قلعة أوروبا: ما وراء أزمة المهاجرين إلى القارة

مقال رأي

 قبل أسبوعين، لقى 1200 شخص حتفهم وهم في طريقهم إلى أوروبا. كان معظمهم من المهاجرين، فارين من الحرب والفقر في شمال أفريقيا، لقوا مصرعهم غرقًا عندما غرقت قواربهم في البحر الأبيض المتوسط. سلط عدد القتلى الضوء على سياسات الهجرة في أوروبا. هل ستعمل القارة لضمان وصول آمن للاجئين من سوريا وإريتريا والدول الأخرى التي تعاني من النزاعات؟ أم إنها ستواصل تجاهلها للأمر بينما يزداد عدد الجثث في البحر الأبيض المتوسط؟

واجهت أوروبا هذا الاختيار من قبل. في أكتوبر 2013، غرق قارب يحمل على متنه حوالى 500 مهاجر ليبي قبالة سواحل جزيرة لامبيدوزا الإيطالية. لم يتمكن خفر السواحل الإيطالي سوى من إنقاذ حوالي 150 راكبًا فقط. ردا على تلك المأساة، قررت الحكومة الإيطالية أن لديها مسؤولية للتحرك. فبدأت عمليات واسعة للبحث والإنقاذ تسمى " مار نوستروم"، من الاسم الذي اتخذه البحر المتوسط خلال الحقبة الرومانية ويعني ​​"بحرنا"، هادفةً إلى منع وفاة المهاجرين المسافرين من أفريقيا إلى أوروبا. ونجحت، مما يدل على أنه إذا بذلت أوروبا جهودًا بالفعل لحماية المهاجرين، ففي وسعها النجاح. من خلال عملية "مار نوستروم"، أنقذت إيطاليا أكثر من 130,000 شخص، بتكلفة شهرية تبلغ 12 مليون دولار. (ولكن لا يمكن إنقاذ الجميع، للأسف: فقد غرق ما يقدر بنحو 3,500 شخص خلال هذه الفترة). وقد قدرت لورا بولدريني، المتحدثة السابقة باسم مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، أن كل شخص يتم إنقاذه يتكلف 650 دولار.

ولكن يبدو أن هذا المبلغ كان أكبر مما يمكن دفعه: أغلقت الحكومة الإيطالية المشروع بعد عام واحد فقط، مشيرةً إلى تكلفته المرتفعة كسببٍ لذلك. فقد توقعت إيطاليا أن تكاليف العملية ومسؤوليتها ستكون مشتركة مع الدول الأخرى في الاتحاد الأوروبي. ففي النهاية، كان التدفق الكبير للمهاجرين في نواح كثيرة مشكلة تواجه القارة في المجمل. ولكن ذلك لم يحدث. وجرى استبدال ذلك ببعثة للاتحاد الأوروبي، تسمى "عملية تريتون،" لها ثلث الميزانية وأصول أقل، وتفويض محدود. (بينما كانت عملية "مار نوستروم" تعمل في المياه الدولية، ستنشط فرونتكس تريتون فقط في مسافة تصل إلى 30 ميلا قبالة الساحل الإيطالي).

جزء من المشكلة سياسي. مع اكتساب الدولة الإسلامية (داعش) أراضٍ في ليبيا وتهديدها بمهاجمة أوروبا من الجنوب، تميل أوروبا إلى النظر إلى تدفق اللاجئين على أنه مخاطرة يمكن تجنبها أكثر من كونها أزمة إنسانية. اعتادت أوروبا منذ فترة طويلة الكيل بمكيالين فيما يتعلق بالهجرة: في إطار اتفاق شنجن، الذي تم توقيعه في عام 1985، يمكن للأوروبيين التحرك بحرية في جميع أنحاء القارة، ولكن غير الأوروبيين يستمرون في مواجهة سياسات لجوء غير منتظمة.

كي نكون منصفين، فقد أربك العدد الهائل من المهاجرين المتدفقين من شمال أفريقيا القادة الأوروبيين. بحلول منتصف 2011، بعد سقوط الزعيم الليبي معمر القذافي، وصل نحو 30000 لاجئ ليبي إلى سواحل لامبيدوزا. في ذلك الوقت، أشار مسؤولون ايطاليون في محادثاتٍ خاصة أن هذه الأرقام يمكن التحكم فيها، إلا أن رد الفعل السياسي كان قد بدأ بالفعل. حذر النقاد من حدوث "تسونامي بشري". وأغلقت السلطات الفرنسية حدودها من جانبٍ واحد مع إيطاليا في محاولةٍ لمنع المهاجرين من السفر داخليًا إلى فرنسا. حتى البلاد المفتوحة تقليديًا، مثل الدنمارك، تحدثت عن إعادة إقامة رقابة على الحدود.

 

منذ ذلك الحين، انحدر الامر. في عام 2014، قفز عدد المهاجرين الذين عبروا البحر المتوسط ​​إلى أكثر من 200 ألف، وبلغ عدد الضحايا 3500. وليس هناك أي دلائل تشير إلى أن الزيادة سوف تهدأ. في ليبيا التي ينعدم فيها القانون، أصبح تهريب البشر تجارة مزدهرة ليس لها تبعات قانونية تذكر. (بل كما تشير تقارير إعلامية، قد تكون السلطات الليبية مشاركة في التهريب). وفي الوقت نفسه، فتزايد العنف في ليبيا، بما في ذلك قطع ذبح العمال المهاجرين المسيحيين المصريين والإثيوبيين مؤخرا، جعل الناس أكثر حرصا على الخروج منها.

المضي قدما

ما الذي يمكن لأوروبا القيام به للمساعدة؟ عند هذه النقطة، فأي شيء تقريبا ستقوم به سيتسبب في حدوث تحسن. تشبثت المفوضية الأوروبية – الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي- بأجندة قديمة بشأن الهجرة، وهو دليل مليء بالأفكار القديمة التي لم تلق الكثير من النجاح في البداية، مثل زيادة قوة مراقبة الحدود، وتضييق الخناق على عمليات التهريب، وزيادة عمليات الترحيل، والاستعانة بمصادر خارجية لإدارة الهجرة في بلدان شمال أفريقيا. في أعقاب المآسي التي حدثت في البحر الأبيض المتوسط، حاول زعماء الاتحاد الاوروبي في يأس استعادة الزخم، متوصلين إلى خطةٍ من عشر نقاط ناقشوها في اجتماع طارئ في بروكسل يوم الخميس الماضي.

في الاجتماع، وافق زعماء الاتحاد الأوروبي على زيادة التمويل إلى ثلاثة أضعاف في ​​عامي 2015 و 2016 لعمليتي تريتون وبوسيدون لـ"زيادة إمكانيات البحث والانقاذ في عملية فرونتكس". على الرغم من أن هذه تعد خطوة في الاتجاه الصحيح – وقد كانت لا يمكن تصورها منذ أسابيع قليلة- فالخطة تضم أيضا يعض العناصر المضللة. على سبيل المثال، فإن خطة إجراء "عمليات جراحية" ضد المهربين في ليبيا محكوم عليها بالفشل. حتى إذا جرى تحديد أي أهداف ذات مغزى، مثل هذه العمليات قد تعرض للخطر حياة المهاجرين واللاجئين الذين هم بالفعل في أيدي المهربين. والتدخلات الخارجية في ليبيا يمكن أن تزيد من زعزعة الاستقرار في البلاد، الأمر الذي من شأنه زيادة عدد الأشخاص الذين يسعون إلى الوصول إلى أوروبا للجوء إليها.

إن نجاح أي خطة يعتمد على عمل الدول الاوروبية معا. لسنواتٍ جرى تقسيم شمال وجنوب أوروبا بسبب أزمة اليورو، حيث كان الشماليون الشحيحون يلومون الجنوبيين المبذرين. وقد لجأت حكومات الجنوب إلى الشمال للحصول على الدعم، ولكن رفضت دول الشمال تولي مسؤولية ديون تتحملها الدول التي لا تثق بها. لكن بالنسبة لأزمة المهاجرين، فالأدوار معكوسة. جنوب أوروبا هي التي أظهرت الفضيلة والتسامح، وينظر إلى شمال أوروبا على إنها أهملت القيام بدورها، على الرغم من أن دولًا مثل ألمانيا والسويد لديها أكبر عدد من طلبات اللجوء. وليس من المستبعد اقتراح أن الفجوة بين الشمال والجنوب بشأن مسألة استقبال اللاجئين يمكن التغلب عليها من خلال قلب خطاب أزمة اليورو رأسا على عقب، على سبيل المثال عن طريق السماح لبلدان جنوب أوروبا بتعويض تكاليف إدارة الهجرة من أهداف الحد من العجز الخاصة بهم.

بعد الحرب العالمية الثانية، قام السلام في أوروبا على عدم وضوح الحدود الوطنية. وبدءًا من خطة مارشال فصاعدا، كان فتح الحدود – بدلا من إقامة الحواجز- مسار أوروبا الثوري للأمن. وإذا كان البحر المتوسط قد أصبح ​​ مرة أخرى نقطة ضعف القارة، فذلك ليس فقط لأن أوروبا لا يمكنها معرفة ما إذا كان عليها السماح بدخول قوارب مليئة بأشخاص يسعون للجوء على شواطئها. ذلك بسبب أن المهاجرين المستقبليين المعوزين يغيرون العلاقة الأساسية التي كانت هي قلب فكرة أوروبا الحديثة: في تلك القوارب المنقلبة فقدت أوروبا نفسها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب