فورين بوليسي تسأل: هل تتخلى أمريكا عن دورها في الشرق الأوسط؟

مقال رأي

في خطابه بشأن سياسة مكافحة الإرهاب الذي ألقاه العام الماضي بقاعدة "ويست بوينت"، أوضح الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن الولايات المتحدة لن تحاول في المستقبل مواجهة التهديد الإرهابي خارج أراضيها بمفردها، بل ستسعى "للتحالف بشكل أكثر فاعلية مع الدول التي تسعى الشبكات الإرهابية للحصول على موطئ قدمٍ فيها". لبت الجامعة العربية الشهر الماضي تلك الدعوة عبر التعهد بتشكيل قوةٍ عسكريةٍ عربيةٍ مشتركة للاستجابة للفوضى المتصاعدة الوتيرة في المنطقة. قدمت إدارة أوباما دعمها الحذر لذلك الاقتراح، حيث أخبرني أحد المسؤولين الكبار في وزارة الخارجية الأمريكية: "نحن نرحب بشيء من ذلك القبيل، خصوصا في سوريا، وفي أماكن أخرى أيضا".

ولكنني أود أن أقول، احذروا مما ترحبون به.

يُنتظر التوصل إلى التفاصيل الفعلية لذلك الجيش المقترح، ومنها أعضائه، هيكل القوات، وموقعه، خلال الشهور القادمة. وكما أثبتت الوحدة العربية – السياسية أو العسكرية – عادة كونها سرابا، هناك دافع جيد للتشكك في أن تلك القوات ستصبح يوما حقيقة. وحتى إن تحققت، ستضمن الانقسامات الجوهرية بين الدول العربة أن القوة المشتركة ستبدو أكثر كتحالف راغبين (مصطلح سياسي ظهر في التسعينات لوصف الدول المشاركة في تدخلات عسكرية خارج مظلة الأمم المتحدة، أبرز مثال لاستخدامه عندما استخدمه جورج بوش الابن لوصف التدخل في العراق) متحول أكثر منها كهيئة جماعية مثل الناتو، أو حتى كمجلس الأمن والسلام التابع للاتحاد الأفريقي.

رغم ذلك، هناك شعور بالخطر الحقيقي، ممزوج بخوف من تخلى الولايات المتحدة، دفع تلك الفكرة في الأجندة العربية. فمصر، التي كانت أكثر الداعمين لتلك القوات المشتركة، تقلق من أن العنف المتطرف في ليبيا سيمتد عبر الحدود بين البلدين. بعد أن قطع مقاتلو الدولة الإسلامية في ليبيا رؤوس 21 قبطيا مصريا، دعى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لقوة تدخل مدعومة من الأمم المتحدة، أو، في حال تعذر ذلك، رفع حظر توريد الأسلحة المفروض على الحكومة الليبية المعترف بها دوليا في طبرق. وعندما عارضت الولايات المتحدة وبريطانيا كلا الإجراءين، بدا أن السيسي خلص إلى أنه سيضطر للاعتماد على أقرانه العرب، وبدأ في دق ناقوس الخطر من أجل تشكيل قوة مشتركة.

كانت القوة الدافعة لتشكيل القوة مصرية، ولكنها لن تتحقق دون السعودية، القوة السياسية والمالية الأهم في الخليج. فالسعوديون كذلك يرون تهديدا خطيرا يطرق بابهم، مع اجتياح اليمن من قبل المقاتلين القبليين الحوثيين المتحالفين مع إيران. اجتذبت السعودية ثمان دول عربية، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، إلى حملتها الجوية ضد الحوثيين. بذلك أصبحت تلك الحرب نموذجا أوليا لصورة جديدة من العمل الإقليمي المشترك مع مشاركة الولايات المتحدة كلاعبٍ داعم، وهو تحديدا ما اقترحه أوباما في "ويست بوينت".

تدافع الإدارة عن لجوء السعوديين للقوة لصد الاستيلاء على اليمن، فقد وضع الحوثيون صواريخ "سكود" على الحدود، بينما بدأت إيران رحلات منتظمة إلى مدينة صعدة، معقل الحوثيين. ولكن مسؤول وزارة الخارجية الذي تحدثت معه أضاف أن العداوات يجب أن تنتهي قريبا لوضع حدٍ لعدد القتلى والدمار، ولاجتذاب الحوثيين لتحقيق تسوية سياسية.

للأسف، ليس هناك مؤشرات على أن الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز يتفق مع ذلك الافتراض. فخطته الظاهرة هي قصف الحوثيين حتى يعلنوا استسلامهم. علاوة على ذلك، يعتبر السعوديون جددا في لعبة التدخل العسكري، ويبدون عازمين على إعادة إنتاج نفس الأخطاء الأمريكية. تسببت الحرب الجوية في سقوط أكثر من 500 قتيل من المدنيين وكارثة إنسانية ناشئة، كما وفرت فرص جديدة لتنظيم القاعدة، الذي استولى على مدينة المكلا، خامس أكبر مدينة يمنية، ولم تفعل الحملة شيئا لإعاقة محاولة الحوثيين غزو مدينة عدن الجنوبية الاستراتيجية. لا يمثل ذلك نموذجا أوليا مشجعا.

استمر القتال أسبوعين فقط وربما تتحول الموجة. ولكن المشكلة الأكثر استمرارا هي فكرة الملك سلمان عن الحل السياسي. فبمجرد هزيمته للحوثيين، يخطط الملك لعودة الرئيس عبد ربه منصور إلى السلطة، والذي أُجبر على الهروب من اليمن إلى السعودية. ولكن السعودية هي من أوصلته لذلك المنصب، فحكمه ضعيف للغاية حتى إن جيشه تخلى عنه عمليا لصالح سابقه المكروه على نطاق واسع، علي عبد الله صالح. قد يستمر هادي، ولكن كدمية سعودية فقط. علاوة على ذلك، الحوثيون ليسوا دمىً إيرانية، على عكس ما يصر عليه السعوديون، ولكنهم قوة محلية قوية يجب استيعاب مطالبها في اتفاق مشاركة للسلطة.

يمكن رؤية وضع مشابه في ليبيا، حيث قدمت مصر دعما سياسيا وعسكريا لحكومة طبرق في إطار جهودها لتدمير الحكومة المنافسة في طرابلس. فحكومة طبرق "وسطية" حسبما تعلن، بينما حكومة طرابلس "إسلامية"، ولكن المصطلحات بالغة التبسيط تخفي حقيقة المناطق، القبائل، والمجموعات العرقية، المختلفة المتنافسة على السيطرة. مجددا، الحل الوحيد المستمر سيكون حلا سياسيا. ولكن حاليا أكبر عائق أمام وقفٍ لإطلاق النار هو رفض حكومة طبرق التفاوض مع الإسلاميين. فقد طالب رئيس وزراء حكومة طبرق، عبد الله الثني، بأن يفعلوا في ليبيا ما يفعلونه في اليمن حاليا. ما سيكون كارثيا.

تعلمت الولايات المتحدة بالطريقة الصعبة أنها لا يمكنها ببساطة دعم حكومات تعتبرها شعوبها غير شرعية، لذلك حاول أوباما اشتراط حدوث إصلاح سياسي في العراق مقابل المساعدة العسكرية، بحيث يقدم ذلك الإصلاح دورا هاما للسنة. ولكن المستبدون العرب لا يقبلون ذلك المبدأ. فقد استجابت السعودية للمعارضة السياسية بين الأغلبية الشيعية في البحرين عبر إرسال قوات عسكرية لمساعدة الملكية السنية بالمنامة في سحق الحركة السلمية. بينما يتعامل نظام السيسي مع المعارضة المحلية كتهديدٍ للأمن القومي، ومن وجهة نظر القاهرة، يعتبر أعضاء حركة الإخوان المسلمين "إرهابيين"، وطابور خامس لتنظيم الدولة الإسلامية.

إلا أن المشكلة مستمرة في التعمق. فالغرب يعرف المشكلات الأمنية الأفريقية كما تعرفها الدول الأفريقية تقريبا: دول فاشلة، إنقلابات عسكرية، وأباطرة حرب يمثلون خطر يتجاوز حدود دولهم ويجب مواجهتهم بواسطة لاعبين خارجيين. لذلك يصبح التعاون مع الاتحاد الأفريقي أقل إشكالية بشكل نسبي. إلا أن ذلك الإجماع ليس موجودا في العالم العربي. حيث يرى السعوديون الثورات المحلية كأحد أعراض حملة إيرانية لا تهدأ للسيطرة على الشرق الأوسط. وبالتالي فإن الحرب المركزية ليست بين الإسلام الوسطي والتطرف العنيف، حسبما ترى الولايات المتحدة والغرب، بل بين الإسلام السني والشيعي. فالقوة المشتركة ستكون أداة سنية، وليست عربية، أما العراق ولبنان، حيث يمتلك الشيعة سيطرة فعالة، فلم تظهرا أية حماسة للهيئة المقترحة. سيؤدي ذلك إلى تعميق الانشقاقات الموجودة بالفعل.

أما المصدر الآخر للقلق الإقليمي الكبير فهو الإسلام السياسي. حيث تتشارك الإمارات ودول خليجية أخرى مع مصر ذعرها بذلك الشأن، كما أنها أقرت تنظيم الإخوان المسلمين منظمةً إرهابية. لم يظهر أيا منهم الاهتمام بدعم تونس، وهي دولة تواجه الإرهاب المحلي. ويعود ذلك لمشاركة حزب النهضة الإسلامي في الحكومة التونسية. للولايات المتحدة مصلحةٍ في دعم الديمقراطيات الناشئة وإنهاء النزاع عبر تحقيق المصالحة، بينما لن يفعل الجيش العربي أيا من الخطوتين.

ولكن للولايات المتحدة مصلحةٍ أيضا في صد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، سوريا، وليبيا، وقمع تنظيم القاعدة وكبح جماح الحوثيين في اليمن. وهنا تلتقي المصالح الأمريكية والعربية. لا يستطيع الغرب حل مشكلة التطرف الإسلامي،  فقط العالم الإسلامي يستطيع فعل ذلك. قال أوباما إن الولايات المتحدة من الآن فصاعدا سوف تعمل من خلال شركاء عندما يتعلق الأمر بمواجهة الإرهاب. وحسبما أخبرني دبلوماسي عربي بشأن القوة المقترحة: "إن كانت سياسة أوباما هي جعل المنطقة تواجه مشكلاتها، أظن أنه موقف جيد". بالفعل، من وجه نظر عربية، جعل التخلي الأمريكي تحديدا النشاط العربي الجديد ضرورة. حيث أوضح الدبلوماسي: "لم تعد الولايات المتحدة شرطة النجدة في مواجهة تلك المشكلات بعد الآن".

عندما تكون مهيمنا، يمكنك أن تملي على شركائك كيفية التصرف، ولكن عندما لا تكون مهيمنا، لا يمكنك ذلك. لا تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في ذلك الدور، وهي لا تريد ذلك على أي حال. يجب أن تعتمد على شركائها، بدلا من تجنيدهم ببساطة لصالحها. وذلك يعني أنها يجب أن تتكيف مع وجهات نظر شركائها أكثر مما فعلت في الماضي. وبالتالي فإن الولايات المتحدة ليست في موقعٍ يؤهلها لمعارضة القوة العسكرية العربية المشتركة أو أن تملي عليها كيف وأين تتدخل. بالتأكيد هي حالة مؤسفة، ولكنه الأمر الواقع.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب