عن مصر: تسليح الطغاة لن يجلب سوى الفوضى

مقال رأي

إن إعلان البيت الابيض المحبط الاسبوع الماضي أن الرئيس باراك أوباما قد رفع تجميد المساعدات العسكرية لمصر مرةً أخرى، قد كشفت قصر نظر حكومة الولايات المتحدة في محاولتها لتحقيق الاستقرار في منطقةٍ مضطربةٍ على نحو متزايد.

على مدى عقود، أغرقت سلسلة من الإدارات الأمريكية حكام الشرق الأوسط المستبدين بالأسلحة أملا في أن تحفظ الحكومات القمعية الأمن. لكن ذلك لم ينجح. أحد أهم أسباب وقوع المنطقة الآن في حالة اضطراب هو أن هذه الأنظمة حالت دون تطور حكم القانون، والنقابات العمالية المستقلة، ومجموعات حقوق الإنسان، والإعلام الحر، وركائز المجتمع المدني الأساسية الأخرى.

هذه المرة، أبلغ أوباما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن الولايات المتحدة ستبدأ تسليم طائرات F-16، وصواريخ هاربون، ومجموعة لوازم للدبابات M1A1. ورغم إبداء أوباما أيضا بعض المخاوف حول حقوق الانسان بخصوص "استمرار حبس النشطاء السلميين والمحاكمات الجماعية"، فإن تلك الأمور لم تشكل أزمة كافية بالنسبة لإدارته حتى تمنع تسليم الأسلحة.

من الصعب فهم كيف أن زيادة تسليح نظام السيسي، مع تجاهل بواعث القلق المتعلقة بحقوق الإنسان التي أبدتها الإدارة الأمريكية عندما جمدت مساعدات الأسلحة في عام 2013، سوف يكون أمرا جيدا بالنسبة للمنطقة أو جيدا بالنسبة للمصالح الأمريكية على المدى الطويل. إن ذلك يقوض هؤلاء الذين يضغطون من أجل تطبيق حقوق الإنسان داخل البلاد، ويغذي معاداة الولايات المتحدة، ويكافئ حكومة تهاجم مجتمعها المدني.

إنه خطأٌ متكرر. من الواضح أن المساعدات العسكرية الأمريكية التي تقدر بنصف مليار دولار إلى اليمن منذ عام 2006 لم تجلب الاستقرار إلى هذا البلد. لسنوات عديدة، ساندت واشنطن ديكتاتورية علي عبد الله صالح الذي حكم اليمن منذ أكثر من ثلاثة عقود، ضيق فيها الخناق على مخالفيه وقمع المعارضة والمجتمع المدني. لذا فالفوضى الحالية والطائفية والتطرف العنيف يتحمل بعض مسؤليتها عقود القمع التي سبقتها. وتتمتع المملكة العربية السعودية حاليا بنوع من الاستقرار، يضمنه عهد من التعذيب والجلد وقطع الرؤوس. ولكننا نعرف أن هذا النوع من الأمن وهمي، ولا يمكن أن يستمر على المدى الطويل.

لكن الغريب هو أن أوباما يقول إنه يفهم مبدأ أن المجتمعات المدنية القوية توفر منصة آمنة للمجتمعات المستقرة، وإن البلدان ذات المجتمعات المدنية القوية تمثل أفضل شركاء للولايات المتحدة. وقد قال في سبتمبر:

إن تعزيز المجتمع المدني الذي بإمكانه إبراز القضايا ودفع القيادة، ليس مجرد تماشيا مع قيمنا، وليس إحسانا منا. إنه في مصلحتنا الوطنية. الدول التي تحترم حقوق الإنسان – بما في ذلك حرية تكوين الجمعيات- يصبحون أقرب شركائنا. وذلك ليس من قبيل الصدفة. على العكس من ذلك، عندما يتم قمع هذه الحقوق، فذلك يغذي التذمر والشعور بالظلم الذي يمكن بمرور الوقت أن يستخدم كوقود لعدم الاستقرار أو التطرف. لذلك أعتقد أن دعم أميركا للمجتمع المدني هو مسألة تتعلق بالأمن القومي.

اعترف أوباما أن أكبر تهديد لدول الخليج العربي كان القمع الذي يمارسوه. وقال الشهر الماضي إنه ".... مجرد اعتقاد أنه لا توجد وسائل سياسية مشروعة للشكوى .... أعتقد أن أكبر التهديدات التي يواجهونها قد لا يكون سببها غزو إيران. بل سيكون سببها حالة عدم الرضا داخل بلدانهم."

التناقض هنا واضح. على الرغم من أن الرئيس يقول الأشياء الصائبة، تقوض إدارته نفسها بانتظام من خلال دعم الديكتاتوريات القمعية في مصر والسعودية والبحرين، وغيرها من الأماكن التي تسحق ​​مجتمعاتها المدنية علنا، مما يزيد الخطر على المنطقة وعلى مصالح الولايات المتحدة.

ويأتي إعلان أوباما عن استئناف المساعدات العسكرية لمصر بينما تدفع الحكومة البحرينية واشنطن لرفع ما تبقى من التجميد على مبيعات الأسلحة لها، وهي القيود المفروضة عام 2011 بعد رد الحكومة العنيف على الاحتجاجات التي طالبت بالإصلاح. في الأسبوع الماضي، في خطوةٍ أخرى لخنق المعارضة السلمية، اعتقلت حكومة البحرين الزعيم المعارض نبيل رجب مجددا.

من غير المستغرب أن تسليح الأنظمة القمعية لا يجعل أمريكا أكثر شعبية لدى الرأي العام في الشرق الأوسط. وكما كشف تقرير مركز بيو للأبحاث في يوليو عام 2014، فقد انخفضت المواقف الايجابية تجاه الولايات المتحدة في مصر من 30 في المئة في عام 2006 الى 10 في المئة في العام الماضي. وذكر التقرير أن "الشرق الأوسط هو المنطقة الوحيدة التي تتصف مناهضة الولايات المتحدة بها بالعمق وسعة النطاق". لا شك أن هناك أسبابا أخرى لانخفاض الشعبية، ولكن تمكين الديكتاتوريات من خلال الدعم العسكري والسياسي لا يساعد في تحسين صورة واشنطن.

من المرجح أن رفع تجميد إرسال الأسلحة لحكومة السيسي سيحول الوضع السيء إلى أسوأ. تحتاج الولايات المتحدة إلى إيجاد وسيلةٍ لتتخلص من وهم أن توفير المزيد من الأسلحة لديكتاتوريات الشرق الأوسط سيحقق الأمن في المنطقة، فالأغلب أن ذلك سيؤدي إلى نتيجةٍ عكسية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب