جيوش الخليج محكوم عليها بالفشل في اليمن

مقال رأي

تتمتع دول الخليج السنية بثروة ضخمة، تنفق أموالا طائلة على الدفاع، ولديها أعدادا كبيرة من الجنود. إلا أنها اعتمدت على القوى الخارجية، وبصور رئيسية الولايات المتحدة، للحفاظ على أمنها. وللمفارقة، تسعى مشترياتها من الأسلحة إلى إلزام القوى الغربية بالدفاع عن زبائنها العرب الكبار، بالتزامن مع محاولتها بناء جيوشٍ منافسة.

كان ذلك واضحا عندما أدى الصعود المذهل لتنظيم الدولة الإسلامية العام الماضي إلى صدور تصريحات عن العواصم السنية العربية وتظاهرها بالشجاعة، ولكن مع القليل من الأهمية العسكرية. تتكون أغلبية القوات التي تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق من جنود شيعة، ميليشيات شيعية، وطيارين غربيين.

يحاول السنة تغيير تلك الاعتمادية عبر بناء قوة دولية تتكون من وحداتٍ برية، بحرية، وجوية لمواجهة المتمردين الحوثيين في اليمن. ترى ماذا ستكون نتيجة ذلك التحالف في اليمن؟ وبماذا ينذر للشرق الأوسط؟

صعود الحوثيون

انقسمت اليمن بشكلٍ مستمر بفعل الصراع والحرب الأهلية لمدة عقود. أثبتت الوحدة السياسية قصر أجلها. يمثل الهجوم الحوثي الأخير ببساطة الحرب الأخيرة بين الشمال، الذي خضع لحكم الأتراك العثمانيين، والجنوب، الذي كان مستعمرةً إنجليزية.

ينتاب العواصم السنية قدرٌ كبيرٌ من القلق بشأن ظهور الحوثيين. حيث يعتبر الحوثيون وكلاء لإيران وأحد طلائع المد الشيعي. ويتكرر ذلك القلق على نطاق واسع في الكونجرس الأمريكي، ولكنه لا يوجد عليه أدلة موثوقة. فعلى سبيل المثال، تعتبر الاستخبارات الأمريكية النفوذ الإيراني في اليمن حديث التأسيس وليس ضخما بشكل خاص. فالقوى الدافعة للحوثيين تأتي من داخل اليمن.

تخضع التصورات السنية للأحداث في اليمن لتوقعات وعداوات طائفية، كما أن الحديث عن خطر إيران والمذهب الشيعي مبالغ فيه. يرى السنة أيضا صعود القوة الشيعية في المنطقة، رغم أنها رفضت بوضوح المزيد من الاندفاع في سوريا والعراق، ويعود ذلك جزئيا إلى ظهور الجهاديين السنة. إلا أن السنة يبنون قوة لمواجهة القوة الإيرانية الشيعية.

القوة العسكرية السنية

حتى الآن، دشن السنة ضرباتٍ جوية ووجهوا المدفعية البحرية نحو الحوثيين، حيث دمروا مخازن أسلحة في الشمال وأعاقوا القوات الحوثية في عدن وفي الجنوب. وقد شغل ذلك الأصول العسكرية السنية التي لا تشارك في الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، رغم أن الجزء الأكبر منها نفذته القوات الجوية الأمريكية. ستكون القوة الجوية وحدها ذات جدوى محدودة ضد الحوثيين. فكما قال القائل: "لم يستول الطيران أبدا على أرض ولم يسيطر عليها".

القوات البرية للقوى الخليجية السنية مجهزة بسخاء وتبدو مثيرة للإعجاب في اللقطات الدعائية. إلا أن برامجها التدريبية متساهلة بالمقارنة ببرامج نظرائها الغربيين، كما أنهم غير مختبرين على أرض المعارك. فالمراقبون المرافقون للوحدات السعودية في حرب الخليج الأولى، آخر عملية انتشار كبيرة، لم تثر تلك القوات إعجابهم.

تتكون الجيوش السنية العربية من جنود ينتمون لقبائل متفرقة لديها تاريخ متواضع من التعاون الممتد، وتواريخ طويلة من القتال أو التنافس على عطايا أكبر من أمرائهم. فالجنود عندما يرون زملائهم لا يعتبرونهم زملاءهم في المواطنة، بل أعضاء قبائل منافسة. علاوة على ذلك، عندما يتطلعون إلى سلسلة القيادة لا يرون محترفين بارعين، بل يرون فقط معينين سياسيين وأبناء من يتمتعون بعلاقات جيدة.

في أعقاب حركات الإصلاح المقموعة خلال السنوات الخمس الماضية، قد يتساءل الكثير من الخاضعين للتجنيد الإلزامي بشدة حول الدافع للمخاطرة بحياتهم لصالح زمرة عائلية مسنة. لن يود الأمراء أن يروا جنودهم يطرحون ذلك التساؤل في خضم معركةٍ مكلفة.

اتجهت ممالك الخليج السنية بشكل واضح خارج الخليج لتعزيز مصداقية قواتهم البرية عبر كسب دعم مصر وباكستان، وهما دولتان تتمتعان بجيشين كبيرين ولديهما خبرةٍ قتالية. السعوديون يستغلون جميع أشكال الدعم الذي منحوه للقاهرة وإسلام آباد على مر السنوات.

إلا أنه من غير الواضح إن كان أيا من الجيشين سيكون حريصا على المشاركة في حربٍ برية باليمن، والتي ستكون ممتدة ومكلفة بشكلٍ شبه مؤكد، في ضوء الإصرار الحوثي.

اتخذت مصر من قبل جانبا في حربٍ أهلية يمنية ووجدت نفسها في حرب طويلة وغير مجدية ضد الشيعة الشماليين – أسلاف الحوثيين – الذين، وللمفارقة، كانوا مدعومين من السعودية. إنها إشارة إلى أن الانقسامات اليمينية قد قررت الزوال بالنسبة لأطرافها، وأن القوى الخارجية تتصرف انطلاقا من المساعدات قصيرة الأجل.

جنرالات باكستان بالتأكيد مدينون بالفضل للرياض كحال نظرائهم المصريين على الأقل، ولكنهم أيضا قلقون بشدة بشأن أمنهم القومي. وأي انتشار ممتد في اليمن، حسب تقدير الجنرالات، سوف يستدعي استغلال خصمتهم الشرقية، الهند.

حسب تقديرهم، سوف تسعى الهند لاستغلال انشغال باكستان عبر القيام بخطوة داخل منطقة كشمير المتنازع عليها، أو في أفغانستان، أو عبر تأجيج النزعة الانفصالية في محافظة بلوشستان غرب باكستان.

وبالتالي فإن القوات البرية السنية التي تحشدها السعودية لا تشكل بعد قوة خطيرة في الشؤون الإقليمية. يحتمل أن تقتصر العمليات في اليمن على مناوشات في المناطق الحدودية وعمليات انتشار محدودة لإجبار الحوثيين على الانسحاب من الجنوب والانضمام إلى مائدة المفاوضات. إلا أنها كافية لإثارة القلق في عاصمتين على الأقل من عواصم الشرق الأوسط.

مخاوف في إيران

سيكون رد فعل إيران تجاه قوة دولية كبيرة محتشدة ضدها قائما بشكلٍ أقل على تحليلات مراقب بعيد بشكل مريح، وبشكل أكبر على مدى قرب التحالف وحجم عملياته ضد أقران إيران من الشيعة. سيفسَّر التحالف في طهران عبر نافذة تاريخها، وستعتبر الهجمات على الحوثيين كمقدمة لحملة أوسع.

التطرف السني في تزايد في جميع الأنحاء: تنظيم القاعدة، الدولة الإسلامية، وقد تندمج التنظيميات المسلحة التي تتخذ من باكستان مقرا لها للاندماج مع الجيوش النظامية السنية لتنفيذ اجتياح جديد قوي لإيران، مشابه للاجتياح الذي أدى إلى الحرب الإيرانية العراقية الطويلة (1980-1988). وبشكلٍ بديل، أو بالتزامن، قد تدعم القوى السنية حركات التمرد في المناطق الكردية والبلوشية المضطربة في إيران.

قد ترد إيران عبر تشجيع الشيعة على الاحتجاج في الدول السنية، والتي يحتوي بعضها على طوائف شيعية كبيرة، أو حتى أغلبيات شيعية. رغم أن الشيعة يمثلون حوالي 10 أو 15 بالمئة فقط من سكان السعودية، إلا أنهم متركزون بشكلٍ استراتيجي بطول الحدود مع اليمن وفي المنطقة الشرقية الغنية بالنفط.

يشارك الحلفاء الطبيعيون في المنطقة، سوريا والعراق، في حروبهم الخاصة ضد الجهاديين السنة. سوف يشجع ذلك طهران على تقوية علاقاتها بواشنطن، والتي من غير المرجح رغم ذلك أن تتخذ جانب إيران بشكل معلن، حيث ستسعى للحفاظ على السلام في منطقة حساسة اقتصاديا، وهو هدف سوف تدعمه روسيا والصين على الأرجح عبر نفوذهما وسط الأنظمة الملكية السنية وإيران.

مخاوف في إسرائيل

خلال السنوات الأخيرة، مع تحول البرنامج النووي الإيراني إلى الشغل الشاغل في الشؤون الشرق أوسطية، نحت إسرائيل والسعودية عداواتهما الطويلة وجعلتا قضيتهما مشتركة ضد إيران. ولكن حشد السعودية للجيوش سوف يسبب تخوف أكبر في إسرائيل، حتى وإن كانت احتمالية تحقق ذلك مشكوك فيها كما الحال في الولايات المتحدة.

سيكون تواجد الجيش المصري مقلقا بشكل خاص. إنه أفضل جيش في العالم العربي ولم يعد يمكن الاعتماد عليه في البقاء على الحياد بسبب خفض الدعم الأمريكي. فمصر تجاور إسرائيل مباشرةً.

سوريا حاليا مضطربة، ولكن احتمالية اندماج منطقة سنية خارج الممر الواصل بين دمشق وحلب خلال السنوات القليلة القادمة لا يمكن إغفالها. كذلك لا يمكن إغفال الانحياز السياسي لتلك المنطقة في ظل وجود منطقة سنية منشقة غرب العراق. ستؤدي إضافة الجنود المصريين، السوريين، والعراقيين، المتزودين بالخبرة إلى صفوف القوات غير المختبرة الخاصة بدول الخليج الغنية إلى تقوية التحالف السعودي بشدة وسيتركز انتباههم بالتأكيد نحو إسرائيل يوما ما.

سوف ينظر المؤرخون المستقبليون إلى ذلك التحالف السني الصاعد وسيتساءلون لماذا لم تبدأ إسرائيل وإيران في استكشاف سبل التقارب. سيكشف المزيد من التحقيق أن العداوة المتبادلة راسخة بقوة في الأجهزة الأمنية والجمهور في البلدين، وأن ذلك قد عرض أمنهم للخطر دون داع في منطقةٍ خطيرة بشكلٍ متزايد.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب