حرب شيشانية بالوكالة

مقال رأي

 

بعد عشرين عاما من غزو روسيا للشيشان لسحق حركة استقلال وليدة هناك، يلتقي المتحاربان مرة ​​أخرى. هذه المرة، المعركة ليست في جبال شمال القوقاز ولكن في بلدات وقرى شرق أوكرانيا.

على أحد الجانبين هناك عدة مئات من المقاتلين أرسلهم رمضان قديروف، زعيم الشيشان وحليف موسكو القوي، للقتال إلى جانب الانفصاليين الموالين لروسيا. رغم إنكار قديروف إرسال قوات شيشانية إلى أوكرانيا، يمكن مشاهدة الكتائب الشيشانية بسلاحها الثقيل تقود السيارات خلال مناطق دونيتسك ووهانسك. وقد قال بعض المقاتلين أن قديروف قد أمرهم شخصيا بدخول المعركة.

على الجانب الآخر هناك كتيبة فضفاضة من المتطوعين الشيشان، تتكون من المقاتلين الذين لا يزالون يطالبون باستقلال الشيشان والذين جاءوا الآن للمساعدة في الدفاع عن استقلال أوكرانيا. وجودهم، أيضا، يفتقر إلى الاعتراف الرسمي - فهم لا يزالون ينتظرون اعترافا كاملا من كييف ويحافظون إلى حد ما على استقلال قوتهم. خاض العديد من هؤلاء المقاتلين اثنين من الصراعات الشيشانية في التسعينات، ويستحضر نضالهم لدحر النفوذ الروسي في أوكرانيا ذكريات مؤلمة عن حربهم مع موسكو منذ فترة طويلة.

"حرب أوكرانيا هي حربنا من نواح كثيرة" أخبرني قائد الكتيبة، آدم عثماييف، في مقر قيادته في ليسيتشانسك، المدينة الصناعية الرمادية القريبة من خط المواجهة في وهانسك. "نحن نقاتل لنفس الهدف، ضد نفس العدو." وقد اختاروا لكتيبتهم اسما مناسبا، فسموها كتيبة دوداييف - تحية لجوهر دوداييف، زعيم الانفصاليين الشيشان الذين قاتلوا القوات الروسية، والذي شغل منصب أول رئيس للبلاد في وقت مبكر من التسعينات.


 

أعضاء وحدة قتالية شيشانية موالية لروسيا تدعى كتيبة الموت في منطقة دونيتسك، ديسمبر 2014. (الصورة لمكسيم شيميتوف / رويترز)

حتى الآن، لم تواجه هاتين المجموعتين بعضهما البعض مباشرة في ساحة المعركة. وكان لمقاتلي قديروف دور فعال في الهجوم النهائي على مطار دونيتسك في يناير، بعد أن قاتلوا لعدة أشهر للاستيلاء على هيكل المباني المدمر الذي كان محطة للركاب في يوم من الأيام. من جانبها، عملت كتيبة دوداييف كوحدة عمليات خاصة مكلفة بتعطيل اتصالات الانفصاليين وخطوط إمداداتهم، وذلك باستخدام تكتيكات مجموعات إطلاق النار الصغيرة، وكانت هذه هي تكتيكاتهم المفضلة خلال القتال المكثف في المناطق الحضرية في الشيشان. رغم أن دورها يبقى متواضعا من حيث العدد، إلا أن وجود هذه المجموعات المتقاتلة حوّل الصراع في أوكرانيا إلى حرب بالوكالة لدرجة معينة، ما زاد من تعقيد المصالح المتنافسة وخلق تداعيات قد تؤثر على ما هو أبعد من المنطقة.

 

تاريخ من العنف

على الرغم من أن الشيشان وأوكرانيا يختلفان في كل الجوانب الأخرى تقريبا - بما في ذلك الدين والثقافة والجغرافيا - إلا أنهما يشتركان في جانبين: تاريخ من الهيمنة الروسية، وتطلع لهوية مستقلة. لدى كل منهما تاريخ متقلب من الصداقة والعداء مع موسكو، كما واجه كل منهما عقبات في تأكيد قيام دولة مستقلة.  

لكن هذه هي نهاية التشابه الواضح بينهما. على عكس أوكرانيا، لم تكتسب الشيشان أبدا اعترافا دوليا بها كدولة مستقلة في أعقاب تفكك الاتحاد السوفيتي. وقد جربت فترتين من الاستقلال الفعلي في الفترات التي تخللت محاولات روسيا لإخضاعها، فقد حققت حكما ذاتيا هشا للمرة الأولى بين 1991-1994، تحت رئاسة دوداييف، ثم بين 1996-1999، بعد النصر العسكري على موسكو. ومع ذلك، تحولت الشيشان في الفترتين إلى مساحات ينعدم فيها القانون وتنتشر فيها عمليات الخطف والقتل بمقابل، كما شهدت تطرفا إسلاميا متزايدا في الفترة التي أعقبت الحرب الأولى. ذهبت الحربان البشعتان مع روسيا بأرواح 200 ألف شخص وتركت الشيشان في حالة خراب.

وبحلول أواخر التسعينات، بدأ أصحاب الثقل العسكري والديني داخل الشيشان، بمن فيهم والد قديروف، أحمد (الذي كان يتولى منصب المفتي آنذاك)، في الإعراب عن شكهم في شرعية الجمهورية الإشكيرية التي نصبت نفسها في الشيشان، وفي تفضيلهم عقد اتفاق مع روسيا. اعتقد هؤلاء أن ضعف المؤسسات في الشيشان وافتقارها إلى خبرة الحكم جعلها غير قادرة على الحفاظ على نفسها، وأن مستقبلها يكمن في الانضمام لجارتها الشمالية العملاقة. وراهن العشرات من قادة المتمردين السابقين على موسكو، وأعلنوا الولاء في نهاية المطاف للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

كان دعمهم مهما في مساعدة موسكو على استعادة السيطرة الكاملة على المنطقة بحلول عام 2002. في المقابل، حصلت الحكومة الجمهورية الجديدة على مطلق الحرية في حكم ذلك القطاع - طالما استطاعت فرض الأمن والنظام هناك - وتلقت الدعم السخي والمساعدات المالية . لكن الصفقة جاءت بتكلفة، فقد تواصلت المقاومة المشتتة وقامت بأعمال إرهاب وحشية مذهلة ضد أهداف مدنية، وتحول المتمردون الشيشان من حركة للتحرر الوطني إلى الإسلام الراديكالي. أما اللاعبون الرئيسيون في حركة الاستقلال العلماني الأصلية - وهي الحركة التي كانت الأقرب إلى حكومة شرعية منتخبة شعبيا - فقد قُتلوا في اشتباكات مسلحة وفر الباقي إلى الخارج.

ولاء قديروف للكرملين منحه الدعم الدؤوب من موسكو، حتى في الوقت الذي أثار تهوره ذعر أجهزة الأمن الروسية. يدين مقاتلوا جيشه الشخصي - المعروف باسم قديروفتسي - بالولاء لقائدهم الأعلى، ولم يتردد قديروف في نشرهم في مناطق الصراع لكسب ودّ بوتين. في ديسمبر، أعلن قديروف أنه "مستعد للاستقالة والقتال" بنفسه في شرق أوكرانيا لدعم القضية الروسية. وعلى الرغم من أن القليل من الشيشان الذين يقاتلون على الجانب الموالي لروسيا على استعداد للتحدث بصراحة عن دوافعهم أو خبراتهم القتالية السابقة، قال بعضهم أن هدفهم الوحيد هو أن يكونوا في خدمة قديروف.

 

أعضاء كتيبة الموت الموالية لروسيا في منطقة دونيتسك، ديسمبر 2014. (الصورة لمكسيم شيميتوف / رويترز)

أما في الشيشان نفسها، فقد انتنشرت خلال سنوات حكم قديروف الثمانية انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان. وقد تحولت قوة وزارته الداخلية ذات العشرين ألف مقاتل إلى مجموعة من الحراس الشخصيين الذين ينشرون الخوف بين السكان. جنبا إلى جنب مع وحدات العمليات الخاصة الروسية، تطارد قوات أمن قديروف بشكل منهجي من تبقى من العناصر المتمردة التي استمرت في القتال من قواعد بانكيسي جورجي الجبلية في الشيشان وجورجيا.

ونتيجة لذلك، اضطر الآلاف من الشيشان إلى الانتقال إلى منفى اختياري في أوروبا وتركيا، حيث حاول البعض إعادة بناء حياته في حين تبنى البعض الآخر قضايا أخرى - هي في كثير من الأحيان أكثر راديكالية. اليوم، هذا الشتات منكسر ومهمّش سياسيا. وهناك شعور عميق بالإحباط وخيبة الأمل يدفع العديد من الشباب المنفيين إلى الإسلام المتطرف. وقد انتهى الأمر بالعشرات منهم بالانتقال إلى الشرق الأوسط، حيث يقاتلون إلى جانب الجماعات الجهادية العنيفة مثل الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

 

خطوط التصدع القديمة والجديدة

تسببت الاحتجاجات المناهضة لموسكو، والتي اندلعت شرارتها في كييف في 2013-2014، في تنشيط أجزاء من حركة تحرير الشيشان. كما أثاررد روسيا العدواني على المظاهرات روح التضامن وقاد العديد من الشيشان إلى الانضمام لصفوف المحتجين العام الماضي. رفرفت أعلام إتشكريا - المطرزة برمزها الوطني، الذئب الوحيد - إلى جانب أعلام بألوان مختلفة لا تعد ولا تحصى من مختلف أنحاء الكتلة السوفيتية السابقة، بينما انضم الشيشان إلى الأذربيجانيين والبيلاروس وتتار القرم والجورجيين والجنسيات الأخرى التي شاركت بالاحتجاجات.

بعدما تحولت المواجهة الروسية الأوكرانية إلى العنف، كان بعض أعضاء الشتات هؤلاء سعداء جدا لحمل السلاح مرة أخرى. في الربيع الماضي، أسس عيسى موناييف كتيبة دوداييف. كان موناييف العميد والقائد العسكري لجروزني خلال حروب الشيشان مع روسيا، وكان يعيش منذ ذلك الحين في الدنمارك. وامتلأت كتيبتة الجديدة بسرعة بالمنفيين الشيشان الأخرين الذين تدفقوا من أوروبا، وكثير منهم لديه سنوات من خبرة القتال ضد روسيا. وقد كبدتهم الحرب بعض الخسائر في صفوفهم، فقد قُتل موناييف بنيران المدفعية في فبراير بينما كان يقوم بتنفيذ أحد العمليات عند نقطة انطلاق استراتيجية يستخدمها الانفصاليون الموالون لموسكو خلال هجومهم على قرية دبالتسيف.


 

آدم عثماييف، قائد كتيبة دوداييف الموالية لأوكرانيا، في قاعدته في ليسيتشانسك، فبراير 2015. (الصورة لأوليا إنجاليتشيفا)

 

وأعرب عثماييف، القائد الجديد الذي تحدث معي في وهانسك قبل شهر، عن فزعه من الطريقة التي تغيرت بها الشيشان بسبب نفوذ روسيا. "ما فعله بوتين وقديروف في المجتمع الشيشاني هو شيء لا يصدق. إنه شيء غريب تماما على ثقافتنا." "إنه أمر سخيف أن يذهب شعبنا للقتال والموت في حروب بعيدة في الشرق الأوسط." أصر عثماييف على أن مقاتليه يمثلون تحديا، ليس فقط لروسيا، ولكن أيضا للحركات الإسلامية المتطرفة، فهم يؤمنون بكل شيء تكرهه المنظمات المتطرفة مثل داعش.

الأهم من ذلك، قال عثماييف أن الحرب "معركة من أجل مستقبل الديمقراطية لبلدينا"، الشيشان وأوكرانيا معا. وأكد على أن مئات إضافية من الشيشان مستعدون للانضمام إلى الجانب الأوكراني بمجرد أن تعطيهم كييف الضمانات القانونية بأنها لن تحاكمهم كإرهابيين لقيامهم بذلك. يأمل عثماييف في جذب أعداد كبيرة من الشيشان بعيدا عن الانضمام إلى الجماعات المتطرفة في سوريا والعراق، وجلبهم بدلا من ذلك الى أوكرانيا لمحاربة عدوهم القديم مباشرة. في الوقت الحاضر، هو مشغول بإعداد وحدته لهجوم الانفصاليين الموالين لروسيا خلال الربيع القادم. ولا يوجد لديه أمل في أن وقف إطلاق النار الهش المعمول به حاليا سوف يظل متماسكا على المدى الطويل.

يدعي عثماييف أنه لا يهدف إلى أن يكون واجهة لإعادة إحياء حركة استقلال الشيشان. وعلى الأرجح، لن تتحقق له مثل هذه الفرصة. يظل احتمال تنشيط جبهة تحرير علمانية تقريبا غير موجود تحت حكم قديروف، الذي تضمن علاقته الوثيقة بروسيا وقواته القتالية نفوذا روسيا قويا على الجمهورية في المستقبل المنظور. ولكن بالنسبة لعثماييف وأنصاره، حتى وإن كان احتمال إعادة إحياء حركة تحررية في الشيشان ضئيلا، فهو يستحق شن حرب من أجله على بعد مئات الأميال.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب