سوريا وضرورة تجاوز المجتمع الدولي

مقال رأي

في 31 مارس بمدينة الكويت، كان حديث السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة سامانثا باور إلى  المؤتمر الدولي الثالث للمانحين لدعم الوضع الإنساني في سوريا قويا ومباشرا. "اذا لم يكن هدفنا اليوم هو مساعدة السوريين فقط – وإنما ضمان أننا بعد عام من الآن لن نجد أمامنا أعداد أكبر من المحتاجين، بل وأعدادا أكبر من الذين يمنعنا النظام من الوصول إليهم- على المجتمع الدولي أن يدرك أن هذا ليس مجرد صراع يؤثر على المدنيين. إنها حرب يشنها نظام الأسد وتستهدف المدنيين عمدا، وتبدو أنها تتخذ خيارات على أساس أفضل السبل لزيادة معاناة الإنسان" قالت باور. إلا أن الفكرة نفسها والإخلاص الواضح الذي تم التعبير به عنها كان من شأن كلمتان أن يقوضوهما عمليا: "المجتمع الدولي". فطالما ظلت حماية المدنيين السوريين تعتمد على "المجتمع الدولي،" فسيظلون دون حماية.

ثم عرضت السفيرة باور مثالا: "تقديم المزيد من المساعدات ليس كافيا، يجب أن نضمن أن يوقف نظام الأسد عرقلته وتأخيره. بالنظر إلى القوافل المشتركة بين الوكالات، التي تهدف إلى الوصول إلى المناطق الأكثر تضررا وأكثر الأماكن المعزولة. هذا العام منع النظام ثلاثين من طلبات الأمم المتحدة الثلاثة والثلاثين لمثل هذه القوافل، على الرغم من قرار مجلس الأمن الدولي بفرض مثل هذه المنح. لا يمكن السماح لهذا الأمر بالاستمرار." متفق، ولكن من بالضبط سوف يتحمل مسؤولية إنقاذ وحماية البشر؟ هل سننتظر أن تصدر طهران وموسكو التعليمات اللازمة لوكيلهم؟ إذا كان الأمر كذلك، يجب أن يستمر الصبر إلى ما لانهاية حرفيا.

تستخدم سامانثا باور  بالطبع لغة قوية لإدانة "بعض الحكومات" التي جعلها دعمها لبشار الأسد "شركاء في الأعمال الوحشية للنظام." على الرغم من أنها لم تسم إيران وروسيا، فالحكومات التي "قدمت مروحيات وأسلحة يستخدمها النظام لمهاجمة المدنيين "لا تزيد عن اثنتين. إحداهما "صوتت بالفيتو على قرار لمجلس الأمن من شأنه أن يحول القائمين على الفظائع الجماعية إلى المحكمة الجنائية الدولية." وهي لم تكن على الأرجح تشير الى الصين.

لذلك فلأجل حماية المدنيين في سوريا، فإن أكثر أعضاء "المجتمع الدولي" تأثيرا وبروزا هما إيران روسيا – "الشركاء في الأعمال الوحشية للنظام". فعندما تقوم تلك الدولتان بنشاطٍ وعن علم بتسهيل ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية و لا يزال مطلوب موافقتهم "للمجتمع الدولي" لإنقاذ الملايين من البشر، فماذا يقول هذا عن فائدة ذاك الذي يسمى بـ"المجتمع؟" عندما يقرأ المرء الكلمات الرحيمة والبليغة بشكل ملحوظ التي قالتها سامانثا باور عن الجهود البطولية للأطباء والممرضين السوريين الذين يرفضون ببساطة التوقف عن محاولة إنقاذ الأرواح، لا يسعه سوى أن يشعر بالخجل أن الولايات المتحدة وشركائها اختاروا جعل بشار الأسد وفلاديمير بوتين وعلي خامنئي هم الذين يحكمون من يعيش ومن يموت في سوريا. بالنسبة للملايين من السوريين، فهذا هو "المجتمع الدولي" الوحيد الذي يهم حقا: الأسد وبوتين وخامنئي.

في الواقع، على المرء أن يتساءل كيف يحلل الجاني الأكبر بشار الأسد اللهجة القوية والمؤثرة في الكلمات الjلي قيلت في مدينة الكويت. من ناحية، ألقت السفيرة باور أخبارا سيئة إلى المدافعين عنه في الولايات المتحدة وحول العالم، فقالت: "ولكن علينا أن نتذكر أن الصعود الكبير لداعش وغيرها من الجماعات الإرهابية في سوريا لم يكن ممكنا دون فظائع نظام الأسد ، التي لا تزال أفضل أداة تجنيد بالنسبة لداعش. لن تساعدنا الشراكة مع الأسد على هزيمة داعش، بل إنها فقط  ستجعل داعش أقوى." وبالطبع "كما قال الرئيس أوباما مرارا، فالحل السياسي الوحيد القابل للتطبيق هو عدم وجودالأسد في السلطة."

إلا أن الأسد لا يزال في مكانه. إنه لا يزال في مكانه لأن إيران وروسيا قد فسرا الشعار الغربي الذي يقول "لن يوجد حل عسكري في سوريا" على أنه ضوء أخضر للقيام بحل عسكري خاص بهم، حل يعتمد اعتمادا كبيرا على عمليات الإرهاب ضد السكان المدنيين. فهل من الغريب إذن، أن يقرأ الأسد هذه الكلمات، "إن السبيل الوحيد للخروج من هذه الدوامة من تصاعد العنف هو الحل السياسي"، ويقول لنفسه: "أنا أجلس في المنزل حرا. إذا كان الغرب يمكنه أن يقوم بمثل هذا الاتهام الصريح، ويصرخ من أجل التوصل إلى حل سياسي، ولكن بعد ذلك يترك إنفاذه في يد طهران وموسكو، فليس هناك أي شيء يدعوني للقلق."

وبكلمات متحدث بليغ آخر،  وزير الخارجية جون كيري، على حسابات الأسد أن تتغير. إلا أنها لا يمكنها أن تغيير إذا كان الدور الإيجابي "للمجتمع الدولي" هو فقط جمع المال للتعامل مع العواقب المروعة للقتل الجماعي. حتى هنا في الكويت فشل المجتمع الدولي بشكل يرثى له في تحقيق هدف الأمم المتحدة بجمع 8.4 مليار دولار من أجل الإغاثة الإنسانية لسوريا. أضافت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والكويت ما يقرب من 500 مليون دولار لكلٍ منها لصندوق الإغاثة، ولكن مجموع الأموال التي تم جمعها كانت 3.8 مليار دولار، وهو ما قد يعكس التعب غير المستحق بين الجهات المانحة التي لم تفعل شيئا يذكر حتى الآن، والتي لا ترى نهاية متصورة لهذا العمل البغيض ضد الإنسانية.

بالإضافة لذلك، لن تتغير حسابات نظام الأسد فيما يتعلق بمفاوضات انتقال سياسي حقيقي طالما أن الولايات المتحدة وشركائها تمنح حق الفيتو "للمجتمع الدولي" الذي، في السياق السوري، يتلخص في الأسد وبوتين وخامنئي. يجب ألا يكون النظام وأولئك الذين يختارون أن يكونوا "شركاء في الأعمال الوحشية للنظام" هم من يقرر أن الشعب السوري سيبقى دون حماية من أولئك الذين "يتعمدون استهداف المدنيين" و "يتخذون قرارات على أساس أفضل السبل لزيادة المعاناة الإنسانية."

لقد تحدث سامانثا باور بالحق عندما قالت "رغم كل الذي حرم الأسد الشعب السوري منه خلال هذا الصراع، لم يكن قادرا على إخماد أعمق وأنبل رغبة  إنسانية: إنقاذ حياة." لكن على المرء التساؤل، ما مقدار الذي اكتسبه بنجاح من "المجتمع الدولي" وما الذي تمكن من إخماده بين هؤلاء في هذا المجتمع الذين كان بإمكانهم أن يتصرفوا لإنقاذ الأرواح، ولا يزال يمكنهم ذلك.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب