حياة وموت متحدث باسم القاعدة

تقرير صحفي

 كان الصوت على الهاتف محض همس. بدا المتحدث باسم أشهر أفرع تنظيم القاعدة - القاعدة في الجزيرة العربية - قلقًا.

لم يكن الرجل، الذي أصبح معروفًا لعشرات الصحفيين حول العالم باسمه المستعار، "مهنّد غلاب"، على ما توقعته أن يكون عليه. أظهرته إحدى الصور التي أرسلها بشعرٍ طويلٍ وتي شيرت أزرق مطبوع عليه "ذهب الرجال إلى الركمجة".  

اتصل بي مهنّد لأول مرّة، في عام 2012، حين كنت أعيش في العاصمة اليمنية، صنعاء، وأعمل كصحفية حرّة. أصبحت لاحقًا كما يقول مازحًا "تجربته" الشخصية في المحاولات الأولية للقاعدة في الجزيرة العربية للوصول إلى الإعلام الدولي مصدرين صوتًا متحدثًا بالإنجليزية لمواجهة واشنطن والسرد الإعلامي الغربي. سيتم الاقتباس، في النهاية، من مهنّد بشكل موسع في المنافذ الإعلامية - عامّة كمتحدث رسمي بلا اسم - موفّرًا نافذةً على القاعدة في جزيرة العرب.

قال لي مهنّد ذات مرّة إنه عمل كصحفي "وكالات الأنباء الرائدة" في المنطقة، بعد التخرج من الجامعة في تخصص الدراسات الإعلامية. بدأ طريق المصري، الذي يبلغ من العمر 35 سنة، إلى اليمن، بعد 11 سبتمبر فورًا عندما غزت الولايات المتحدة أفغانستان. قال لي "رأيت شبابًا مسلمين يقومون بتضحيات من أجل الإسلام بينما أُعنى بنفسي فقط... وبدأت أفكر في ما تفعله أمريكا. بدأت أصلي وأقرأ القرآن... أطلقت لحيتي. صار سمتي مسلمًا. شعرت أني مسلم".

قال إنه قد تم إلقاء القبض عليه وعُذّب وسجن لثلاث سنوات للتخطيط للسفر إلى العراق للقتال ضدّ الغزو الأمريكي (قال نعي نشره إلكترونيًا زميل من القاعدة في الجزيرة العربية إن القبض عليه حدث، في عام 2005، بعد ثلاثة أشهر فقط من زواجه. قال النعي إن مهنّد "ابتلعته سجون الطاغية لحوالي ثلاث سنوات").

في عام 2011، خلال الانتفاضة السياسية في ميدان التحرير، في القاهرة، اختلط مهنّد بالصحفيين المحليين والأجانب. لقد رغب في تعريف المصريين بالشريعة والجهاد ولكن الانتفاضة فشلت في أن تأتي بالتغيير الذي كان يسعى إليه. رحل في ذلك العام إلى اليمن للانضمام إلى القاعدة في الجزيرة العربية.

كان مهنّد مستعدًا للتحدث عن أي قضية من قتل المسلمين مثله في اليمن إلى هجمات تشارلي إيبدو في باريس. استمرت المحادثات، عبر تصالات إلكترونية مشفرة، بانتظام ست ساعات أو أكثر بين نقطاع التيار المتكرر في صنعاء وبين أوقات الصلاة. احتفى بتفجيرات بوسطن والقتل في تشارلي إيبدو، لكنه أرسل رسائل تعاطف عقب مقتل الصحفي، لوك سومرز، الذي قتل، في ديسمبر الماضي، خلال محاولة إنقاذ فاشلة من قِبَل قوات العمليات الخاصّة الأمريكية.

خطفت القاعدة في جزيرة العرب سومرز ولكن مهنّد قال إن المجموعة لم يكن لديها أي نية لقتله: كان اتخاذ الرهائن عملًا تجاريًا وليس برنامجًا للقتل. لكن بعد أن قتلت العمليات الخاصّة الأمريكية سبعة من مقاتلي القاعدة في الجزيرة العربية في عملية الإنقاذ الفاشلة، في نوفمبر، قال إنه لم يشعر بأي مسؤولية لمقتل سومر (ادّعت الحكومة الأمريكية أن القاعدة في الجزيرة العربية قتلت سومر خلال الغارة، وادعت القاعدة في الجزيرة العربية أنه قتل في تبادل لإطلاق النار).

سعى مهنّد إلى صحفيين أجانب، بما في ذلك صحفيين أمريكيين، ساعيًا إلى الصحافة الشعبية والبريد الإلكتروني. في النهاية، بنى شبكة واسعة من الصلات. لقد حاول أن يضفي إنسانية على القاعدة في الجزيرة العربية بالنسبة إلى الصحفين الأجانب وكان مؤمنًا حقيقيًا بالجهاد ولكنه لم يكن يريد أن تتم المساوة بين أفعال القاعدة في الجزيرة العربية والإرهاب. كانت القاعدة في الجزيرة العربية تشن حربًا مقدسةً ردًا على العنف العسكري الأمريكي. وصمم أن مهاجمة الولايات المتحدة تستهدف "جعل الأمريكيين ينتبهون إلى ما تفعله حكومتهم".

كثيرًا ما كنا نقضي عدة ساعات نتحدث عبر الإنترنت حول السياسة والحرب والإعلام والدين وأبنائه (الذين يعيشون في اليمن مع زوجته) وحتى حنينه إلى فرق البوب البريطانية من التسعينيات مثل تيك زات وإيست 17. كانت آراءه كثيرًا ما تخلط إيمانه بالشريعة مع ذهنية أكثر تقدمية (يجب أن تتغطى النساء كما أصرّ ولكن كان يعتقد أيضًا أن المرأة يجب أن تعمل وتتعلم).

كما ابتعد بنفسه وبالقاعدة في الجزيرة العربية عن الدولة الإسلامية التي وصفها على أنه مجموعة "لا ينضم إليها أي مسلم حقيقي... إنهم مجانين". وكان يرى أساليبهم الوحشية ضدّ النساء واستخدام قطع الرؤوس كشيء غير متفق مع تفسير القاعدة للإسلام والجهاد. قال إن إعلان الخلافة كان غير شرعي ومثير للضحك.

مع ذلك فإن داعش كانت أكثر مهارة في الداعية من القاعدة في الجزيرة العربية. على عكس داعش بتدفق المقاتلين الأجانب بما في ذلك كثيريين من الغرب، كانت القاعدة في الجزيرة العربية بطيئة في جعل وجودها على الإعلام الاجتماعي ودعايتها على الإنترنت محسوسة. كانت مجلة المجموعة، إنسباير، التي تصدر بالإنجليزية، رائدة في دعاية القاعدة إلى العالم المتحدث بالإنجليزية عندما أطلقت، في عام 2010، لكن لم يكن هناك الكثير غيرها حتى أطلق مهنّد حملته للتواصل مع الإعلام الغربي مما أدى إلى أول "مؤتمر صحفي عن بعد" للقاعدة في الجزيرة العربية مع قائدها الكبير، ناصر العنسي.

كما أنه أعطى القاعدة في الجزيرة العربية صوتًا، حرفيًا، في الإعلام الغربي. بالإضافة إلى الاقتباس من مسؤولين غربيين مجهلين، بدأت المنافذ الإعلامية، بما فيها زا إنترسبت، تتضمن مصادر مجهلة من القاعدة في الجزيرة العربية. في الأساس، كان مهنّد يلعب نفس اللعبة التي يلعبها المسؤوليين في واشنطن ولكنها أتت بمخاطرة وانتقاد. في 15 يناير 2015، هاجم جيمس ب. كومي، مدير الإف بي آي، النيويورك تايمز للاقتباس من مجهول في القاعدة في الجزيرة العربية. وانتقد كومي التايمز قائلًا في خطاب "أخشى أنكم ضللتم طريقكم وأحثكم على إعادة النظر في سماحكم لجريدتكم يأن تُستخدم من قِبَل من قتلوا الكثيرين ويعملون كل يوم على قتل المزيد".

بعد أيام من توبيخ الإف بي آي اختبر مهنّد أول إصابة وشيكة من درون أمريكي في هجمة قتلت منظّر في القاعدة في الجزيرة العربية، حارث النظاري، يوم 31 يناير. ومثل العديد من هجمات الدرون الأخرى، من الممكن أن يكون شخص ما داخل القاعدة في الجزيرة العربية قد كُشف موقعه. لكن السيناريو الآخر الممكن هو أن ما كشف موقعه الجغرافي هو تتبع أثر بيانات من اتصالاته مع صحفيين غربيين. يقول ماثيو جرين، خبير التشفير في جامعة جون هوبكينز، "لا يعمل الإرهابيون كخبراء شفرة جيدين".

شاركت زا إنترسبت مع جرين في بعض التطبيقات التي طلب مهنّد من الصحفيين أن يستخدموها للاتصال به. قال جرين إنه من الممكن أن تكون السي آي أيه، أو وكالة الأمن القومي، قد استخدمت تلك التطبيقات كي تتعقبه. يقول جرين إن التطبقات التي استخدمها مهنّد لا "توفر حماية من التعقب".

حوالي الساعة الواحدة صباحًا بالتوقيت المحلي، يوم 22 إبريل، كان مهنّد أحد ستة رجال قتلوا عندما أصاب صاروخ، يبدو أنه تم إطلاقه من درون، الكورنيش المليء بالأشجار في ميناء موكالة الذي استولى عليه مقاتلو القاعدة ورجال القبائل المحلية. كالعادة بعد هجمات الدرون، أرسلتُ له رسالة ولكن هذه المرة لم يأتي رد. بحلول الصباح رأيت أول تغريدة تذكر أنه آخر أمس قد "استشهد" مستخدم حساب @bkagn1.

بعد شروق شمس يوم الأربعاء، بعد عدة ساعات من الهجمة، أتى صحفيون محليون ليلتقطون صورًا للمشهد. كل ما تبقى هو بركة من الدماء الناشفة وحائط إسمنتي محطم وما يبدو أنه بقايا صاروخ بارز من حفرة في الأرض.

من محب للثقافة الأمريكية يصف نفسه بمسلم "ليبرالي" لم يصل أبدًا إلى صوت القاعدة في الجزيرة العربية تمّت رحلته بعد 13 سنة على حافة شاطيء رملي رمادي على موكلة. كشفت تغريدات صديقه بعد وفاته لأول مرة عن الاسم الذي أعطي له في القاعدة في الجزيرة العربية: أبو حفص المصري.

وضع أصدقاؤه على تويتر تفاصيل إضافية حول حياته وسيرته مثل موت أمه حين كان عمره 11 سنة. تأسى بعض الصحفيين على وسائل التواصل الإجتماعي خسارة مصدر عظيم في الأسبوع الماضي. لكن ربما تكون الخسارة الحقيقية هي نافذة، مهما كانت صغيرة، إلى طريقة تفكير ليست شديدة البعد عن طريقتنا كما يريد لنا كثير من الناس أن نصدق.

قبل وفاته بثلاثة أيام، بدأ مهنّد في سلسلة من التدوينات حول أحد مواضيعه المفضلة: الازدواجية في المعايير والضعف في المصادر عندما يُخبر الإعلام الغربي عن اليمن. كتب في واحدة من هذه التدوينات "عندما يحرق الدرون الأمريكي النساء والأطفال المسلمين في باكستان واليمن بصواريخ هيلفاير... يدير الإعلام الغربي أذنًا صماء لأن من قتلوا لا ينظر إليهم على أنهم بشر منذ زمن".

أحد محادثاتي الأخيرة معه كانت حول موجة الهجمات الأخيرة التي قتلت رجل الخط الأمامي للقاعدة في الجزيرة العربية والذي ظهر كثيرًا في الفيديوهات الدعائية.

أما عن احتمال موته هو فلم يقتبس مهنّد من القرآن بل من الأغنية التي وصلت للمرتبة الأولى في قوائم الأغاني، في عام 1995، "لا تنسى" للفريق البريطاني الشاب تيك زال: "لسنا عصيين على الهزيمة، نحن مجرّد بشر. لا تنسى من أين أتيت إلى هنا. لا تدعي أبدًا أن كل شيء حقيقي. يومًا ما، عن قريب، سيكون ذلك كله حلم شخص آخر. سيكون ذلك حلم شخص آخر".

في النهاية أضاف "إنشاء الله" ووجه يبتسم.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب