تحول جديد في معركة باكستان ضد التشدد

مقال رأي

في 11 مارس، أغارت رانجرز، وهي منظّمة عسكرية مكلّفة بالمساعدة في الحدّ من العنف في كراتشي، على مقر الحركة القومية المتحدة (MQM) التي سيطرت مع الحزب السياسي المنافس لها، حزب الشعب الباكستاني (PPP)، على المدينة منذ السبعينيات. تسببت الحملة، التي حدثت في الصباح الباكر، في الاستيلاء على مخزون ضخم من الأسلحة والقبض على 32 مشتبهًا به بما في ذلك مجرمين مدانين فارّين، وتسببت في عدة إصابات وفي مقتل أحد العاملين في الحركة القومية المتحدة ولو أن سبب وفاته يبقى غير واضح. بعد الحملة، أغلقت مراكز أعمال ومراكز تجارية ومدارس حتى أن الامتحانات قد أجلت وتوقفت الحياة في كراتشي بالإضافة إلى عدد آخر من المدن في مقاطعة السند وعاصمتها كراتشي. كانت الحملة الوحيدة الأخرى ضدّ الحركة القومية  قد حدثت في العام 1992 وقد غيّرت للأبد المجال السياسي والإداري في المدينة. قد تثير حملة 11 مارس دورةً جديدةً من التغيُّرات على الساحة الكراتشيّة المتوترة بالفعل بما قد يترك المدينة في قمّة حالة الترقب.

إنّ كراتشي بالفعل مدينة مليئة بالتوتر من قبل هذه الحملة. إنّها أكثر مدن باكستان عنفًا مع ما يقدر بـ 2029 حالة وفاة مرتبطة بالعنف في 2014. ويأتي عدد كبير من الإصابات نتيجة للجريمة المنتشرة في المدينة ولكن المساهم الأكبر هو شرور الاغتيال الذي تحركه أسبابٌ سياسيةٌ ودينيةٌ وعرقية، تجد دائرة من الوحشية بلا توقف جذورها في حملة 1992 أيضًا. بالإضافة إلى هذه المشكلة الممتدة، فإنّ الأجنحة المسلحة التي يقال إنها تتبع أحزابًا سياسية متورطة في عمليات ابتزاز وخطف لطلب الفدية وتشكيلة من الأنشطة غير المشروعة التي ينتج عنها أحيانًا القتال المسلح عبر المدينة والذي يستمر لأسابيع.

ادّعت المحكمة العليا في حكم خلافي، صدر في 6 أكتوبر 2011، أن المجرمين المخضرمين في كراتشي يتمتعون بحماية سياسية من الأحزاب الكبرى. وقد ظهرت مرارًا ادعاءات بوجود أجنحة سياسية مسلحة حتى على لسان رئيس الشرطة ومدير عام رينجرز، لكن لم يتم إثبات ذلك على الإطلاق. نفت جميع الأحزاب هذه الفكرة بقوّة ولم يُتمكن من إثبات أي رابط متماسك يمكن العمل على أساسه.

تغيّر ذلك كلّه تغير مع حملة 11 مارس على مقر الحركة القومية. لقد استولت رينجرز على "كمية ضخمة من الأسلحة والذخيرة" من المجمع، بما في ذلك ذخيرة يقال إنّها سرقت من حاويات الناتو التي تم نهبها وهي في طريقها إلى القواعد العسكرية في أفغانستان عبر باكستان عندما كان أحد كبار قادة الحركة القومية وزيرًا فدراليًا للموانيء والشحن واتهم بهذه الجريمة في العام 2013. بالإضافة إلى ذلك، فالقبض على مجرمين مدانين يخلق مشاكل كبيرة للحركة القومية التي اتُهمت طويلًا بالتسبب في الاضطرابات وانعدام الأمن في كراتشي. عانت قيادة الحزب من انعدام الاتصال الداخلي أولًا بقولهم إن الأسلحة كانت للحماية بسبب "طلبنة كراتشي" ثم لاحقًا ادعوا أن الأسلحة قد زرعتها رينجرز.

لكن أتت أكثر التطورات المؤذية مع ادعاء من سولات ميرزا، العامل السابق في الحركة القومية والمحكوم عليه بالإعدام، قبل ساعات من موعد إعدامه بسبب جريمة قتل كان قد ارتكبها في العام 1997. بعد أسبوع من الحملة، تم إطلاق اعتراف مسجل على فيديو يدّعي فيه أن القتل قد تم بأوامر مباشرة من ألطاف حسين، الزعيم الذي نفى نفسه والمقيم في بريطانيا، في منزل النائب التابع للحركة القومية، بابار جوري، وهي ادعاءات نفاها الأثنان بقوة.

لم يحدث من قبل في تاريخ باكستان أن اتُهمت الحركة القومية بهذا الشكل العلني والمباشر بالتورط في القتل. يقول تقرير استخباراتي حديث إنّ قوات الأمن تركز على الأجنحة المسلحة لكل الأحزاب السياسية. من المهم ملاحظة أن العملية ضدّ الحركة القومية لم تتضمن أي عضو في قوات الشرطة مما يوحي بعدم ثقة صارخة في جهاز الشرطة المسيس بشدّة في المدينة. إنّ هذه العملية الخاصّة بالرينجرز فقط هي الأخيرة في سلسلة من التدخلات التي يقودها الجيش للدفع نحو استقرار موقف القانون والنظام في البلد في أعقاب الهجمة الرهيبة على المدرسة العامة للعسكرية، في بيشاور، في 16 ديسمبر 2014، والذي خلّف 141 قتيلًا منهم 132 طفلًا.

لتبعات الحملة والتركيز على عنف الحزب السياسي تنويعات عديدة لا يمكن من التنبؤ به بدقة، لكن هناك ثلاثة احتمالات واسعة تطرح نفسها.

أولًا، تُنبيء الحملة بجيش متورط بشكل متزايد في الأمن الداخلي وأمور الحوكمة الخاصّة بباكستان مما يتسبب في أن ينعتها النقاد بأنها انقلاب ناعم. إنّ استخدام الرنجرز بدلًا من الشرطة للإغارة على مكتب سياسي يؤكد على انعدام الثقة الضمني في الجهة الأساسية لحفظ الأمن، الشرطة، التي وبختها المحكمة العليا على أساس أنه "ليس لديها النية في أن تؤدي الغرض منها"، كما أوحت بالاعتراف بفشل الدولة في وقف الجريمة والعنف السياسي في المدينة. مع العملية العسكرية الكاملة في المناطق القبلية المتاخمة للحدود وإنشاء المحاكم العسكرية حديثًا لمحاكمة المشتبه في تورطهم في الإرهاب، يزداد تورُّط الجيش في المناطق التي تكون عادةً خارج دائرة عمليتها. جذور النقد المتزايد في الإعلام والمجال العام للتورُّط العسكري المتزايد تكمن في حقيقة أنه لنصف مدّة وجودها كانت باكستان تحت حكم الديكتاتوريات العسكرية.

ثانيًا، وربما بالتوازي، يمكن للتدخل الذي تقوده القوات المسلحة لقلب الصراع السياسي في كراتشي أن ينتج عنه إلغاء عسكرة الأحزاب السياسية وتحييد ألطاف حسين القويّ. إنّ الحملة والخلاف حولها والاعتراف المسجل تلفزيونيًا لسولات ميرزا والضغط المستمر كلها إشارات على استراتيجية موسّعة للتعامل مع عسكرة السياسة. ومع ذلك فإنّ إلغاء العسكرة يمكن أن يأتي بمخاطره إذا خسرت الحركة القومية  والأحزاب السياسية الأخرى وضعها. وفي مثل هذه الحالة تتمكن منظمات مثل أهل السُنّة والجماعة، وهي فرع من سيباه صحابة باكستان، – وكلاهما منظمات ممنوعة ومجموعات طائفية خبيثة بتاريخ شديد العنف - من الربح. مع طلبنة كراتشي سيكون ذلك نذير شؤم لأكبر مدينة في بلد مقسمة بالفعل على أسس دينية وطائفية وعرقية.

الاحتمال الثالث هو أن تتكيف الحركة القومية والأحزاب الأخرى وتنصلح مستجيبة للواقع الجديد الذي تحركه العسكرية والقيادة السياسية. إنّ لعبة السياسة الباكستانية محيّرة وبشكل أكبر في كراتشي. لقد نفع الصفوة، في كراتشي، في الماضي، أن يبقى السرد مختلطًا والقصة مفككة وادعاء ادعاءات زائفة ضدّ من يمكن أن يقلل من قدرهم من القوى المعارضة، ويمكن أن ينفعهم مرة أخرى. مع ذلك، يشير عدد من الخطوات الخاطئة منذ الحملة والتراجع التالي والتخبط والتشتت الناتج عن ذلك إلى أن الحركة القومية تعاني كي ترسم دور البراءة وتبقى ذات صلة.

بأخذ تاريخ  كراتشي في الاعتبار، من الممكن بالطبع أن يمر كل ذلك مع الوقت، لكن من المرجح أكثر أن هذا هو فصلٌ جديدٌ في الحرب ضدّ العسكرة والتشدد والذي سيأتي بمخاطر جديدة لا يمكن أن تتم تغطيتها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب