من جديد: كيف يدفن اليمن القوى الأجنبية؟

مقال رأي

في استجابةٍ لنداءات رئيس اليمن المعزول عبد ربه منصور هادي، وبسبب القلق من حالة الشك التي قد يخلفها وجود حكومة يقودها الحوثيون، أعلنت المملكة العربية السعودية بداية حملة قصف ضد القبائل المتحالفة مع حركة الحوثيين.

وبينما يزداد عدد المشاركين في التحالف الذي تقوده السعودية ليشمل مصر والأردن والكويت وحتى الولايات المتحدة وتركيا، لا يسع المرء سوى أن يسمع أصداء التدخل الدولي في الحرب الأهلية اليمنية عام 1962.

لمدة ست سنوات في أعقاب الإطاحة بالإمام اليمني الأخير محمد البدر في عام 1962، علقت البلاد في حرب أهلية دامية بين الجمهورية التي أنشئت حديثا وتحالف من القبائل اليمنية الشمالية، ومنها العديد من القبائل نفسها التي تشكل حركة الحوثيين اليوم. عندما ناشدت الجمهورية اليمنية المحاصرة للحصول على الدعم الأجنبي، لبى دعوتها عشرات الدول والمنظمات الدولية الذين كانوا على استعداد للمساعدة إما مباشرة بالسلاح والتمويل، أو من خلال الأمم المتحدة.

وقبل عقود من صعود المملكة العربية السعودية وثروتها النفطية لتصبح زعيما إقليميا، كان ولاء العالم العربي بجانب مصر، البلد الأكثر سكانا في منطقة الشرق الأوسط. كان هذا صحيحا بشكل خاص خلال فترة رئاسة جمال عبد الناصر، رمز حركة القوميين العرب خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين. أعلن ناصر التزامه الذي لا يتزعزع بمساعدة هذه الجمهورية التي لم تختبر، قائدا الدعم الأجنبي ومتلاعبا بالسياسة اليمنية لمصلحته الخاصة.

بينما تلقى الإمام والقبائل المناصرة له الدعم من قبل القادة السعوديين الذين كانوا ينظرون وقتها إلى القومية العربية التي يمثلها عبد الناصر باعتبارها أكبر تهديد لملكيتهم. وبدعمٍ من المملكة العربية السعودية ومجموعة صغيرة من المرتزقة البريطانيين والفرنسيين، كان الإمام قادرا على شن حرب عصابات ناجحة جدا ضد الجيش المصري المحتشد والمجهز تجهيزا جيدا. كان ناصر يخطط في البداية لإرسال كتيبة من بضع مئات من الجنود فقط لدعم الثورة. ولكن مع ذروة الحرب ضد القبائل الشمالية في عام 1965، بلغ هذا العدد 70,000 جندي، أي ما يقرب من ثلث الجيش المصري.

إلا أن الجيش المصري كان مدربا على القتال في الصحراء وغير مستعد للتضاريس الجبلية في شمال اليمن. وربما باستثناء تضاريس أفغانستان وشتاء روسيا، فجبال اليمن هي أعظم دفاع طبيعي ضد الجيوش الغازية. ومن الناحية الأخرى فقد تمتع رجال القبائل بميزة كبيرة، وهي اعتياد هذه التضاريس الصعبة، وكانوا قادرين على انزال خسائر بالقوافل المصرية بطريقة شديدة الوحشية - قاطعين رؤوس ضحاياهم في كثيرٍ من الأحيان.

أدت صعوبات خوض حرب برية في شمال اليمن بالجيش المصري إلى الاعتماد بشكل متزايد على قدراته المدفعية بعيدة المدى وقواته الجوية المجهزة بطائرات مقاتلة من طراز ميج وقاذفات قنابل اليوشن السوفيتية. شنت القوات الجوية المصرية غاراتٍ يومية على القرى اليمنية الموالية للإمام وعلى طول الحدود اليمنية مع المملكة العربية السعودية، والتي كانت نقطة عبور للذخائر والإمدادات إلى قوات الإمام.

كانت حملة القصف غير فعالة من وجهة نظر عسكرية، حيث أن رجال القبائل كانوا مدربين على الاحتماء عند سماعهم صوت طائرة تقترب، حاملين أسلحتهم الخفيفة معهم. ونفس التضاريس الجبلية التي مثلت عائقا أمام القوات البرية، وفرت أيضا ملاذا للرجال القبائل المحلية في شكل كهوف كبيرة ومخفية جيدا، خدمت كمقرات مؤقتة على مدى عملية حرب العصابات بأكملها.

مع ازدياد الخسائر المصرية في عام 1966، تراجع ناصر إلى تشكيل مثلث دفاعي محيط بالمدن الثلاث الرئيسية: صنعاء وتعز والحديدة. تم تصعيد حملة القصف، وفقط في هذه المرحلة بدأت القاهرة استعمال قنابل الغاز السام لاستهداف قواعد الإمام في الكهوف، حيث إن الغاز يمكن أن يتسرب إلى الكهف ويستهدف أولئك الذين يبحثون عن مأوى داخل جدرانه. تناقص الحلفاء الداعمين للقبائل الشمالية الموالية للإمام ضمن المجتمع الدولي، وحتى المملكة العربية السعودية، حليفها الرئيسي، بدأت تبحث عن بدائل سياسية في البلاد. وفهم ناصر أنه من دون حلفاءٍ دوليين، فإن الإمام بدر لن يكون قادرا على قيادة تحدٍ ناجح ضد هجمات الغاز السام المصرية.

أحدثت حملة القصف المصرية تأثيرا غير مقصود على السياسة القبلية في اليمن، حيث زادت من شعبية ودعم الإمام البدر، الذي كان ينظر إليه على أنه المدافع عن بلاده ضد الغزاة الأجانب. على الرغم من أن الهجمات بالغاز استمرت حتى أغسطس عام 1968، فقد استخدمت فقط للتغطية على الانسحاب المصري بعدما اضطر ناصر للاعتراف بالهزيمة بعد حرب يونيو 1967 مع إسرائيل وسحب القوات المصرية من اليمن. وبعد سلسلة من التسويات السياسية في عام 1970، وافق رجال القبائل الشمالية وأنصار الجمهورية على تشكيل حكومة ائتلافية استمرت بشكلٍ ما حتى اليوم.

بالنسبة لليمنيين المسنين الذين قد يذكرون الغارات الجوية المصرية في الستينات، فحملة القصف التي يقودها التحالف السعودي الحالي تردد بالتأكيد صدىً لفترة مظلمة جدا في التاريخ اليمني المعاصر. إلا أن أصداء ست سنوات من الحملة المصرية الفاشلة في اليمن يبدو أنها لم تصل إلى مسامع المملكة العربية السعودية وتحالفها الذي يشمل الحلفاء العرب والغربيين. تواجه نفس القبائل الشمالية مرة أخرى الجمهورية اليمنية التي همشت سكانها على مدى عقود، دافعة إياهم إلى هامش السياسة الداخلية. يمكن بالتأكيد النظر للهجوم الحوثي المستمر على أنه محاولة لإعادة البلاد إلى نموذج ادارة ما قبل عام 1962 الذي تهيمن عليها قبائل المرتفعات الشمالية لليمن. إلا أنه هذه المرة، يبدو أن فلول الجمهورية قد هربوا بالفعل من البلاد، ولم يتركوا سوى القليل من البدائل السياسية لحركة الحوثيين.

أدت الشائعات والأدلة الظرفية على إن الايرانيين يدعمون الحوثيين إلى قدر كبير من الخوف السعودي على أمن حدودهم الجنوبية. كان السعوديون بالفعل يمولون جهود الحكومة اليمنية لإخضاع الحوثيين منذ بدء الاشتباكات المسلحة في عام 2004. لذا فحملة القصف الحالية هي مجرد المرحلة التالية في الحملة السعودية لتأمين حدودها الجنوبية التي يسهل اختراقها ضد رجال القبائل اليمنية المعادين.

لا يأخذ التحالف السعودي في الاعتبار العبرة من حملة القصف المصري الفاشلة خلال الستينيات. يستمر المقاتلون الحوثيون في الاحتماء بنظام الكهوف نفسه. ومع كل قنبلةٍ تسقط، يزداد تعاطف السكان اليمنيين مع حركة الحوثيين، الذيت يظهرون وكأنهم المدافعين الأبطال عن اليمن ضد عناصر أجنبية تتطلع لتدمير البلاد. ومع إعلان كلٍ من السعودية ومصر عزمهما إرسال قوات برية إلى المرتفعات الشمالية، يبدو أن كلا البلدين يلعبان بالنار ويتجاهلان تاريخهم الخاص من التدخلات العسكرية الفاشلة في اليمن.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب