داعش في كل مكان: المشكلة الإسلامية القاتلة لروسيا

مقال رأي

لم تعد أنباء مقتل قادة التمرد الجاري في شمال القوقاز الروسي تتصدر الصفحات الأولى للصحف في موسكو أو في العواصم الأجنبية، ولم يكن الموت العنيف مؤخرا لأمير إمارة القوقاز على أصحاب كيبيكوف استثناءً. ولكن بغض النظر عن دفن تلك الأنباء في الصفحات الداخلية أم لا، لن يختفي تمرد شمال القوقاز، الذي لا يستهدف ممثلوه "الأراضي الروسية" بشكلٍ منتظم فقط، بل يسافرون أيضا للقتال في دول الشرق الأوسط الكبير ويجمعون التبرعات في أوروبا.

اليوم يتذكر القليلون ذلك، ولكن عندما تم تفجير شامل باساييف أعتى أمير حرب في شمال القوقاز آنذاك إلى أشلاء عام 2006، شهد موته العنيف تغطيةً واسعة من قبل وسائل الإعلام في روسيا والغرب، حتى أن صحف الأعمال اليومية مثل "وول ستريت جورنال" قد أفردت لخبر مقتله الصفحة الأولى. ولكن بعد تسع سنوات، عندما قتلت القوات الخاصة الروسية آخر قائد للتمرد في شمال القوقاز في داغستان يوم 20 أبريل، لم تهتم الصحيفة حتى بذكر موت رجلٍ حددته وزارة الخارجية الأمريكية كإرهابي مع منظمته، التي تعمل كمظلة لمعظم الشبكات الجهادية في شمال القوقاز. كذلك لم يثر الخبر المحررين الروس، حيث أوردت الصحيفة اليومية الرائدة في روسيا "كوميرسانت" تقريرا قصيرا في صفحاتٍ داخلية بشأن الحدث.

قد يعكس غياب التغطية بهذا الشكل فتور الجمهور تجاه الصراع منخفض الحدة الذي امتد في شمال القوقاز لأكثر من عقد. كما يظهر مقدار تقلص جاذبية التهديد الذي تمثله الشبكات الجهادية بشمال القوقاز في عيون الجمهور، خصوصا في أوج ظهور تحديات جديدة، مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي يعتبره الروس والأمريكيون حاليا التهديد الرئيسي لبلادهم. تعززت تلك الرؤية بسبب فشل الشبكات الإرهابية المستقرة بالقوقاز في تحقيق تهديداتها بالهجوم على دورة الألعاب الأولمبية بسوشي، بالإضافة إلى مزاعم الحكومة بأن العدد الكلي للأعمال الإرهابية المسجلة في روسيا قد انخفض بنسبة 30 بالمئة عام 2013 ثم بنسبة 50 بالمئة عام 2014.

ولكن هناك سبب لاستمرار حصول روسيا على المركز الحادي عشر على قائمة الدول صاحبة أكبر عدد من الحوادث الإرهابية على مؤشر جامعة ميرلاند للإرهاب العالمي عام 2014. حيث يمكن أن يكون عدد الهجمات الإرهابية قد تقلص مؤخرا في روسيا حسبما تزعم السلطات الفيدرالية، لكن لا يمر أسبوع دون صدور تقرير عن تفجير شخصٍ ما أو إطلاق النار على آخر في شمال القوقاز. علاوة على ذلك، يتوقع مؤشر عام 2014 أن روسيا قد تواجه زيادة في عدد الحوادث الإرهابية. إذا استمرت، قد تؤثر المشكلات الاقتصادية الحالية بروسيا في النهاية على قدرة الحكومة الفيدرالية على مواجهة بعض العلل الاجتماعية الاقتصادية المزمنة بشمال القوقاز، والتي تسهم في استمرار التمرد هناك. كذلك ستتأثر ديناميكية التمرد بنتيجة الجهود الدولية لتفكيك تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. فإن نجحت تلك الجهود، قد يتجه بعضا من الجهاديين المتحدثين بالروسية، والذين يبلغ عددهم ألف يقاتلون حاليا في صفوف داعش وحدها، إلى بلدهم ليستأنفوا جهادهم في روسيا والدول المجاورة لها. وفي حال فشلت تلك الجهود في منع صعود التنظيم، فقد تصبح مسألة وقت فقط قبل أن يحول قادة التنظيم أنظارهم تجاه شمال القوقاز في سعيهم لإحياء الخلافة الإسلامية. جدير بالذكر أن أحد قادة داعش، وهو شيشاني اثنيا يحمل اسم طرخان باتيراشفيلي، قد هدد بالفعل بنقل الجهاد إلى روسيا.

للمفارقة، يحتمل أن موت كيبيكوف قد عزز فرص باتيراشفيلي وأقرانه في الدولة الإسلامية لتوسيع سيطرة التنظيم في شمال القوقاز. حيث لم يُرد كيبيكوف لإمارة القوقاز أن تقع تحت سيطرة الدولة الإسلامية. بل إنه قد عزل رئيس فرع داغستان من إمارة القوقاز، رستم أسيلديروف، بعد أن أعلن هو وعدة أمراء حرب داغستانيين ولائهم للدولة الإسلامية العام الماضي. ومع رفضه اعلان الولاء للدولة الإسلامية، أشار كيبيكوف إلى زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري بوصفه "قائدنا". كذلك عارض أحد الحلفاء الرئيسيين والقاضي الشرعي الرئيسي لإمارة القوقاز بداغستان، ولاية ماغومد سليمانوف، التحالف مع الدولة الإسلامية وندد بإعلان البعض الولاء للتنظيم. تتوقع صحيفة "لونج وار جورنال" إن سليمانوف، الذي يحمل الاسم الحركي محمد أبو عثمان، سيكون الأمير القادم لإمارة القوقاز. إلا أنه لا يمكن الجزم إن كان المتعاطفون مع داعش ستكون لهم اليد العليا في الصراع على الخلافة بإمارة القوقاز، أم أنهم سينفصلون لتشكيل فصيلٍ تابع لداعش في شمال القوقاز. كلاهما سيمثل تطورا مثيرا للقلق، في ضوء الموارد البشرية والمادية التي يتحكم فيها التنظيم، والتي سيتمكن إن حدث أي من التطورين من توجيهها إلى شمال القوقاز. يجب أيضا ملاحظة أنه بالإضافة إلى استمرار العلاقات مع القاعدة وداعش، هناك مزاعم حول مشاركة داعمي إمارة القوقاز في جمع تبرعات في أوروبا، حسب الباحث طويل العهد بالعنف السياسي في شمال القوقاز جوردون هان.

بالتأكيد سيؤدي مقتل كيبيكوف إلى بعض الاختلال في التنسيق داخل إمارة القوقاز، ولكن من المرجح أن يكون ذلك مؤقتا، حسبما أظهرت توابع مقتل سابقيه. فأيا كان من سيخلف كيبيكوف، سيستمر في حملة العنف السياسي بغض النظر عن ميله تجاه الدولة الإسلامية أم القاعدة. يظهر قتل سابقي كيبيكوف منذ باساييف أن شبكات شمال القوقاز قد تعلمت التأقلم مع عمليات قطع رأس التنظيم، عبر الاتجاه نحو هيكلة أكثر حرية، والتصرف "دون قيادة". حتى ينكمش ذلك التمرد بشكل كبير، لا تحتاج الحكومة الروسية إلى الاستمرار على نفس النهج القاسي وأن تخل بعلاقات التمرد بالمنظمات الإرهابية الدولية فقط، بل تحتاج أيضا لعلاج العوامل التي يعتقد باحثي العنف السياسي في روسيا أنها تحرك التمرد في شمال القوقاز. تشمل تلك العوامل انتشار السلفية المقاتلة في شمال القوقاز، اعتداءات مطبقي القانون على السكان المحليين، والتفاوت في مستويات المعيشة بين سكان شمال القوقاز وسكان "الأراضي الروسية".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب