ملك الشارع العربي في مواجهة البابا

مقال رأي

بينما يحيي العالم الذكرى المئوية للإبادة الجماعية للأرمن هذا الأسبوع، تجد الحكومة التركية نفسها مرة أخرى تحارب حربًا قديمة خاسرة. وفقا لرئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، فالموجة الأخيرة من دعوات للاعتراف بالإبادة الجماعية تنفذها "عصابة شريرة" تصر على النيل من شرف البلاد.

والأعضاء القدامى لهذه العصابة معروفون جيدا لمراقبي تركيا. يشير حزب العدالة والتنمية الحاكم ومؤيديه إليهم عادة على أنهم أشخاص يعانون من الاسلاموفوبيا، وأعضاء "لوبي نسبة الفائدة"، و"محرضين" – بعبارة أخرى، فهم يمثلون أي شخص قد يثير سؤالا نقديا حول تركيا في عهد الرئيس رجب طيب اردوغان. والآن، أضاف الزعماء الأتراك اسمًا جديدًا إلى القائمة: مرحبا بك في حزب الكارهين أيها "البابا فرانسيس".

في الأسبوع الماضي، وصف الزعيم الروحي لكاثوليك العالم – البالغ عددهم 1.2 مليار شخص – عمليات القتل الجماعي للأرمن في عام 1915 بأنه "أول إبادة جماعية في القرن ال20". دخلت القيادة التركية في نوبة من الجنون الجماعي مليئة بالاستنكارات والشجب: سحبت أنقرة ممثلها لدى الكرسي الرسولي وطالبت بتفسير من سفير الفاتيكان في تركيا.

قاد أردوغان الهجوم، بشن هجومٍ عنيفٍ على البابا كما لو كان سياسيا رخيصا. فقال أردوغان "لن نسمح للحوادث التاريخية بأن يتم إخراجها من سياقها الحقيقي واستخدامها كأداة للقيام بحملة ضد بلدنا." وأضاف "عندما يتولى السياسيين ورجال الدين عمل المؤرخين، فما ينتج لا يكون الحقيقة، بل محض هراء، مثلما حدث اليوم. إنني أدين البابا، وأود أن أحذره من ارتكاب أخطاءٍ مشابهة مرةً أخرى."

هذه التعليقات مفيدة سياسيا لأردوغان وحزب العدالة والتنمية قبل ستة أسابيع من الانتخابات العامة. فالناخبون الأتراك غارقون في شعورٍ عميق من عدم الثقة في الأجانب يعود تاريخه إلى نهاية الحرب العالمية الأولى والمحاولة اليونانية-الفرنسية-الإيطالية لتقسيم الأناضول، لذا فهم يميلون إلى الاستجابة جيدا للقومية التي لا تقبل التنازلات. ورغم ذلك، فرد فعل أردوغان يهدف إلى ما هو أعمق من مجرد المناورات السياسية: إنه يعكس كونه زعيمًا يتمتع بشعور بالأهمية الشخصية يجعله مستعدا لانتقاد وتحقير من ينقده، ويعزز حقيقة أن تركيا – بعد عقدٍ من الزمن تقريبا من تلقي دعوةٍ للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي – تبدو أقل شبها بالديمقراطيات الأوروبية، وأكثر شبها بديكتاتوريات الرجل الواحد في الشرق الأوسط.

كان هناك وقت، ليس منذ فترة طويلة، عندما بدا أن أردوغان هو أول زعيم تركي على استعداد للتعامل مع الإبادة الجماعية للأرمن. في عام 2014، اعتذر بالفعل عن مقتل الأرمن، لكنه لم يصل إلى حد الاعتراف بالابادة الجماعية. وبينما اتهم النقاد دعوة الحكومة التركية الدائمة لتشكيل "لجنة تاريخ مشتركة" لدراسة المسألة بشكل أعمق بأنها ليست أكثر بكثير من مراوغةٍ بارعة، فهي ليست مخادعة كما تبدو.

تحت حكم حزب العدالة والتنمية، كان هناك أيضا جهد بطيء وحذر بين بعض الأتراك للتصالح مع الإبادة الجماعية. لم ترع الحكومة هذه المناقشات التي جرت على نطاقٍ ضيق، ولكنها أيضا لم تتدخل فيها. صحيح أن أردوغان عارض الانفتاح مع أرمينيا عام 2009 الذي رعاه عبد الله جول، الرئيس آنذاك، ولكن منع مصالحة أنقرة-يريفان كانت له علاقة بالجغرافيا السياسية أكثر من أي شيء آخر.

إلا أن هذه الرغبة المبدئية لطرح القضايا الصعبة في الماضي قد اختفت. والسبب هو انتخابات يونيو التي تحمل الكثير من المخاطرة: أردوغان لا يريد أن يتنازل عن أي أرضية لحزب الحركة القومية اليميني – الذي يتشارك مع حزب العدالة والتنمية في جمهور الناخبين. وهو يأمل أن يعيد الناخبين أغلبيةً كافية لحزب العدالة والتنمية في البرلمان لوضع دستور جديد من شأنه أن يحول تركيا إلى نظام رئاسي دون الحاجة إلى اللجوء إلى استفتاءٍ وطني. ومن شأن هذا النظام أن يركز كل السلطات التنفيذية في يد الرئاسة – وبعبارةٍ أخرى، في يد اردوغان. في هذا السياق، فمن المرجح أن الإبادة الجماعية للأرمن مسألة شائكة جدا لا تتحمل التعامل معها الآن.

سوف يعزز النظام الرئاسي فقط من غرور أردوغان. فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أصبح من الواضح أن الزعيم التركي يعتقد أنه هو وحده الذي يفهم السياسة التركية، وهو وحده الذي يفهم الاقتصاد، وهو وحده الذي يعلم ما هو الأفضل بالنسبة لتركيا. الأهم من ذلك، الرئيس التركي يعتبر نفسه الزعيم الطليعي للنزعة الأخلاقية والقيم الإسلامية. ولذلك ألقى محاضرة للآباء الأتراك حول شرور المهاجع المختلطة في الجامعات، وكثيرا ما جادل حول دور المرأة (وجهات نظره ليست شديدة التقدمية)، وأثار ضجة حول الحقوق الإنجابية.

إن غطرسة أردوغان الأخلاقية ليست دائما سيئة. فقد أدى إحساسه العميق بالتضامن الإسلامي إلى قيام تركيا بأعمال إغاثة في الصومال في الوقت الذي تجاهلت فيه بلدان أخرى ذلك البلد. لقد كان ثابتا في غضبه إزاء الوضع الانساني في سوريا وانتقد مرارا الإسرائيليين للتجاوزات في قطاع غزة. قد يقول مشكك إن رفعه لقبضته في غضب أمام إسرائيل هي ببساطة سياسة جيدة للرجل الذي يؤمن أتباعه أنه "ملك الشارع العربي"، ولكن رعاية أنقرة لما يقرب من 1.8 مليون لاجئ سوري على الاراضي التركية ينبغي أيضا أن يخجل الدول الأخرى لعدم قيامها بدورها.

إلا إن رئيس تركيا غير متسق في توجيهه لغضبه الأخلاقي. لقد كان أردوغان هو الذي دافع عن الدكتاتور السوداني عمر البشير، في عام 2009، مدعيا أنه لا يمكن أن يكون هناك إبادة جماعية في دارفور لأن المسلمين لا يقومون بإبادةٍ جماعية. كما ساهم نهجه تجاه سوريا، الذي شهد استخدام المقاتلين الأجانب لتركيا كقاعدةٍ خلفية، بالتأكيد في حدوث كارثة إنسانية بشعة هناك، وموقفه من قطاع غزة ليس أكثر كثيرا من طلبٍ للمفاخرة. وفي الوقت نفسه، في الداخل قام بحبس الصحفيين، وبفرض قيودًا على وسائل التواصل الاجتماعي عدة مرات، وأطلق العنان لقوة الشرطة الوحشية ضد خصومه.

ولكن لا يسجل جمهور أردوغان أيا من هذه الأخطاء، الذين يقبل بفكرة أن الرئيس يخوض معركةً ضد نوايا "دولةٍ موازية" تهدف إلى تقويض ازدهار تركيا وهيبتها. وتشمل هذه القوى الشائنة المصرفيين الدوليين، والصهاينة، ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وأتباع فتح الله غولن الذي تحول من حليفٍ إلى عدو – والآن قد أضيف إليهم البابا فرانسيس.

إن عجز أردوغان عن تحمل النقد، وشنه هجومًا عنيفًا على المعارضين – سواء كان ذلك حقيقيًا أو متوهمًا – وحالة السخط الورع التي يبدو أنها دائمة لديه، هم جزء لا يتجزأ من سلطته المتراكمة. وبسبب كونه – كما هو الآن- محاطًا بأناس يخشونه وغيرهم ممن يمكنون جنون عظمته، ستصبح انفعالاته مثل تلك التي وجهها إلى البابا فرانسيس أكثر شيوعا. وبدلا من التصالح مع التاريخ المظلم للإبادة الجماعية، فقد اختار هو وبقية الطبقة السياسية في تركيا أن يهاجمون. ومع كل استجابةٍ حادة، يقلل أردوغان من شأنه ومن شأن تركيا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب