عن مصر: الخوف يجعل كل شيءٍ ممكنًا

مقال رأي

إنه وقتٌ ليس من المرحب فيه في مصر أن تكتب شيئًا جديًا يعالج القضايا الجدية. إذ تغلّف السخرية كل شيء، وتحوّلت الخطابة الجوفاء إلى حالةٍ قروسطية أو بدائية تُراجع فيها قيمٌ أساسية. هل يكون مقبولًا أن تتجاهل حقوق الإنسان بسبب العنف الذي يمثّله فاعلون غير حكوميين؟ هل يكون مقبولًا لقوات الشرطة أن تقتل مواطنين أبرياء بموجب قانونٍ يُفترض به أن يحمي هؤلاء الأشخاص أنفسهم من الإرهاب؟ هل يكون مقبولًا أن تفتقد الدولة إلى محاكماتٍ عادلة؟ في معظم الوقت، وفقًا لوسائل الإعلام الحكومية، تكون الإجابة هي نعم.

وفي ظل عدم السماح بنقاشٍ عامٍ يُذكر، جعلت الأغلبية صوتها مسموعًا: تثق جماهير المصريين في كل ما تقوم به الحكومة من الناحية السياسية، ولكنها ستواصل مطالبتها بالإصلاح الاقتصادي. ولم يعد مستغربًا أن تغدو أمورٌ مثل القتل والتعذيب والمحاكمات العادلة شيئًا "سياسيًا" تهتم به النخبة فحسب. كما لو كان ممكنًا أن يتم التسامح، في نظر الجماهير، مع حدوث هذه الأفعال باسم الصالح العام. وما الذي يمكن أن يكونه الصالح العام بخلاف منح الفقراء حقوقهم ومحاسبة أولئك الذين في السلطة، بدلًا عن استهداف الأبرياء؟

الحجة القائمة هي أن الإرهاب يجبرنا على اتخاذ تدابيرٍ استثنائية. في واقع الأمر، إنه الخوف.

إن الأمر المذهل فيما يتعلق بالخوف هو أنه يجعل كل شيءٍ ممكنًا. فعلى نحوٍ مفاجيءٍ، يصبح ممكنًا أن تعالج الإيدز والتهال الكبد الوبائي (فيرس سي) بدون بحثٍ علمي. ويصبح ممكنًا أن تؤسس بلدًا يحترمه الآخرون بدون حكومةٍ تحترم الديمقراطية أو تحترم مواطنيها. ويصبح ممكنًا أن تدين أفعال الإرهاب غير الإنسانية، مثل ذبح 21 قبطيًا على يد داعش في ليبيا، ولا تدين مقتل ألف شخصٍ في رابعة.

ومن غير المنطقي أن تطالب أولئك الخائفين بالتغلب على مخاوفهم. كيف يمكنهم القيام بذلك، في "مصر" على استعدادٍ لأن تعاقب الضعفاء لمطالبتهم بحقوقهم، في بلادٍ لا توفر حماية من قوات الأمن المسعورة التي تحركها الرغبة في الانتقام؟ كيف تستطيع الجماهير أن تتغلب على مخاوفها عندما يختار المجتمع الدولي السعي خلف المصالح على حساب حقوقٍ اتفق يومًا على ضرورة أن تصبح عالمية؟

لقد غدت مصر اليوم أرضًا لاحتمالاتٍ، معظمها مروّع. فلا توجد طريقةٌ لمساءلة الحكومة، وليس هناك هيئة منتخبة تحاول، ولو بشكلٍ رمزي، الحد من السلطات الديكتاتورية التي يتمتع بها الرئيس والجيش. بل وسأذهب أبعد من ذلك وأقول أنه لا يوجد وزراء، حيث يستطيع ضباط أمن الدولة تجاوز أي قراراتٍ يتخذها أي وزيرٍ أو مسئولٍ حكومي باسم الأمن القومي.

والنتيجة هي مصر التي نراها اليوم، مصر التي تحاول فرض الرأي الزاعم بأنها بلدٌ ديمقراطي بواسطة العنف والترهيب، علاوةً على الأموال الطائلة التي يتم إنفاقها على الدعايا وشركات العلاقات العامة الغربية. إننا نرى مصر غير راغبةٍ في تمثيل مصالح شعبها، ولكنها راغبةٌ فقط في حماية مصالحٍ شخصية، تتمثل سواءًا في صورة امبراطورية اقتصادية عسكرية أو طائفة من ذوي المحسوبية المدنيين. وأصحاب المصالح من كلا هاتين المجموعتين سعداءٌ بالانخراط في حربٍ باردة غير معلنة على حساب موارد البلاد.

في عام 2011، تحدى العديد من المصريين الطغيان بواسطة التحلي بالشجاعة، واليوم يحارب العديدون القيم الإنسانية من خلال التحلي بالخوف. وسوف يظل الخوف هنا، لأنه لا يوجد منقذون في هذا العالم. هناك طغاةٌ يتم تصويرهم كمنقذين وأبطالٌ يتم تصويرهم كرموزٍ للشر. إن أشد ما في هذا المشهد القاتم حزنًا هو أن تلك الصورة القبيحة غدت ممكنةً بواسطة مباركة الجماهير، التي أعلنت استعدادها لتبرير اغتصاب الحقوق. من جانبٍ، يقتل الخوف الأحلام، ولكنه من جانبٍ آخر، يجعل أشياءًا مستحيلة ممكنة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب