خطة السعودية لتغيير الشرق الأوسط

مقال رأي

بعد وفاة ملك السعودية عبد الله بن عبد العزيز في 22 يناير وصعود أخيه غير الشقيق سلمان إلى العرش بدأ السعوديون ومراقبو السعودية في الغرب على الفور في التكهن حول ملامح السياسة الداخلية والخارجية للسعودية تحت حكم الملك الجديد. ورغم أن أول خطاب ألقاه الملك سلمان في غضون ساعات من تتويجه أكد استمرار نفس السياسة، بدا البعض مقتنعا بأن السياسة الخارجية السعودية على وجه الخصوص قد تواجه تحولا هاما تحت حكمه. بعد شهرين فقط من وصوله للتاج، أصبح من الواضح أن الملك سلمان لديه رؤية مختلفة عن سلفه عبد الله، وربما عن كل من سبقوه. فمع إعادة هيكلة بعض من أكثر المؤسسات السياسية والاقتصادية أهمية في البلاد، وإطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق لم يسبق لها مثيل في بلد مجاور على حافة حرب أهلية، يبدو أننا نشهد بداية طريقة تفكير سعودية جديدة تماما. بل ربما إننا على شفا حركة سعودية تشبه حركة البيريسترويكا السوفييتية.

ففكرة أن سلمان يعتزم تطبيق إرثه المتميز قد اكتسب مصداقية بعد أسبوع من توليه الحكم، فلم يكتفي بإجراء واحدا من أكثر التعديلات الوزارية أهمية في تاريخ المملكة الحديث فحسب، بل أيضا نفذ إصلاحا جذريا لبعض الهيئات الاستشارية في المملكة. ألغت المراسيم الملكية التي اصدرها 12 هيئة استشارية سياسية واقتصادية مختلفة. وبدلا عنهم، انشأ هيئتين جديدتين، واحدة للإشراف على الاقتصاد والتنمية، والأخرى للشؤون السياسية والأمنية. ورغم وصف البعض هذه الخطوة بأنها محاولة من سلمان لتوطيد سلطته، رأى آخرون أنها "تبسيطا" كان ضروريا لبيروقراطية متضخمة.

رغم أن التعديل الوزاري وإعادة هيكلة البيروقراطية كانا حديث السعودية لعدة أيام، كان المجتمع الدولي أكثر اهتماما بالتقاط أدلة حول توجه السياسة الخارجية السعودية تحت حكم الملك سلمان، وخاصة في الوقت الذي يشهد اتساع دائرة العنف في سوريا والعراق وليبيا واليمن.

وارتكزت الكثير من التكهنات بشأن التحول في السياسة الخارجية السعودية على ما إذا كان الملك الجديد سوف يتبني موقفا أكثر مرونة من الملك عبد الله فيما يتعلق بالإخوان المسلمين. فالمملكة العربية السعودية لم تكتفي بوضع المنظمة - وجميع الجماعات التابعة لها – في قائمة المنظمات الإرهابية أواخر عام 2014، بل أن قادة وسائل الإعلام الدينية السعودية بدأوا يخلطون بين جماعة الإخوان المسلمين وما يسمى الدولة الاسلامية – وهي الجماعة الارهابية التي تسيطر الآن على رقعة واسعة من الأراضي عبر الحدود السورية العراقية. ومع ذلك، جاءت أول علامة على أن المملكة يمكن أن تعتدل في موقفها من الإخوان خلال مقابلة أجريت مؤخرا مع وزير الخارجية السعودي، حيث قال: "ليس لدينا مشكلة مع الإخوان المسلمين. مشكلتنا مع مجموعة صغيرة تابعة لهذه المنظمة."

وعلى الرغم من الشائعات التي سادت طويلا حول كون الملك سلمان في حالة صحية "متأخرة"، فقد تمكن من مقابلة ما يقرب من عشرين من قادة العالم منذ توليه الملك، بل واختار أن يلتقي معظمهم وسط مراسم طويلة في مطار الرياض. ورغم أن الملك اجتمع مع عدد لا بأس به من القادة الأجانب، بما فيهم الرئيس أوباما، فقد كانت اجتماعاته شبه اليومية مع قادة الدول ذات الأغلبية المسلمة هي التي جذبت انتباه الكثيرين.

وكان من بينهم الرئيس التركي أردوغان ، والمصري السيسي، ورئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف، ومعظم قادة الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. وقادت هذه الاجتماعات بعض مراقبي السعودية في الغرب إلى الاعتقاد إن السعوديين كانوا يعيدون تقييم جميع علاقاتهم الثنائية الرئيسية مع دول المنطقة. وذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، وادعوا إن السعوديين في خضم عملية تشكيل تحالفات جديدة على أمل تشكيل جبهة موحدة لمواجهة ما يعتبرونه التهديدين الرئيسيين للأمنهم الوطني ولاستقرار المنطقة: إيران و داعش.

لستة عقود، كانت العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية مستندة على ترتيب يضمن منفعة متبادل: أن تصبح الولايات المتحدة الضامن الأساسي للأمن السعودي - كما كان الحال في حرب الخليج عام 1991 - في مقابل أن تحافظ الرياض على إمدادات نفط كافية لتضمن استقرار أسواق الطاقة العالمية، واعتدال أسعار النفط.

ومع ذلك، فكان من شأن الربيع العربي - الذي شهد سقوط العديد من حلفاء السعودية طويلي الأمد- إجبار السعوديين والأمريكيين على إعادة تقييم العديد من افتراضاتهم حول المنطقة وحول معايير علاقة بعضهما ببعض.

فرغم أن السعودية والولايات المتحدة يواصلان التعاون الوثيق جدا على عدة جبهات، بما في ذلك الضربات الجوية ضد معاقل داعش في سوريا- فقد برز اختلاف فلسفي، بدلا من الخلافات التكتيكية، بين السعودية والولايات المتحدة على مدى العامين الماضيين. قاد هذا الاختلاف المسؤولين السعوديين أن يحذروا من "تحولا كبيرا" في الطريقة التي ترى بها المملكة العربية السعودية علاقاتها مع الولايات المتحدة. بدأ السعوديون في الكتابة عن الحاجة إلى تطوير قدرتهم العسكرية لردع أي تهديد لأمنهم، دون الحاجة إلى الاعتماد على الولايات المتحدة التي يبدو أن أولوياتها والالتزاماتها قد تغيرت بشكل كبير في عهد الرئيس أوباما.

ويبدو أن هذا الاستنتاج قد تبلور عندما قررت الولايات المتحدة عدم شن غارات جوية ضد نظام الأسد في سوريا في أغسطس 2013، بعد أن كان قد تجاوز "الخط الأحمر" الذي فرضه الرئيس أوباما بنفسه، باستخدام دمشق الأسلحة الكيميائية خارج العاصمة السورية. وعلى الرغم من أن السعودية والولايات المتحدة كليهما ملتزمتين بتدمير داعش، فقد أوضح السعوديون أنه طالما بقى بشار الأسد في السلطة، واستمر نظامه في ذبح السوريين السنة ، ستبقى داعش قادرة على تغذية صفوفها بالسنة المتشددين.

إلا أن إيران لا تزال أخطر نقطة خلاف بين الولايات المتحدة والسعودية. فبينما تعمل الولايات المتحدة - إلى جانب بقية دول 5+1 - من أجل ابرام المفاوضات مع ايران حول قدراتها النووية، يجد السعوديون والايرانيون أنفسهم على طرفي نقيض في كل صراع كبير في المنطقة، بما في ذلك سوريا والعراق ولبنان واليمن. ورغم أن السعودية قد أنفقت الكثير من رأس المال السياسي في سوريا ورأس المال الاقتصادي في لبنان، فقد أوضحت أنها تعتبر "التدخل" الإيراني واسع النطاق في اليمن هو "الخط الأحمر" بالنسبة لها.

لدى السعودية سجل حافل ومختلط من التورط في صراعات عديدة في اليمن، يعود تاريخها إلى أوائل ستينيات القرن العشرين. وكانت تميل إما إلى استخدام اتصالاتها واسعة النطاق مع العناصر السياسية والقبلية لإقامة تسويات عن طريق التفاوض، أو إلى لاختيار أحد جانبي الصراع، ومساعدته ماليا، وتزويده بالسلاح في بعض الأحيان، ولكن ليس إلى إشراك قواتها في القتال.

وقد أنفق السعوديون أيضا الملايين في محاولة لاحتواء العنف في اليمن، من خلال بناء سياج أمني متطور على طول الحدود الجنوبية. ولكن بالإضافة إلى الحوثيين المدعومين من إيران، يزيد من زعزعة الاستقرار في اليمن وجود تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب الخطير. في الواقع، لقد عبرت المجموعة الإرهابية الحدود السعودية في يونيو الماضي وتمكنت من قتل عددا من رجال الأمن السعوديين. إضافة إلى هذا المزيج المتفجر، هناك مؤشرات قوية على أن داعش أيضا قد أصبح لها وجودا في اليمن، بل وقد أعلنت مسؤوليتها عن التفجيرات القاتلة التي استهدفت المساجد الشيعية في صنعاء الأسبوع الماضي.

إن قرار شن عملية عسكرية تهدف لطرد المتمردين الحوثيين إلى معاقلهم في الشمال وإجبارهم على اللجوء إلى طاولة المفاوضات يمثل اختلافا كبيرا عن سمة المملكة العربية السعودية التي اعتادت اللعب وراء الكواليس، والدبلوماسية الهادئة التي لعبت دورا في إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عاما، وحاولت التوفيق بين حماس وفتح في الأراضي الفلسطينية، ومؤخرا، هدأت التوتر بين مصر وقطر.

ويبدو أن عملية اليمن تهدف إلى إرسال عدة رسائل إلى ثلاث فئات مختلفة. فمن المفترض أن تمثل تحذيرا لإيران لوقف التعدي على ما يعتبر تقليديا "الفناء الخلفي" للسعودية في اليمن على وجه التحديد، ولكن أيضا رسالة بانخراطها الكبير في "الشؤون العربية" بشكل عام. وهي أيضا رسالة للجمهور السعودي أن مليارات الدولارات التي تم إنفاقها على المعدات العسكرية والتدريب لم يضيع، وهم يجنون الآن أرباحها. وبنفس الأهمية، إنها رسالة إلى الولايات المتحدة لتوضح أنه رغم أن السعودية لا تزال تعتبر واشنطن أن شريكا مهما، فهي في المستقبل ستقوم "بما يلزم" لضمان أمنها، مع الحد الأدنى من التشاور إذا لزم الأمر، وذلك إذا كانت الولايات المتحدة غير قادرة أو غير راغبة في القيام بذلك.

يعتبر البعض أن هذا التفكير الجديد هو من بنات أفكار ابن الملك سلمان البالغ من العمر 30 عاما، وزير الدفاع محمد بن سلمان. سواء كان ذلك الأمر حقيقيا أو لا، فقد بدأت المملكة العربية السعودية فصلا جديدا في تاريخها لا يكتفي بمجرد أن ينقل للعالم كيف يرى السعوديون دورهم المتغير في المنطقة، بل يبدو أيضا عازما على إجبار المجتمع الدولي في التفكير في المملكة العربية السعودية في ضوء جديد تماما.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب