مواجهة الموت بالرقص

مقال رأي

أصبح المشهد مألوفا بشكلٍ مروع. رجل متدثر من رأسه إلى أخمص قدميه برداء أسود، مسلح بسكين، ويقف وراء طابور من السجناء الرابضين. مصحوبا بأحد الأناشيد الجهادية في الخلفية، يتحول المشهد إلى الحركة البطيئة ويقترب مقاتل تنظيم الدولة الإسلامية من السجناء.

"إذن، ما لونه؟" يصيح المقاتل، مظهرا للسجناء الصورة الشهيرة للفستان الذي أثار جدلا واسعا مؤخرا حول العالم.

"أبيض وذهبي" يرد الرجل الأول. ومع تقدم الرجل المتشح بالسواد بطول الخط، يردد السجين التالي المرتعد نفس الإجابة. إلا أن السجين الثالث يخرج عن النص: "أسود وأزرق"، فيؤخذ بعيدا لتقطع رأسه – ليجد أن منفذ الإعدام قد غير رأيه بشأن لون الفستان.

ما يبدو كمقطع فيديو احترافي يمكن أن يكون من إنتاج تنظيم الدولة الإسلامية هو في الحقيقة فيديو ساخر من عمل ثلاثة فلسطينيين في قطاع غزة. لقى المقطع نجاحا كبيرا، حيث حقق سريعا أكثر من 2 مليون مشاهدة.

تشجع محمد حامد، أحد صانعي المقطع، في البداية إثر النجاح الذي حققه. ولكنه وصل سريعا إلى جمهور لم يقدر المزحة، حيث قال حماد إنه قد وصلته تهديدات له ولأصدقائه ولعائلته من مناصرين للتنظيم، ادعى بعضهم أنهم في غزة.

"كنت أعلم أن هناك داعمين للتنظيم هنا في غزة، ولكنني لم أظن أن ردة فعلهم ستصل إلى التهديدات المباشرة" قال حامد، مقرا بأنه بدأ حاليا الخوف على عائلته وأنه يبحث عن وسيلة للخروج من قطاع غزة.

يمثل الخوف أحد أهم أسلحة تنظيم الدولة الإسلامية. فقد أدت وحشية التنظيم المنظمة بحذر، في سوريا والعراق، إلى كسر الروح المعنوية لخصومه، ما أدى لشعور الكثيرين بأن خيارهم الوحيد يتراوح بين ركوب الموجة أو الخضوع لقوتها الساحقة. أصيبت مصر بصدمة إثر إعدام التنظيم جماعيا لـ21 قبطيا مصريا بليبيا، بينما أودت تفجيرات انتحارية متزامنة بمسجدين شيعيين بالعاصمة اليمنية صنعاء في مارس، والتي أعلن تنظيم تابع للدولة الإسلامية مسؤوليته عنها، بحياة أكثر من 140 شخص وعجل بانزلاق البلاد إلى الفوضى.

ولكن العرب يردون، بالضحك. مع تخييم ظلال الدولة الإسلامية على دولة وراء الأخرى، يوجه عدد لا يحصى، على ما يبدو، من الساخرين العرب ألسنتهم وأقلامهم الحادة تجاه التنظيم.

مواجهة الموت بالرقص

عُرف المصريون طويلا بأنهم أساتذة العرب في الكوميديا. وكما هو متوقع، نجحوا في تحويل أقوى أناشيد التنظيم ضده.

يعتبر نشيد "صليل الصوارم" نشيدا صوتيا تماما، بما أن الموسيقى الصادرة عن الآلات الموسيقية محرمة وفق التفسير المتشدد من الإسلام الذي يتبناه التنظيم. إنه سلس وإحترافي تماما كحال جميع المنتجات الإعلامية الأخرى للدولة الإسلامية، وكان عاملا رئيسيا في تقوية جاذبية التنظيم. ساعدت رسالة النشيد المؤرقة عن الشهادة والنضال العنيف في تجنيد الشباب لصالح التنظيم من جميع أنحاء العالم وعلى نحو غير مسبوق.

إلا أنه على يد المصري المهووس بالكمبيوتر والموسيقي المبتدئ كريم فاروق، ذو الثمانية عشر عاما، أصبح النشيد الجهادي الآن أغنية راقصة لاقت نجاحا كبيرا.

"انتشر صليل الصوارم بشدة وعلق بذهني أيضا، بسبب لحنه الجيد" اعترف فاروق. "لذلك أردت تحويله إلى أداة للسخرية من التنظيم. ونجحت في تحويله تماما، من الموت والعنف إلى الرقص".

وبذلك يصبح الاستماع إلى نسخته المعدلة من الأغنية فعلا يمثل تحديا فيما يراه فاروق كحربٍ نفسية.

حفز إصدار فاروق اتجاها دفع الشباب العربي لإنتاج إصدارات ساخرة من التنظيم باستخدام نسخة فاروق من "صليل الصوارم" و النسخ المشابهة لها. استخدم النشيد مع مقاطع راقصة من أفلام مصرية ومقاطع فيديو منزلية الصنع من الرقص الأبله، بل ومع مقطع الرقص الخاص بالأغنية الكورية الجنوبية "جانجام ستايل". كما انتشرت بشدة مقاطع الفيديو التي تجمع بين النشيد ومقاطع للرقص الشرقي، وحصلت على مئات الآلاف من المشاهدات. يظهر مقطع آخر منزلي الصنع ثلاث سيدات محجبات، ترتدي اثنتان منهن أزياءً سوداء بينما تستعدان لقطع رأس الثالثة – ومع أول صرخة "الله أكبر"، تبدأ الطبول المشجعة على الرقص وتشرع السيدات في رقص جامح.

يبدو أن الحاجة للسخرية من التنظيم عالمية، فالمحاكاة الساخرة له صدرت من جميع أنحاء العالم. وفي ضوء حب الإنترنت للقطط، يجب ألا يكون مفاجئا أن شخصية ما مجهولة قد جمعت مقاطع فيديو لقطط تفشل فشلا ذريعا في القفز من مكان لآخر، بالتزامن مع "صليل الصوارم".

رقص الخليفة

المحاكاة الساخرة التي يصنعها المسلمون قوية بشكل خاص، بما أنها تمزق زعم الدولة الإسلامية بأنها تتحدث باسم الدين كله. يتضح المثال الرئيسي لذلك في خالد صبيح، كاتب الأغنيات الرئيسي في الفرقة الغنائية اللبنانية الساخرة "الراحل الكبير". يسعى صبيح، عندما لا يلعب الموسيقى، للحصول على درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية من الفرع اللبناني لجامعة الأزهر، المؤسسة الإسلامية التعليمية الأبرز حول العالم.

عندما سيطر مقاتلو الدولة الإسلامية والقاعدة بشكلٍ مؤقت على بلدة لبنانية حدودية الصيف الماضي، متسببين فيما أطلق عليه خالد "صدمة وطنية"، حقق فريقه الغنائي نجاحا في بيروت بسبب أغنية صبيح الجذابة التي تسخر من الإشادة بقائد داعش الذي نصب نفسه خليفة، أبو بكر البغدادي.

يستخدم صبيح في الأغنية مراجع إسلامية وموسيقى تقليدية للسخرية من التنظيم الجهادي، حيث يردد الفريق: "وعشان الإسلام رحمة، راح ندبح ونوزع لحمة"، في إشارة إلى العادة الإسلامية المشتملة على ذبح الخراف وتوزيع لحومها على الفقراء في عيد الأضحى الإسلامي.

يرى صبيح التطرف الإسلامي ناتجا عن الاضطهاد السياسي الذي يجب محاربته بالحرية والإصلاح. "في أغنيتنا الساخرة، نحن لا نقصد المسلمين بالكامل بل نقصد المتطرفين، وقد سمح لنا ذلك بالوصول للكثيرين" يقول صبيح. "حتى أنني تلقيت رسائل من مقاتلين متمردين سوريين، ومنهم إسلاميين، يعربون عن إعجابهم بالأغنية".

يقال أحيانا أن السخرية سلاح العاجز. وبالنسبة للفنانين من أمثال صبيح، تترك تلك الرسالة انطباعا حقيقيا، حيث يعتقد صبيح أن سبل المشاركة السياسية الحقيقية في العالم العربي محدودة، ما دفعه في النهاية نحو السخرية عندما أدرك أن الحجج الجادة حول كيفية إصلاح منطقته قد خذلته.

"في ضوء الجنون والحالة السريالية التي وصلت إليها الأوضاع، لم أعد أستطع تناول المشكلات السياسية بشكل جاد" قال صبيح. "فكيف يمكننا المناقشة بجدية حينما يمكن لشخص مثل معمر القذافي أن يحكم دولة؟"

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب