فورين بوليسي: غزة تستعد مرة أخرى لمواجهة إسرائيل

مقال رأي

الكل يتجمّد. هدير الطائرات الحربية الإسرائيلية تقطع المحادثة. الطائرة آتية نحونا، وسريعًا ما ستكون فوق الرؤوس.

يدير قائد اللواء، أبو مجاهد، رأسه إلى اليمين ويوميء لاثنين من رجاله الأعضاء في لواء الناصر صلاح الدين، أحد المجموعات المقاتلة في غزّة. ينسحبون، في صمت، من تحت السقيفة المصنوعة من الخوص التي كانوا قد تقرفصوا تحتها ويهرولون عبر الطريق الريفيّ المجدور لرؤية ما يحدث.

يسأل أبو مجاهد بإلحاح "هل أطفأت هاتفك المحمول وتركته في السيارة؟" وهو ينظر إلى السماء. لقد حارب في كل صراع ضدّ الإسرائيلين منذ الانتفاضة الثانية والتي بدأت في العام 2000. توجد كتل مفقودة من اللحم المنحوت على ذراعيه وأقدامه كما هو الحال مع إصبعيه الأوسطين. يمزح الجنود بالقول إن نصفه معدني.

ثم تأتي الانفجارات. إنها عالية وعميقة الصوت ولكنها بعيدة. حتى أنه  لا أحد يرمش. يقول مفسرًا "إنه انفجار صوتي ولكنه سيحطّم النوافذ".

يُحضّر المقاتلون في غزّة لحرب جديدة كل يوم. قد تأتي في أي يوم: في الأسابيع الماضية، حامت الطائرات والدرون الإسرائيلية حول المقاطعة الساحلية. لقد أعادت قوات الدفاع الإسرائيلية ترتيب قواتها على الحدود الشرقية، وهي منطقة تم تسويتها بالأرض بشكل كامل خلال حرب الصيف الماضي التي استمرت 51 يومًا.

يقول أبو مجاهد "يمكن أن تبدأ الحرب في أية لحظة. هناك الكثير من الحركة النشطة ومن ثم فجميع المجموعات المقاتلة تُخلي قواعدها. لقد أجّلنا جِلسات التدريب وتم نقل العديد من الرجال تحت الأرض".

يقول نائبه المرهب، أبو سيف، البالغ من العمر 28 عامًا، بضحكته الخالية من الأسنان "يوجد أشخاص في هذه اللحظة تحت أقدامي".

إنّ غزّة اليوم هي برميل بارود في انتظار تفجّره. تبقى الصفة الأساسية لاتفاقية وقف إطلاق النار، التي أنهت الحرب في الصيف الماضي، غير متحققة – تشعر إسرائيل وحماس أن لا شيء غير المزيد من العنف يمكن أن يجبر عدوهم على الموافقة على طلباتهم. في الوقت نفسه، إنّ إعادة إعمار غزّة قد ركدت بسبب القيود الإسرائيلية على دخول مواد البناء إلى القطاع بالإضافة إلى العداوة بين حماس وفتح، التي تستهلك أمل سكان غزّة في مستقبل أفضل وتقودهم إلى الاعتقاد بأنه لا وجود لبديل عن الكفاح المسلّح.

عندما توسطت مصر، خلال هدنة العام الماضي، في أغسطس، التزمت نحو الطرفين بأن تطلق محادثات مباشرة خلال شهر لحل القضايا التي علقت طويلًا بينهما.

يريد الفلسطينيون إنهاء الحصار الذي أصاب مناطقهم بالشلل لفترة ثماني سنوات ويريدون توسعة مناطق الصيد والمطار والميناء. في الوقت نفسه، ترغب إسرائيل في نزع كامل للسلاح في المناطق وإنهاء حماس، وهي حزب إسلامي يسيطر على القطاع منذ العام 2007.

لم تجر المحادثات أبدًا. بدلًا من ذلك، أغلقت مصر، التي عملت طويلًا كطرف في الحوار، حدودها مع غزّة على 1.8 مليون شخص، وفي فبراير وضعت محكمة مصرية حماس - لفترة قصيرة - على قائمة الإرهاب. في الوقت نفسه، وفي منتصف مارس، أعادت إسرائيل انتخاب رئيس الوزراء المنتمي إلى الصقور، بنيامين نتنياهو، الذي كرّر كثيرًا أن حماس هي معادل للدولة الإسلامية.

على كل هذا الضجيج الفارغ، يوافق المقاتلون على مضض أن السكان المدنيين لا يستطيعون في الغالب تحمل حرب أخرى. بعد ثمانية أشهر من انتهاء القصف لا تزال غزّة محطمة: لم يتم تلقي سوى 945 مليون دولار من مبلغ 3.5 مليار دولار الذي وُعِد به لبناء غزّة في مؤتمر أكتوبر، في القاهرة ، حسبما ورد في تقرير صدر يوم 13 إبريل عن رابطة جمعيات المعونة الدولية (AIDA)، بينما لم تتم إعادة بناء أي من المنازل الـ 19000 التي دمّرت في الصراع. وقال التقرير إنّ عددًا يقدّر بمئة ألف شخص لا يزال بلا منازل ويخيّم 1300 في مدارس تابعة للأمم المتحدة.

شقت الجرافات المحلية طرقًا عبر أكوم من الخرسانة المفتتة للسماح للأشخاص بالحركة. يدهن الأشخاص أسمائهم وأرقام هواتفهم على أكوام الخرسانة على أمل أن تهتم منظمات الإغاثة بأن تظهر وتبدأ جهود إعادة الإعمار.

يقول أبو جوزيف، البالغ من العمر 70 عامًا، وهو يتحرك عبر نظام معقد من الحبال كي يتسلق إلى سطحه المفتوح في حي الشجاعية، "بنينا هذا البيت مرّتين في ما قبل في الحروب الأخيرة، وفي الصيف نزع صاروخ آخر مقدمة البيت والسطح... أتى بعض المهندسين إلى هنا وأثبتوا أن هذا البناء غير ثابت هيكليًا. نحن ننتظر أن يتهاوى تحتنا للمرّة الثالثة".

انهارت الخدمات الأساسية أيضًا مضيفة مصاعب للسكان. الكهرباء نادرة. أغلب سكن غزّة يعيشون على ثلاث إلى ست ساعات من الطاقة في اليوم. الماء في الصنابير مالح لأن مياه البحر الآتية من المتوسط قد تسربت إلى بئر المياه الجوفية الساحلي الوحيد - حسبما تقول رابطة جمعيات المعونة الدولية فإنّ 95 بالمئة من المياه في المناطق غير صالحة للاستهلاك الأدمي. ولأن مصانع تنقية مياه المجاري لا تعمل جيدًا فإنّ آلاف الأمتار المكعبة من المخلّفات تتدفق بحرية إلى الشواطيء.

الدمار ليس ماديًا فقط.

يُعتقد أن أكثر من 400000 طفل - من الذين يعانون من التأثير المتراكم للحروب المتعددة - مصابون بصدمةٍ شديدةٍ، والعديد منهم يتناول أدوية بكثرة. لكن المال اللازم لهذه الرعاية نادر: قالت مديرة يونسيف، برنيل أرونسايد، لفورين بورليسي، إنّ المنظّمة غير ممولة بنسبة 70 بالمئة  مما يعني أنها لا تستطيع توفير الدعم النفسي والاجتماعي إلا إلى خُمس الأطفال المتأثرين. وقالت "هناك فجوة في التمويل تقدر بـ 68 مليون دولار لبرنامجنا للاستجابة للطواريء".

إحدى أسوء حالات "كرب ما بعد الصدمة" في القطاع هي لمنتصر أبو بكر، الذي يبلغ من العمر 12 عامًا، والذي رأى في يوليو الماضي أربع أولاد من عائلته – بما فيهم الأخ الأكبر له الذي يبلغ من العمر 10 سنوات – ينفجرون إلى أشلاء بقذيفة بحرية إسرائيلية على شاطيء غزّة. ما يزال، بعد ثمانية أشهر، يعاني مع أدوية قوية مضادّة للذهان بعد محاولته الانتحار. خلال حديث معه ومع عائلته كان يصرخ بشكل مستمر واختبأ تحت سريره وهاجم والديه وأحينًا كان يصاب بالخرس.

يقول وهو يجهش بالبكاء "الأدوية تدفعني إلى الجنون، لا أعرف ما أفعله... كل يوم كأني قطعة خشب، لا أستطيع النوم ويداي مضمومة في قبضة".

أعاق الصراع المحتدم بين حماس وفتح، الحزب السياسي الأكبر في الضفة الغربية، إعادة الإعمار أيضًا. بينما دعم كلاهما الحكومة الفلسطينية المكونة حديثًا في العام الماضي. يبدو أنها أتت بالوحدة الاسمية فقط - يشتكي أعضاء فتح من أن حماس لا تزال تمنع الحكومة من أخذ زمام المبادرة في التعامل مع الأموال ومجهودات إعادة الإعمار والتي كانت شرطًا مسبقًا لتلقي المساعدة.

لا تعمل الحكومة في الوقت الحالي، ترفض حماس أن تتخلى عن السيطرة على أقسام الشرطة والأمن والحدود مما يجعلها عمليًا غير ذات جدوى كما يقول عضو فتح، أبو جودة النحّال.

في الوقت نفسه، تتهم حماس رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، بتعمد تقويض المجهودات لبناء حكومة فعالة في غزّة.

يقول مشير المصري، المتحدث الرسمي والعضو القيادي في المجموعة الإسلامية، "عباس قلق حول مستقبله السياسي... والاحتلال الإسرائيلي يرفض السلام الذي تطرحه الحكومة الموحدة في غزّة لذا فإن عباس يخشى عقاب الإسرائيلين في الضفة الغربية إذا نجحت حكومة غزّة بالفعل".

وبينما يتشاجر القادة المدنيين فإنّ السكان المدنيين يتحولون تدريجيًا نحو الفصائل المسلحة من أجل الحصول على الأجوبة. في غياب فرص عمل أخرى، تشهد هذه المجموعات ارتفاعًا كبيرًا في التجنيد: واحد من مقاتلي "الناصر صلاح الدين"، يُعرف بالاسم الحركي أبو محمد، قال إنهم يرفضون العشرات من الطامحين من صغار السن. ويقول "يريد الشباب الانتقام عندما يخسر الكثير".

يوافق قائد الوحدة على مقابلتنا في منتصف الليل. سرب من المقاتلين الجدد يصطفون في بستان أشعث مع تشكيلة من القنابل التي تطلقها صواريخ (RPG) وبنادق القنص وبنادق الهجوم. يقومون بالشقلبات والانقلاب إلى الخلف في المساحة الفارغة القريبة – أنشطة تدريبية تفعل عادة عبر أطواق من نار أو تحت طلقات الرصاص كما يضيف أبو محمد.

أحد أحدث أسلحتهم هو المرأة. زادت المجموعات المسلحة في غزّة في تجنيد النساء. والآن لدى كل منها – بما في ذلك كتائب القسام التابعة لحماس والجهاد الإسلامي – فرقة نسائية.

لا يعرف أي شخص عدد المقاتلات من النساء في غزّة ولكن كتائب الناصر صلاح الدين تفتخر بـ 80 مقاتلة عاملة في 25 وحدة نسائية. كل وحدة لها ضباط قادة يرأسهم رجال. تقدم المئات من النساء الأخريات أدوارًا مساعدة.

تقول حذيفة، البالغة من العمر 26 سنة، بينما يحجب النقاب وجهها وهي تحتضن بندقية هجوم، خلال لقاء في منتصف الليل في مدينتها الأم غزّة، "نحن نرتب التدريب حول واجباتنا المنزلية". وقالت إنّ النساء يتم تدريبهم على استخدام بنادق القنص والـ (AK) و (RPG) و (M16)  بالإضافة إلى كيفية قيادة السيارات عبر مناطق الحروب وكيفية القتال باستخدام سكين ومؤخرًا كيفية أسر جندي إسرائيلي خلال المعركة.

أغلب النساء مثل حذيفة إمّا متزوجات من أعضاء في الكتائب أو أخوات للمقاتلين وقد أوحي إليهم الانضمام للمجموعات المقاتلة بعد فقدان عدد من أفراد عائلاتهم في الحروب الأخيرة. ليس من الصعب استيعاب السبب في اعتبارهم مكسبًا عسكريًا: من الأسهل على النساء الانتقال عبر مناطق الحروب بسبب الاعتقاد في كونهم مدنيين. نتيجة لذلك يمكنهم إيصال الأسلحة والطعام للمقاتلين على الجبهة بمخاطرة أقل من نظرائهم من الرجال.

تقول أم آدم، زوجة أحد كبار قادة الناصر صلاح الدين، والتي تبلغ من العمر 40 عامًا، وتعتبر إحدى أقدم المقاتلات من النساء، "نحن نراقب الطرق أيضًا ونحمي الرجال خلال تنقلهم". قالت أم آدم التي فقد ابنها جميع أطرافه ما عدا واحد خلال حرب 2008-2009 إنّه بالرغم من الدمار الرهيب للحرب بالنسبة إلى أغلب السكان إلا أن سكان غزّة يرون المقاومة المسلحة من بين الطرق القليلة للسيطرة على أنفسهم.

"غزّة قبر، نحن موتى على كل حال" تقول وهي تساعد ابنها المصاب على النهوض عن كرسيه المتحرك "إمّا أن نموت بلا جدوى وببطء أو سريعًا وبهدف".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب