سوريا: هل ينهزم الأسد؟

مقال رأي

تُعيد التراجعات التكتيكية من قِبَل قوات نظام الأسد، في شمال غرب سوريا، إحياء - لأول مرة منذ أوائل العام 2013 - آمال وتكهنات "نهاية النظام". تشير التقارير القادمة من المنطقة إلى أن تحويل الأسلحة من القوى الخليجية وتركيا يعمل على تمكين الثوار من التغلب على وحدات الجيش العربي السوري المنهكة والمكشوفة. مع أنه من المغري أن يُنظر إلى تلك التطورات في سياق المدّ والجذر لصراع لا نهائي إلا أن الولايات المتحدة لا يجب أن تغامر. يمكن أن تُستخدم المعركة ضدّ الدولة الإسلامية (داعش) لاتخاذ موقع قيادي من العمليات لجلب الاستقرار لسوريا. يجب على الولايات المتحدة أن توجه الطاقات الإقليمية بطرق تهزم داعش وتعزل نظام الأسد وتعطي السوريين فرصة في الحوكمة الشرعية.

بدا أن الرئيس باراك أوباما، في لقائه الأخير مع توماس فريدمان، في النيويورك تايمز، يجازف بإسناد جلب الاستقرار لسوريا للأخرين؟ "أعتقد أنك عندما تنظر إلى ما يحدث في سوريا، على سبيل المثال، فإنه كانت هناك رغبة كبيرة في أن تتدخل الولايات المتحدة وتفعل شيئًا هناك. لكن السؤال هو: لماذا لا يمكن أن يكون لدينا مِن العرب مَن يحارب (ضدّ) انتهاكات حقوق الإنسان الرهيبة التي ارتكبت أو ضدّ ما يفعله الأسد اليوم؟". كلمات "تدخل وافعل شيئًا" هي بلا شك تسعى إلى تحريك مخاوف الناخبين المفضلة لدى الرئيس: إنّ نقاد سياسته في سوريا يريدونه أن يعلن الحرب على نظام الأسد وبعد ذلك أن يغزو ويحتل المكان. بل إنّ ما طالب به النقاد - الأجانب والمحليون - هو القيادة الدبلوماسية التي تستهدف توجيه الجهود الإقليمية في اتجاه الاستقرار طويل الأمد لكل سوريا.

إنّ سوريا، التي تمثل ما يشبه تشيرنوبيل، لا يمكن أن تشفى في حياة من يقرأ هذه الكلمات ما أن توفّر الولايات المتحدة القيادة الدبلوماسية المطلوبة. ولا يعني ذلك البيادات الأمريكية على الأرض. نعم، إنه يعني الثِقل الدبلوماسي الذي يمكن بسهولة أن يتجاوز إمكانيات العاملين في البيت الأبيض المهووسين بالاتصالات والإدارة الصغرى. لكن لا يعني إرسال الوحدة 82 إيربورن إلى دمشق. إنه يعني أيضًا تعيين فريق عمل من وكالات متعددة فى المنطقة لدعم عمل المبعوث الخاص جون ألن.

لماذا جون ألن؟ أليس هو البعوث الخاص للتحالف الدولي ضدّ داعش؟ إنه بالفعل كذلك. إن كانت داعش ستقتل وتبقى قتيلة في سوريا والعراق فيجب أن تكون النتيجة النهائية لمجهودات التحالف هي الحوكمة الشرعية في كلا المنطقتين.

من المفهوم أن أولوية مجهود طهران، في العراق، تذهب لدعم المليشيات الشيعية المتمرسة في البشاعات. لقد دعمت إيران، في سوريا، نظامًا غارقًا في جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية. إنّ إيران تحت الإدارة الحالية ثمينة بشكل يفوق الحساب لدعاش: ليس هذا بسرٍّ وطنيّ بالنسبة إلى المسؤولين الأمريكين الذين يعانون من أجل تحويل شلل البيت الأبيض إلى استراتيجية.

هل الإدارة مرتاحة فعليًا بتقسيم العمل الذي يجعل طائرات التحالف تطارد داعش من مكان إلى مكان في سوريا، بينما تقود القوى الإقليمية تسليح الثوار المعادين للأسد؟ هل نتيجة إسناد جزء كبير من هذه النشاطات إلى مقاولي باطن في الأربعين شهرًا الماضية هي أن مقاولة الباطن نفسها تراها الإدارة مقدِّمة للحوكمة الشرعية؟ هل الإدارة متأكدة أن المتشددين الطائفيين لا يتحصلون على دعم الخليج وتركيا؟ هل أمسكت الولايات المتحدة أخيرًا بزمام من يتلقى ماذا في سياق الأسلحة والذخائر الموجهة إلى الثوار السوريين؟ أم هل تدير عينها بينما تستعد لتطبيق برنامج "تدريب وتجهيز" أصغر وأبطأ من أن يكون له تأثير على أي شيء؟

إنّ أخذ الدول الإقليمية بزمام الأمور فيما يخص نظام الأسد ليس طريقة يُعتمد عليها لتحضير سوريا لنوع الحوكمة الشرعية التي يمكن أن تهزم داعش هزيمةً حاسمة. رغبة السعودية وقطر وتركيا وغيرهم في إسقاط نظام الأسد وضرب إيران الضربة التي تستحقها مفهومة وحتى مثيرة للإعجاب، لكن، هل يتمسَّك هؤلاء أيضًا بالحفاظ على الفسيفساء الطائفية والعرقية في سوريا؟ هل من الممكن أن توفّر القيادة الدبلوماسية الأمريكية الخميرة اللازمة لإنتاج شييء لسوريا غير حجر غير قابل للضم؟

إنّ قبيلة الأسد-مخلوف هي عبء رهيب على السوريين الذين دعموها في غياب بديل مرئي أقلّ جاذبية بكثير. وبالمثل فإنها عبء على شعب إيران الذين يحكمهم هم أنفسهم نظام أكثر اهتمامًا بألعاب الهيمنة في الخارج عن المجتمع المدني والتنمية الاقتصادية في الداخل. إنّ خسارة إيران في سوريا، في النهاية، من المتوقع أن تكون كاملة: أي حكومة تحترم نفسها ووطنية تعقب العائلة الإجرامية الحالية ولا تخضع بإرادتها للمرشد الأعلى ومساعده اللبناني. مع ذلك، ولكي تتمتع سوريا بحوكمة شرعية - النوع الوحيد من الحوكمة الذي من الممكن أن يُحيّد داعش للأبد - يجب ألا يُنتج رحيل نظام  الأسد أي خاسرين على المستوى طوائف والأعراق. في غياب القيادة الدبلوماسية الأمريكية، هل تتمسك القوى الإقليمية المناهضة لنظام الأسد بشكل كافي بالتزام لا خاسرين ولا منتصرين فيه في سوريا؟

إنّ متطلبات المدى القريب لوضع سوريا على طريق الاستقرار والشرعية تتمركز على القوات البرية (بالاشتراك مع التحالف الجوي) تجتاح داعش من منتصف وشرق سوريا سامحةً لحكومة حقيقية لكل السوريين أن تظهر في سوريا الحرية، إنّ تنشيط "تدريب وتجهيز" بناء قوات سورية وطنية للاستقرار ووقف نظام الأسد من فرض الرعب الجماعي على السكان المدنيين. لا شيء من هؤلاء يستدعي وجود بيادات أمريكية على الأرض. جميعها - كل جزء منها - يتطلب مجهودات وقيادة دبلوماسية أمريكية مستدامة.

تقول الدول المضادّة للأسد في المنطقة إنّ القيادة الأمريكية هي ما كانوا يفتقدونه ويريدونه بشدة. بفعل ذلك يمكننا أن نساعد الأغلبية السورية غير المسلحة والخائفة من أن تناور أفواج الطائفية القاتلة وبالتالي انقاذ البلاد. سوريا مهد الحضارة وليست بقرة يتم حلبها وفي النهاية ذبحها بواسطة قبيلة أو خليفة أو مؤيدي القاعدة. إنّ كانت واشنطن جادة في تدمير داعش فإنها ستبني وتقود وتطبق استراتيجية اقليمية لرفع شأن الحوكمة السورية الشرعية. إنها ببساطة مهمّة أهم من أن تترك كليًا للآخرين.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب