التعليم للبنات. ومع ذلك، فقد أشار شخصٌ مقربٌ من المشهد السعودي السياسي إلى الجيل الأصغر من القادة السعوديين، رغم أنه يظل شديد التدين، ليس متزمتًا أو قمعيًا مثل العديد الآخرين بالمملكة، حيث تواجه النساء، على نحوٍ خاص، العديد من القيود، من بينها عدم السماح لهن بقيادة السيارات.

"إنه تطورٌ،" هكذا يقول الشخص. "ويعد هذا جزء من الجهود التي يبذلها الملك لتعزيز التغيير الذي سوف يعمل على تقدم المجتمع السعودي."
وقال المراقبون إنه من غير المرجح، إلى حدٍ بعيد، أن يكون للمسئولين الأمريكيين أي رأيٍ أو دور في إعادة ترتيب سلم الوراثة السعودية، لعدة أسبابٍ ليس أقلها التوترات الأخيرة بين الرياض وواشنطن. وتشير الدلائل إلى أنه لم يتم إخطار الأمريكيين بما يكفي، إن كان ثمّة إخطارٌ بالأصل.

وقد فاجأت هذه الهزة جزئيًا بعض المراقبين بسبب توقيتها. فسلمان وصل إلى العرش فقط في يناير بعد وفاة أخيه غير الشقيق، الملك عبدالله، في وقتٍ لا تواجه فيه المملكة خطرًا وشيكًا يمثله التشدد الإسلامي فحسب، وإنما أيضَا تواجهها تحديات مالية بسبب انخفاض أسعار النفط. وكذلك فإن اخراق ديناميات العائلة السعودية المالكة أمرٌ بالغ الصعوبة، ومن الممكن أن تحدث هزّات مستقبلية أخرى إذا ما حاول الأمراء الطموحون الآخرون الصعود.

وتأتي التغيّرات السعودية أيضًا بالتزامن مع تحضيرات البيت الأبيض لاستضافة المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول العربية في قمة خاصة بكامب ديفيد يُزمع انعقادها في منتصف شهر مايو. وإذا ما ظهر محمد بن سلمان، ولي ولي العهد الجديد، في هذه القمة، فمن المرجح أن يراقبه المسئولون الأمريكيون عن كثب.

"إنه شخصٌ يعمل تحت ظل والده،" هكذا قال جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. "ووالده الآن هو الملك، الذي يتحمل مسئوليات كبرى، ويتمتع بسلطاتٍ واسعة."

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب