جيش عربي مشترك أم جيش سني مشترك؟

مقال رأي

استضافت مدينة شرم الشيخ الأسبوع الماضي قمة جامعة الدول العربية السادسة والعشرون. ولكنها انتهت بمفاجأة. حيث أعلنت المنظمة المكونة من 22 دولة عربية في بيانها الختامي عن تشكيل "قوة عربية موحدة" لمواجهة التحديات الأمنية الإقليمية.

للوهلة الأولى، يبدو قرار الجامعة العربية جديرا بالثناء. أشاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالقرار بوصفة خطوة تاريخية لمحاربة التطرف و"لحماية الأمن القومي العربي". واحتفل الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي بالقرار بوصفه نقطة تحول في ضوء "الاضطراب والتهديدات غير المسبوقة التي يعاني منها العالم العربي"، كما أيد وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر الخطة بوصفها "أمرا جيدا". وأعلنت صحيفة الرياض السعودية اليومية الموالية للحكومة عن ميلاد جديد لجامعة الدول العربية بوصفها "جسدا أُعيد إحياءه".

إلا أن القوة العسكرية المتصورة التابعة للجامعة العربية سيكون لها تداعيات سلبية خطيرة على العلاقات الطائفية في الشرق الأوسط الأكبر. ففي النهاية، تم الإعلان بالتزامن مع استمرار القوة العسكرية ذات القيادة السعودية في قصف المتمردين المزعوم دعمهم من إيران في اليمن، ومع تسابق المفاوضين الغربيين إلى إنهاء اتفاق نووي إطاري مع إيران.

حتى الآن، تظل تفاصيل القوة العربية المقترحة غامضة. حيث طلبت القمة بشكل رسمي من رؤساء أركان الدول المشاركة صياغة خطة شاملة لتقدم إلى مجلس الدفاع المشترك التابع لجامعة الدول العربية خلال ثلاثة أشهر. وحتى ذلك الحين، يمكن تقييم نطاق وطبيعة القوة المتصورة فقط من خلال البيانات الصحفية. ووصف مسؤولون تلك القوة بأن قوامها يصل إلى 40 ألف من قوات النخبة، مدعومين بقدرات بحرية وجوية. ويُتوقع أن تقدم السعودية معظم التمويل المالي، ومن المرجح أن تساهم مصر بمعظم الأفراد. أما الدول العربية الأخرى، مثل الأردن، الإمارات، والكويت فستقدم إسهامات أقل. وسيكون مقر القيادة على الأغلب في الرياض أو القاهرة.

 منذ عام كتبت في مقالٍ على موقع "فورين أفيرز" بشأن دور جامعة الدول العربية المنكمش في السياسات الإقليمية. وقلت إن جامعة الدول العربية احتاجت لـ"التحول من محفلٍ للنقاش إلى مقر لاتخاذ القرارات بشكل حقيقي". وأعربت في ذلك الوقت عن بعض الأمل في أن الكارثة المستمرة في سوريا سوف "تفعل بالجامعة العربية ما فعلته مذبحة رواندا الجماعية بالاتحاد الأفريقي". ففي عام 2014، تخلى الاتحاد الأفريقي، مدفوعا بالكارثة الإنسانية، عن مبدأ عدم التدخل وسيادة الدولة الخاص به عبر تأسيس مجلس الأمن والسلام المكون من 15 عضو من أجل "منع، وإدارة، وحل النزاعات".

أي أن التوترات المتصاعدة الحدة مع إيران والصعود غير المسبوق لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام نشّط دور الجامعة العربية. إلا أن هناك بعض التشكك حول قدرة القوة الجديدة على العمل كمحور للاستقرار الإقليمي.

أسفر إعلان الأسبوع الماضي، بشكل أساسي، عن إقصاء واقعي للشيعة العرب من بلاد الرافدين وحتى الشام من قلب المنظمة، وعزز بالتالي الاستقطاب داخل العالم العربي بشكل كبير. ونتيجة للإعلان، قد تصبح الجامعة العربية أكثر فاعلية، ولكنها ستصبح بالتأكيد أقل شمولا. حيث سيأتي عملها على حساب الانقسام.

يسهل بالفعل رؤية الانقسامات. حيث أسست القمة العربية دعوتها لتشكل قوة جديدة على اتفاق التعاون الاقتصادي والدفاع المشترك، الذي وقع عليه الأعضاء المؤسسون للجامعة العربية في يونيو 1950. بمواجهتها بالهزيمة في النكبة الفلسطينية عام 1948، تعهدت الدول الموقعة بـ"وضع خطط للدفاع المشترك". كان الهدف الضمني من ذلك الإجراء هو الدولة اليهودية حديثة التأسيس – في حينها- ولم تقدم أيٍ من مصر، العراق، الأردن، السعودية، سوريا، واليمن اعتراضا رسميا، رغم عدم متابعتهم للخطوات الهامة والملموسة.

ولكن اليوم اللعبة مختلفة. فدمشق تم وقف عضويتها بالجامعة العربية منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية وبالتالي لم تتمكن من الاعتراض على الاقتراح، ولكن كلا من بيروت وبغداد سجلتا تحفظاتهما الجادة. وذلك غير مفاجئ، في ضوء أن كلاهما يمثل مقرا لطائفة شيعية كبيرة وأحزاب سياسية شيعية قوية. وبالتالي توجب، خلال اليوم الأخير للقمة، على الأمين العام العربي إعلان الاعتراضات العراقية "بسبب غياب الحوار الأولي بشأن المبادرة". وبعد فترة وجيزة، حذر إبراهيم الجعفري، وزير الشؤون الخارجية العراقي، من "صراعٍ عربي-عربي" ومن فتح "صفحة جديدة من الحرب"، مشيرا إلى تدخل الملك السعودي سلمان في اليمن. وبشكلٍ مشابه، حثت حكومة لبنان الجامعة العربية على تنفيذ "القرارات العربية المجمع عليها" فقط، ومثل قولها ترديدا لانتقادات حزب الله السابقة للتدخل في اليمن بوصفه "عدوانا ظالما".

بالفعل تستلزم الجامعة العربية الإجماع لتنفيذ القرارات، لذلك أُجبر داعمو القوة العربية المشتركة على تصنيف المساهمات بأنها تطوعية. ونتيجة لذلك، يرجح أن أي قوة عربية مشتركة مستقبلية تحت مظلة الجامعة العربية ستشبه إلى حد كبير تحالف الدول السنية المشارك حاليا في اليمن. وبالتالي، بدلا من أن تصبح محفل لوحدة قومية عربية، قد تحول القوة الجديدة الجامعة العربية بشدة إلى أداة للطائفية السنية.

ذلك في حال تحققت تلك القوة بالفعل. فحتى بين الدول السنية، تم حل التوترات التي استمرت لعقد بصعوبة. بالتأكيد هناك تقارب ملحوظ بين مصر، وقطر، والسعودية. حيث اختلفوا لسنوات حول الدعم القطري لتنظيم الإخوان المسلمين. سحبت مصر سفيرها من الدوحة في يناير 2014، وعاد السفير القطري إلى القاهرة الأسبوع الماضي فقط. فمن ناحية، قد يثبت توحد الصفوف السنية في اليمن كونه جبهة دائمة معادية لإيران بين الدول السنية المختلفة. وعلى الناحية الأخرى، ستظل، على سبيل المثال، مسألة كيفية التصرف بأفضل شكل في ليبيا، سوريا، والمناطق الواقعة بحكم الأمر الواقع تحت سيطرة داعش في العراق، صعبة الإجابة بشكلٍ مشترك بين تلك الدول.

ولا يمثل ذلك حتى الصعوبات السياسية في تحقيق السيادة المشتركة بالحقل المقدس الخاص بالأجهزة الأمنية العربية. وفي ضوء السجل الضعيف من التعاون العربي، بل وفي مشكلات أقل إثارة للجدل، سيكون إنشاء تشكيلات عسكرية هرمية شاملة تتخذ طابعا رسميا تحديا سياسيا هاما. ضع في الاعتبار سجل العمليات الأمنية والعسكرية الخاصة بالجار الشمالي للجامعة العربية، الاتحاد الأوروبي. فرغم التكامل السياسي الشامل الذي يتضمن سوقا مشترك، عملة مشتركة، والمؤسسات الأخرى الكثيرة؛ يظل الاتحاد الأوروبي يكافح باستمرار للتوصل إلى صوتٍ مشترك بصدد المشكلات الأمنية والخارجية. إلا أن ذلك لا يعود لنقص المحاولة، ففكرة الجيش الأوروبي المشترك تسبق حتى تأسيس المجتمع الأوروبي. حيث دعى ونستون تشرشل مجلس أوروبا عام 1950 لإنشاء "جيشٍ أوروبيٍ تحت قيادةٍ موحدة"، وهو نداء تكرر بعد شهرين من قبل رئيس الوزراء الفرنسي رينيه بليفين. وفي الآونة الأخيرة، ظهرت مجددا خططٌ مشابهة في دعوات رئيس مفوضية الاتحاد الأوروبية جان كلود يونكر لإنشاء "جيش أوروبي مشترك".

لم تتبلور مؤسسة مشابهة من قبل. ورغم تجنيد الدول الأعضاء لـ"مجموعات مقاتلة" خاصة بالاتحاد الأوروبي تختص بمهام حفظ السلام والمهام الإنسانية، إلا أن تلك القوات لم تُنشر أبدا. ويعود السبب إلى أن تشكيل جيش أوروبي مشترك يجب أن يكون نتيجةً لسياسة خارجية أوروبية مشتركة، وليس العكس. تخيل حجم التحديات الأكبر التي ستواجهها الجامعة العربية.

في ظل هذه الحقائق، لا تبدو قمة شرم الشيخ إلى حدٍ كبير كتقدم مفاجئ أو تحرر، بل تبدو كاحتفالٍ علني بمواجهة طائفية ضد المجتمعات الشيعية العربية وإيران. رغم أن تأسيس قوة عربية قوية التمثيل تعمل تحت إشراف جامعة عربية شاملة ومحسنة وبالتوافق مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة سيكون إضافة مرحب بها إلى المنطقة، ولكن "القوة العربية المتحدة" ليست كذلك. قد يكون ذلك الأسلوب مفيدا في التغاضي عن التوترات الكامنة بين الدول السنية، ولكن يحتمل أن يؤدي إلى إضعاف الجامعة العربية ككل وأن يغذي التوترات العربية الإيرانية المشتعلة بالفعل. تماما كمثله الأعلى جمال عبد الناصر، أنهى السيسي تصريحاته في القمة بالهتاف "تحيا الأمة العربية" ثلاث مرات. إلا أنه في الجامعة العربية الجديدة، تبدو الأمة العربية ممتدة لتشمل السنة فقط. أهلا، إذن،بالجامعة السنية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب