رؤية أمريكية: لماذا تظن إدارة أوباما أنها تهزم داعش؟

مقال رأي

أحيانًا، في الحرب، يكون الظلام حالكًا قبل الفجر

تعطلت حملة من القوات العراقية لاستعادة تكريت من مقاتلي الدولة الإسلامية، منذ أقل من شهرين. نفض القادة الأمريكيون أيديهم من حملة كبرى بقيادة قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، تسيطر عليها المليشيات الشيعية المدعومة من إيران، والتي خشي الكثيرون أن تثير حربًا أهلية طائفية وقتلًا انتقاميًا. كانت الحملة الأمريكية لدحر موجة الدولة الإسلامية تترنح على حبل التخبط الاستراتيجي.

يعتقد المسؤولون الأمريكيون، في هذه اللحظة العصيبة، أن بطلًا عراقيًا قد تقدّم وبالتالي فإن الأحداث لم تفعل سوى تأكيد وجهة نظرهم.

تحدث المحرر المساهم في ناشيونال جورنال، هذا الأسبوع، جيمس كيتفيلد، مع السفير، برت ماكجرك، نائب المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي ضدّ داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، حول الإشارات المتفائلة في المشهد القاتم للحرب.

ما يلي هو نسخة محررة من حوارهما.

ن.ج (ناشيونال جورنال): عندما سيطرت المليشيات الشيعية التي تدعمها إيران على حملة الحكومة العراقية لاستعادة تكريت بدا وكأنها كارثة للحملة التي تقودها أمريكا ضد المجموعة. هل كانت تلك لحظة محورية في القتال ضد الدولة الإسلامية؟

ماكجرك: كانت عملية تكريت سائلة وديناميكية ومثّلت نقطة تحول. في البداية، لم تكن العملية منسقة بالكامل مع القادة العسكريين الأمريكين ومركز العمليات المشترك الذي نديره مع نظرائنا العراقيين. كنا نرى العملية ولكننا لم نشارك في التخطيط مما جعل من الصعب بالنسبة إلى الولايات المتحدة أن توفر الدعم للمداد الجوي. كنت في العراق وكنت أتحدث مع رئيس الوزراء (حيدر) عبادي عندما تعثّرت حملة تكريت. في تلك النقطة، كان أمام الحكومة العراقية اختيارًا مهمًا عليها أن تختاره. كنتيجة لآثار الحرب العراقية، لا يزال هناك بعض الأشخاص في النظام العراقي الذين لا يريدون الدعم الأمريكي. لكن الأغلبية العظمى من المسؤولين العراقيين أرادوا مساعدة أمريكية بما في ذلك رئيس الوزراء، عبادي. مع ذلك، ولكي نشارك، تمسكنا بأن تشارك جميع الوحدات تحت قيادة وسيطرة الجيش العراقي وإلا كنا نخاطر بتوفير غطاء جوي لعملية يمكن أن تخرج عن السيطرة.

ن.ج: هل وافقت الحكومة العراقية؟

ماكجرك: يحسب لرئيس الوزراء العبادي أنه فرض سيطرته على جميع الواحدات المشاركة ومن لم يخضعوا لسيطرة الحكومة تركوا الميدان. خلال 96 ساعة، شنت الولايات المتحدة الهجمات الجوية لدعم العملية التي انطلقت فيها الحملة العراقية عبر دفاعات داعش (الدولة الإسلامية) لاستعادة تكريت. وكان ذلك إنجازًا مهمًا.

ن.ج: قيل إن بعض أشهر المليشيات الشيعية المدعومة من إيران تركت الميدان وكان لا يزال هناك مخاوف من أن "قوات الحشد الشعبي" الشيعية التي شاركت في العملية قد تتورط في قتل انتقامي للسنة في تكريت. لماذا لم يحدث هذا؟

ماكجرك: كانت تلك أيضًا لحظة مهمة. بعد استعادة القوات العراقية للمدينة سافر رئيس الوزراء، عبادي، إلى تكريت ورفع العلم الوطني بصحبة الحاكم السني للمقاطعة. منذ استلامه مهام منصبه في العام الماضي، بلور العبادي رؤية لاستقرار العراق مختلفة جذرية عن سلفه (رئيس الوزراء نوري) المالكي. هذه الرؤية هي لعراق أقل مركزية مع حكم ذاتي أكبر للحوكمة المحلية. وقد أكد عبادي على هذه الرؤية في تكريت بتصميمه أن القوات المحلية مسؤولة عن استقرار المدينة والمنطقة المحيطة بها.

ن.ج: ولكن ألم يكن هناك تقارير عن نهب في تكريت؟

ماكجرك: كان هناك بعض التقارير الأولية عن نهب من قبل المليشيات الشيعية وقد سببت لنا قلقًا شديدًا. لكن عبادي جمع قادة أمنه والمسؤولين المحليين وتمكنوا معًا من فرض الاستقرار على الوضع فورًا. لم يكن هناك أي اعتذار أو تقبل من الحكومة للناهبين أو لأي نشاط إجرامي آخر من المليشيات. وتذكر أن ذلك أتى في وقت كانت فيه القوات العراقية تكشف عن قبور جماعية وجثامين أكثر من 1000 جندي عراقي أعدمتهم داعش على فيديوهات يوتيوب لذا فإن المشاعر كانت متأججة بالطبع. في نهاية الأمر، ينال العبادي والحكومة العراقية علامات عالية لانتزاعهم السيطرة على الموقف المتقلب في تكريت ودفعه للاستقرار.

ن.ج: بعد استعادة تكريت بوقت قصير، أعلن العبادي أن القوات العراقية ستسعى لتأمين المدن الاستراتيجية والطرق السريعة في محافظة الأنبار، المعقل السني غرب بغداد والذي ظهرت منه القاعدة في العراق سلف داعش. هل كان ذلك سابقًا لأوانه؟

ماكجرك: لا أظن. بعد استعادة تكريت بوقت قصير، عقد العبادي استشارات مع جميع اللاعبين الأساسيين حول ما هو الأمر التالي الذي عليهم فعله. وقد سافر إلى إربيل لاستشارة القائد الكردي (مسعود) برزاني والتقى مع (المرجع الشيعي علي) السيستاني. كما أنه قد مد يده إلى قادة القبائل السنية في الأنبار ثم سافر إلى واشنطن ليلتقي بالرئيس وكبار المسؤولين الأمريكيين وقد تحدثنا في تفاصيل كثيرة حول خطته لشن عمليات في الأنبار. فور عودته للعراق، اتصل العبادي بالحاكم السني للأنبار وسافر فورًا لينضم إلى قاعدة في الأنبار حيث وزع أكثر من ألف بندقية على المقاتلين السنة وساعد في تنسيق تعزيز قوات الأمن العراقية في الرمادي، عاصمة الأنبار. في جميع مناقشاته، وفي مد يده إلى مشايخ القبائل السنية في الأنبار، أوضح العبادي أنه يرغب في تجنيد السكان المحليين لقيادة قوات الأمن المحلية وهي رؤية يساندها الجميع بما في ذلك نحن.

ن.ج: هل تفاجئت أن مقاتلي الدولة الإسلامية، في الأسبوع الماضي، قد شنوا هجمات مضادة على مصفاة النفط في بيجي بالإضافة إلى الرمادي؟

ماكجرك: إن ذلك يبين أن داعش تبقى عدوًا متكيفًا ومهيبًا. في الأسابيع الماضية فقط مع ذلك، شنّت القوات العراقية هجماتها المضادة الخاصّة مع غطاء جوي أمريكي لتستعيد السيطرة على أغلب مصفاة بيجي. كما عززوا الرمادي وأعتقد أنهم سيحتفظون بالسيطرة على المدينة. لذا فإن هذه حملة طويلة الأمد ستستغرق سنوات وليس شهورًا. لكننا نرى الآن حكومة عراقية تفرض سيطرتها ولكن استطاعت قوات الأمن العراقية، في بيجي والرمادي، أن تشن هجمات مضادة ناجحة وحدها على داعش بمساعدة جوية أمريكية.

ن.ج: لكن ألم يوشك مقاتلو الدولة الإسلامية على الاستيلاء على الرمادي؟

ماكجرك: أود أن أذكر قرائك أن هذه المجموعة الإرهابية تشن هجمات حول الرمادي منذ الشهور الستة عشر الماضية. هذا ليس خبرًا. من المهم أيضًا أن نلاحظ أنه عندما شنّت داعش هجمتها رأينا حوالي 100000 من السكان المحليين يهربون من الرمادي، مؤكدين كذب سرد داعش بأنهم هناك كي "يحموا" السكان السنة. في نفس الوقت، فإن قائد القوات الخاصّة العراقية الذي عزز الرمادي كردي وقد دعا رجل الدين الشيعي، السيستاني، مؤخرًا الحكومة العراقية وجميع العراقيين ليهبوا لنجدة الأنبار. لذا فنحن نرى تجمعًا للمجموعات العراقية المتفاوتة كان غير متخيل منذ 10 أشهر مضت لا غير عندما كان هناك خطر حقيقي في انهيار الدولة. مع الأخذ في الاعتبار أن منحنى الصعود ليس عاليًا ولكنه في الاتجاه الصحيح.

ن.ج: هل من الممكن أن تكون هناك نقطة فارقة تتحول عندها القبائل السنية ضد الدولة الإسلامية مكررة "معجزة الأنبار" في 2006-2007  عندما انقلبوا ضد القاعدة في العراق؟

ماكجرك: هناك عدد قليل من القبائل السنية المؤيدة علنًا لداعش حتى في هذه اللحظة. الذي فعلته داعش، في بدايات 2013، مع ذلك كان اختراقًا للبنية التحتية القبلية وقتلًا لمشايخ القبائل والقيادات المحلية التي ترفض أن تدين بالولاء للمجموعة. لقد مزقوا الهياكل الاجتماعية المخملية التي كانت تقيم القبائل إلى الحد الذي لم يعد يوجد معه شيء جماعي اسمه "القبائل السنية". جميع القبائل السنية مختلفة وهناك تقسيمات حتى داخل تلك القبائل. بسبب هذا التفكك، لا أظن أنه من المرجح أن نرى نوع الموجة الكاسحة التي مثلتها معجزة الأنبار.

ن.ج: هل وجدت قوات التدريب والمعونة الأمريكية مجموعات سنية متعاونة كي تعمل معاها؟

ماكجرك: نعم، دعني أعطيك مثالًا. لقد نشرنا بعض قواتنا الخاصّة، في قاعدة الأسد الجوية، في الأنبار، في نوفمبر الماضي، بمساندة كاملة من الحكومة العراقية. وبالعمل المشترك مع ثلاث قبائل سنية، درّبنا حوالي 2000 مقاتل سني. بهؤلاء المقاتلين القبليين والفرقة السابعة من الجيش العراقي التي يتم تدريبها أيضًا في الأسد، قمنا بمساندة عمليات مهمّة فتحت طرقًا انتقالية بين بلدة البغدادي وحتى الحادثة بجوار وادي نهر الفرات. منذ بضعة أشهر، كانت كل العناوين الرئيسية في الأخبار تحكي عن أن داعش تحاصر البغدادية وقاعدة الأسد الجوية المجاورة ولكن الفرقة السابعة في الجيش العراقي، وهي تعمل مع القبائل السنية، استعادت البلدة وأمّنت إلى حد كبير الطريق إلى الحادثة. جميع القبائل السنية في هذا الطريق ليست فقط ضد داعش، بل تحارب المجموعة بشراسة أيضًا.

ن.ج: في العام الماضي، ساندت الولايات المتحدة عرض العبادي لإنشاء وحدات حرس وطني للحفاظ على الأمن المحلي، وهو حل محتمل لمشكلة قوات الأمن العراقية التي يغلب عليها السنة أو المليشيات العاملة في المناطق السنية. لماذا يبدو أن هذه الفكرة لم تؤد إلى شيء؟

ماكجرك: هذه قضية مهمة حقًا ولم تفهم بسهولة. تحت حكم العبادي، مررت الحكومة ميزانية منذ بضعة أشهر لا تساعد فقط على حل قضية المشاركة في عائدات النفط مع الأكراد ولكن أيضًا تتطلب أن تكون جميع "قوات الحشد الشعبي" تحت سيطرة الحكومة وأن يجب أن تتكون نسبة معينة منهم من متطوعين سنة من الأنبار. فور أن يمرر البرلمان العراقي هذا القانون ستصبح قوات الحشد الشعبي السنية تلك هي الحرس الوطني المحلي للأنبار. لذا فإن أي مقاتل قبلي سني في الأنبار يريد أن يحارب داعش اليوم ليس عليه سوى أن يرفع يده وسيتم منحه راتبًا من الدولة ويكون تحت سيطرة هياكل الحكومة العراقية. لقد فعل ذلك بالفعل 7500 منهم. لذا فإن إعادة توظيف المقاتلين السنة تحدث بالفعل الآن ولا ينتظر أحد على أمل أن يمرر البرلمان العراقي تشريع الحرس الوطني.

ن.ج: في عامي 2006-2007، التحمت قوات "صحوة الأنبار" مع قوات الولايات المتحدة كي تخلق نقطة تحول وتراجع ثابتة للقاعدة في العراق والتمرد السني. هل تعتقد أن شيئًا مثل نقطة التحول تلك سيتم التوصل إليه في العراق مرة أخرى؟

ماكجرك: قطعًا نأمل في مثل نقطة التحول تلك ولكن خطتنا من أجل حملة طويلة وثابتة تتقد ببطء ضد داعش. نحن نهزمهم كل يوم على أرض المعركة وننمي ببطء قدرات قوات الأمن الحكومية. أمّا عن النفوذ الإيراني، فأود أن أسجل أيضًا أن رئيس الوزراء، العبادي، قال مؤخرًا علنًا أنه إذا سمح لإيران أن تسيطر على قوات بالوكالة على الأراضي العراقية فسيرقى ذلك لكونه عملًا عدوانيًا ضد الحكومة الشرعية في العراق. هذا الإعلان جريء وممتليء بالأمل أيضًا. إن قرار العبادي بنشر قوات عراقية في الأنبار لتحرير أكثر من مليون سني من داعش يرسل رسالة قوية أيضًا. لذا فهناك أمل أن جميع إشارات التقدم تمهد الشروط لنقطة تغير مسار مستقبلية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب