نزيف في اليمن: الأزمة الإنسانية الوشيكة

مقال رأي

بدأت حملة القصف التي تقودها السعودية في اليمن بدايةً مروعة، على الأقل عندما يتعلق الأمر بعدد القتلى من المدنيين. خلال الأسبوع الأول من العمليات العسكرية ضد مقاتلي الحوثيين، قصفت الطائرات الحربية للتحالف العربي المناطق المكتظة بالسكان في العاصمة صنعاء، ومراكز مدنية أخرى. توفي في الضربات عشرات المدنيين، بينهم أطفال. ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، لقى 643 شخصا مصرعهم منذ بداية الصراع وأصيب 2226 على مدى القتال. وفي الوقت نفسه، لم تجد هيومن رايتس ووتش، التي نعمل فيها، أي دليل على وجود أهداف عسكرية يمكنها أن تبرر الخسائر الفادحة التي خلفها قصف 30 مارس على مخيم معروف للنازحين في المزراق (شمال اليمن)، حيث قتل 29 مدنيا وجرح 41 ، بينهم 14 طفلا و 11 امرأة.

عندما أعلنت الولايات المتحدة أنها ستقدم الدعم اللوجستي والاستخباراتي لعملية عاصفة الحزم، أصبحت مرتبطة بالحرب. اعتمادا على تفسيراتٍ للقانون الدولي، فإنها قد يكون عليها التزامات قانونية لتقليل الضرر اللاحق بالمدنيين بموجب قوانين الحرب. ولكن حتى لو لم يحدث ذلك، فقربها من الحملة يجب أن يكون حافزا كافيا لدفع التحالف إلى إعادة التفكير في تكتيكاته.

 

 

 

 

 

 

 

 

ملعب بعد تدميره في غارة جوية في مدينة إب بوسط اليمن، 13 أبريل 2015. (رويترز)

المخاطر كبيرة، وذلك لأنه من المؤكد أن الوضع الإنساني سيزداد سوءا. وقد حددت اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجود عقبات منذ اليوم الأول، بما في ذلك عدم وجود ضمانات أمنية، مما حال دون وصول مساعدة طبية عاجلة إلى المدنيين. في الأيام القليلة الماضية، وصلت بعض شحنات المساعدات إلى للبلاد، ولكن ذلك لا يكاد يكفي لمواجهة هذه الأزمة الإنسانية التي تزداد تعقيدا. مستقبلا، سوف يكون على جميع أطراف النزاع أن يكونوا أكثر جدية حول التزامهم بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

ومما ينذر بالسوء، أن بعضا من أعضاء التحالف العربي لهم سجلات سيئة في الالتزام بقوانين الحرب. هناك أدلة موثوق بها أن المملكة العربية السعودية قد استخدمت الذخائر العنقودية في اليمن خلال الغارات الجوية التي شنتها عام 2009 ضد قوات الحوثيين، مخلفةً وراءها ذخائر صغيرة غير منفجرة تظل قاتلةً لسنوات. وفي الوقت نفسه، فقوات السودان، وهي جزءٌ من التحالف، ترتكب منذ سنوات فظائع في دارفور وأماكن أخرى، مما أدى إلى صدور مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس البلاد بتهمة الإبادة الجماعية.

حتى الآن، تباطأ أعضاء التحالف في معالجة المسائل الإنسانية. ولم يعد المتحدثون باسم التحالف علنا ​​بتسهيل وصول المساعدات الطبية أو ضمان حركة آمنة للمدنيين. وعند سؤالهم، لم يوفروا أساسا قانونيا ذا مصداقية لقصف مخيم المشردين. واكتفى مسؤول عسكري سعودي بأن يقول "يمكن أن تكون المقاتلات قد ردت على إطلاقٍ للنار،" دون تقديم أي دليل يدعم ادعاءه.

أما الحوثيون، الذين يسيطرون على جزءٍ كبير من شمال اليمن منذ سبتمبر عام 2014، فلديهم أيضا سجلٍ سيء فيما يتعلق بأمن المدنيين. واصلت الحركة تجنيد الأطفال، كما أن مقاتلي المتمردين الذين يسيطرون على المناطق الحضرية سرعان ما يحولون بنادقهم في اتجاه المتظاهرين. في اليوم الأول من الغارات الجوية، لاحظت هيومن رايتس ووتش قواتٍ للحوثيين تطلق الاسلحة المضادة للطائرات من حيٍ سكني، مما يعرض السكان المحليين للخطر.

وفي الوقت نفسه، فتنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب – وهو خصمٌ قديم للحوثيين- قد استغل الفوضى في جنوب اليمن للاستيلاء على بلدة المكلا الساحلية. في السنوات الأخيرة، ارتكبت القاعدة في جزيرة العرب هجمات عشوائية عديدة قتل وجرح فيها مدنيين. وقد اعترف أيضا بتجنيد ونشر جنود أطفال.

فيما يخص الولايات المتحدة، فعلى الرغم من أنها ليست عضوا في التحالف إلا أن دعمها للتحالف قد يجعلها طرفا في النزاع بموجب القانون الدولي. في الاسبوع الماضي قال مسؤول عسكري كبير لم يكشف عن اسمه لوكالة فرانس برس إن الولايات المتحدة عرضت توفير التزود بالوقود الجوي لطائرات التحالف خارج المجال الجوي اليمني، وكذلك توفير المعلومات الاستخباراتية عن مواقع قوات الحوثيين، ولكن دون "تزويدهم بمعلومات استهداف."

إذن فالولايات المتحدة تشارك بالفعل بشكل مباشر في القصف، عن طريق إعادة تزويد الطائرات الحربية بالوقود خلال عمليات القصف، لذا فستكون ملزمةً بتقليل الضرر اللاحق بالمدنيين، ويمكن أن تجد نفسها تشارك في تحمل مسؤولية انتهاكات التحالف. وبغض النظر عن أي التزامات قانونية، فمن المنطقي بالنسبة للولايات المتحدة أن تضغط على أعضاء التحالف للوفاء بالتزاماتهم بالتقيد بقوانين الحرب، ومن ضمنها ألا يهاجموا سوى أهدافا عسكرية مشروعة وإعطاء المدنيين إنذارا مسبقا فعالا عندما يكون ذلك ممكنا. إذا لم يحدث ذلك، فسوف تشترك معهم في تحمل وصمة تلحق بسياستها وسمعتها فيما يتعلق بالعمليات العسكرية التي تجلب المصائب على المدنيين. لمنع مثل هذا التصور، ينبغي على الولايات المتحدة أن تدين الانتهاكات الواضحة عندما تحدث – وهو أمر فشلت واشنطن في القيام به بعد قصف مخيم المزراق- كما يجب أن تضغط لفتح تحقيقات نزيهة.

يجب على واشنطن أيضا أن توضح أنها لن تقدم مساعدات عسكرية إلى أي عضو من أعضاء التحالف كان مسؤولا عن انتهاكات واسعة النطاق أو منهجية، مثل السودان، أو ستواجه مرة أخرى خطر اتهامها بازدواجية المعايير. وأخيرا، يجب على حكومة الولايات المتحدة، التي قدمت القنابل العنقودية في الماضي للمملكة العربية السعودية، حث الرياض على عدم استخدامها أو استخدام غيرها من الأسلحة غير القانونية الأخرى، مثل الألغام الأرضية المضادة للأفراد.

 

 

 

 

 

 

 

 

فتاة تجلس أمام والدتها التي تنام على الرصيف في شارع في صنعاء، 11 أبريل 2015. (محمد السياغي / رويترز)

من المهم بالنسبة لواشنطن أن تدرك أن تقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين في اليمن ليس فقط التزاما قانونيا على دول التحالف ولكنه عنصرٌ حاسم للوصول لهدفها المزعوم في مكافحة الجماعات الاسلامية المتشددة مثل القاعدة في جزيرة العرب، التي يعزز من دعمها الشعبي الانتهاكات التي يلاحظ قيام الغربيين وحلفائهم بها. ليس هناك من ينكر أنه فيما يخص المدنيين فإن العمليات قد بدأت بدايةً خاطئة. ولكن لم يفت الأوان بعد لاصلاح الامور، ويمكن أن تكون الولايات المتحدة من يقوم بذلك.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب