ما هو الجزء الأهم في اتفاق أوباما لتقديم الأسلحة إلى مصر؟

أخبار

مثّل قرار الرئيس باراك أوباما هذا الأسبوع بمعاودة تقديم المعونة العسكرية لمصر اختيارا صعبا، ولكنه الاختيار الصحيح. إلا أنه من المفترض لم يسعد سوى القليلين.

سيزعم بعض المنتقدين أن الرئيس قد رضخ أخيرا للأمر الواقع، محاججين بأن العلاقة العسكرية مع مصر هامة للغاية لدرجة أنه لا يجب فقط أن نبقى على المعونة على حالها، بل كان يجب ألا نعلقها أبدا. وسيقول آخرون إنه قد رضخ للضغط السياسي وأولى ظهره للديمقراطية، محاججين بأننا يجب أن نغير علاقتنا بشكل جذري مع مصر، ربما عبر إنهاء المعونة العسكرية (أو على الأقل تقليصها إلى حد كبير)، والتي مثلت حجر الزاوية للعلاقات الأمريكية المصرية لأكثر من ثلاثة عقود. بينما ستوجه مجموعة ثالثة من المنتقدين انتقاداتها لكيفية تنفيذ السياسة، مؤكدين على أننا الآن أمام النتائج الأسوأ لكلا الاختيارين، فتعليق المعونة أولا ثم معاودة تقديمها أدى للإضرار بكل من مصداقية الإدارة في الترويج للديمقراطية وأيضا بالثقة المصرية في الولايات المتحدة.

حقيقة أن السياسة يمكن فحصها من عدة جوانب تعني أنها على الأغلب تحقق التوازن المناسب. كما أن التفاصيل الدقيقة لقرار الرئيس كانت أوسع نطاقا، فبعيدا عن استمرار المعونة، يؤدي القرار إلى تغيير الطريقة التي تقدم بها المعونة إلى مصر، وسبل الاستفادة من ذلك الدعم.

ولكن يجدر بالذكر هنا كيف وصلنا إلى هذا الوضع. كرد فعلٍ على الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي من منصبه في صيف 2013، قررت إدارة أوباما تعليق معدات معينة من مشتملات المعونة العسكرية – مقاتلات من طراز "إف-16"، مروحيات أباتشي، مجموعة لوازم للدبابات "إم 1 إيه 1"، وصواريخ "هاربون" – مع استمرار تمويل أعمال الصيانة لأنظمة التسليح المصرية الموجودة بالفعل. وفي إطار جهود دبلوماسية مكثفة من وزارة الدفاع استمرت عدة أشهر، تحادث وزيري الدفاع الأمريكي والمصري حينها – تشاك هاجل وعبد الفتاح السيسي – هاتفيا لقرابة الثلاثين ساعة، حيث سمع المصريون الأساس المنطقي لتلك القرارات. ورغم عدم رضاهم عن ذلك الموقف، تقبل المصريون أن الولايات المتحدة اضطرت لاتخاذ تلك الخطوات لعلاج مخاوف أعضاء الكونجرس والآخرين نتيجة الأحداث التي أدت للإطاحة بمرسي والعنف ضد المتظاهرين في ميدان التحرير.

مع مرور الشهور، أصبح المصريون أكثر قلقا، خصوصا مع تصاعد حدة المخاوف بشأن الاستقرار المتزعزع في سيناء وعلى الحدود الليبية. ومع تصاعد إحباطاتهم – وضعف قدراتهم واستمرار الولايات المتحدة في تعليق أنظمة التسليح التي ظنوا أنها ستكون أكثر ملاءمة في مواجهة تلك التهديدات (مثل الأباتشي) – لم يكونوا مستعدين للمشاركة في نقاشات أوسع حول الإصلاح طويل المدى ومراجعة العلاقة الأمنية بين البلدين.

 ذلك هو النوع من التحديث الذي اقترحه الرئيس أوباما الآن، وتحديدا عبر إستبعاد آلية التمويل الفريدة المعروفة باسم "تمويل التدفق النقدي". ما هو غير مفهوم بشكل كبير، ولكنه مهم للغاية، أن تلك الآلية تمثل وسيلة تقديم الولايات المتحدة للمساعدة الأمنية لدولتين فقط، هما إسرائيل ومصر. تعمل تلك الآلية بشكل أساسي كبطاقة ائتمان، حيث تسمح للدولتين بتمويل مشترياتهما من الأسلحة الأمريكية بالأموال المقدمة إليهما. ولكن الرئيس أوباما اقترح مصادرة تلك البطاقة من مصر وإعطاءها بطاقة مسبقة الدفع بدلا منها، وبناء عليه ستسدد قيمة الأسلحة من مساعدات الدفاع السنوية المصرية.

قد يبدو ذلك كمسألة محاسبة غامضة، ولكنها تمثل أهم تحول في العلاقة الأمنية بين واشنطن والقاهرة منذ عام 1979. سيسبب ذلك بعض الغصة في القاهرة. فقد تمتع المصريون طويلا بتمويل تدفق نقدي قيم. وبعيدا عن المكانة التي تضفيها عليهم تلك المعونة، فقد سمحت لهم بتحديث جيشهم وشراء أسلحة هامة على مدار عدة سنوات. خدم ذلك المصالح الأمريكية عبر تمكين المصريين من الابتعاد عن أنظمة التسليح سوفيتية الصنع وتفعيل سلام كامب ديفيد مع إسرائيل. ولكن المشكلة في تمويل التدفق النقدي كانت في تقييده للولايات المتحدة. لا يمكن تحمل ذلك، في ضوء الرياح السياسة التي تضرب الجانبين حاليا. ببساطة، يحتاج برنامج المساعدة الأمنية الأمريكي المصري للإصلاح، حتى يمكن الحفاظ عليه.

من أجل الحفاظ على العلاقة، يحتاج الرؤساء المقبلون مرونة أكبر في كيفية إدارتهم للمساعدة. ويمثل قرار تقليص تمويل التدفق النقدي خلال السنوات العديدة القادمة وسيلة لتحقيق ذلك. ولا يعني ذلك انخفاضا في مصالح أمريكا أو سلطتها القائمة أو حتى مواردها. ستستمر مصر في الحصول على المساعدة العسكرية بقيمة 1.3 مليار دولار سنويا، وهو أكبر مما تحصل عليه أي دولة في العالم بعد إسرائيل. ولكن ذلك التحول، رغم صعوبة وتعقيد تطبيقه على المدى القصير، يضع علاقة المساعدة على أساس أكثر استدامة.

أما التحول الرئيسي الآخر الذي سجله إعلان الرئيس فهو تحويل المساعدة الأمنية الأمريكية نحو مجالات المصالح المشتركة، مثل تأمين الحدود، الأمن البحري، ومكافحة الإرهاب. ويمثل ذلك استمرارا للجهود التي بدأتها الولايات المتحدة قبل أزمة عام 2013، للعمل مع الجيش المصري لإبعاده عن الأنظمة البالية المكلفة الصيانة والغير ملائمة إلى حد كبير لمواجهة تهديدات العصر الحديث، مثل المدرعات الثقيلة والطائرات المقاتلة الإضافية. كانت الولايات المتحدة مهتمة للغاية بمساعدة مصر في تحسين تلك القدرات لفترة معينة، وعبر إنهاء الإزعاج بصدد أنظمة التسليح المعلقة، ستحرز سياسة أوباما الجديدة تقدما في تلك الجهود.

من مصلحة الولايات المتحدة أن تكون مصر قوية وآمنة، وأن يكون جيشها حديثا وقادرا. من مصلحتنا أن تكون مصر رائدة وقوة معززة للاستقرار في منطقة مضطربة للغاية. لذلك كان قرار أوباما بمعاودة تقديم المساعدة الكاملة صحيحا. ولكن الأهم من ذلك أن تكون جهوده لتحديث العلاقة مفتاحا لضمان أن علاقاتنا الأمنية، التي خدمت المصالح الأمريكية لعدة سنوات، ستظل سليمة وملائمة لحقائق القرن الحادي والعشرين.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب