هل إيران تتجاوز طاقتها في سوريا؟

مقال رأي

 

تمثّل سوريا، بالنسبة إلى أغلبية العرب، كل ما هو سيء في التأثير الإيراني في الشرق الأوسط. منذ عام 2011، قامت طهران وحلفاؤها المحليين بصب الرجال والأموال والأسلحة إلى داخل سوريا لمنع هزيمة الرئيس بشار الأسد. في يونيو 2013، قلب تدخل حزب الله وحده، في بلدة قصير، تيار الحرب لصالح الأسد.

إن مصالح إيران في سوريا كبيرة. توجد ثلاث أولويات طاغية تقود سياستها: الدفاع عن مسار أسلحة حزب الله عبر سوريا والتأكد، على المدى الطويل، من أن البلد لن تصبح منصّة لمهاجمة الحركة اللبنانية الشيعية؛ القتال ضدّ المحور الإقليمي الذي تقوده السعودية والذي يهدف إلى احتواء القوة الجيوسياسية الصاعدة لإيران؛ لدعم حليف قديم -  يتحدث بعض المسؤولين في إيران عن رد الدين القديم الذي يدينون به للرئيس السوري السابق، حافظ الأسد، لدعمه إيران في حرب الثماني سنوات ضدّ العراق. تخشى إيران، في حال خسارة الأسد للسلطة، من أنانهيار النظام السوري قد يمكن من صعود تحالف سُني متطرّف مضادّ للشيعة ولإيران ولحزب الله.

في المنافسات بين المحور الذي تقوده إيران والتحالف الذي تقوده السعودية من الصعب أن نرى كيف يمكن لصفقة نووية أن تغير ديناميكيات الصراع السوري. مع أن جميع اللاعبين الإقليميين يتحدثون بلا فعل عن الاحتياج لحل سياسي في سوريا إلا أنه ليس هناك منهم من هو على استعداد للتخلي عن مواقفه الكبيرة. في غياب أي حل دبلوماسي، تتتبع إيران وتركيا وقطر والسعودية استراتيجيات عسكرية تهدف إلى إمالة كفّة الميزان في صالح وكلائهم.

عادت قوات النظام السوري للوقوف على قدميها مع معانتها من خسائر جسيمة على يد تحالف الثوار الإسلاميين، في مقاطعة إدلب، في الشمال، ومعبر الحدود السورية الأردنية، في نصيب، إلى الجنوب. مع ذلك فإن الاستثمارات العسكرية والمالية في سوريا قد أتت ثمارها: لا يزال الأسد في السلطة بالرغم من أربع سنوات من الحرب الأهلية التي تركت آثارها، ويتحدث حلفاؤه الإقليميون عن موجة الحرب التي حولت مسارها لصالح دمشق، ويتفاخرون بحقيقة أن الولايات المتحدة تحولت لتبني تهديداتهم حول الأولويات في سوريا – وهو القبول بأن المعركة يجب أن تتركز ضدّ الدولة الإسلامية وليس الأسد. لكن ذلك كله لا يسير بشكل جيد بالنسبة إلى إيران وسوريا. تواجه طهران حالة كلاسيكية من الهلع من التوسع.

إنها مجبرة على الالتزام بموارد عسكرية ومالية أكبر في سوريا مما يسقطها بشكل أعمق في المستنقع السوري بلا استراتيجة خروج واضحة. بعد أربع سنوات من الحرب، قوات الأسد منهكة والقاعدة العلوية للنظام محبطة والاقتصاد السوري في حالة سقوط حر. بالنسبة إلى طهران، يعني هذا دعمًا عسكريًا مستدامًا من قِبَل قوات الحرس الثوري (IRGC) وحزب الله والمليشيات العراقية ومد خطوط أكثر من المعونات لدمشق.

في نفس الوقت، إن المجهودات العسكرية الإيرانية لمساعدة الأسد قد تزداد صعوبة في الأيام القادمة. إن منافسيها الإقليميين - بقيادة السعودية وقطر وتركيا - وصلوا إلى تفاهم جديد لتنظيم تعاونهم في سوريا واليمن. المكاسب الحديثة للثوار في سوريا هي أول إنتاج لهذا التعاون الجديد. العملية العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن حتى وإن كانت ناجحة بشكل طفيف على المدى القريب إلا أنها قد تمهد الطريق لعمليات مماثلة تستهدف الأسد. وهذا هو السبب في أن إيران تريد أن ترى البلد تتحول إلى جرح متقيح يستنزف السعودية ووكلائها الإقليميين.

لكن من الصعب أن ترى على المدى القصير والمتوسط كيف ستشفي إيران جرحها المتقيح في سوريا. على عكس الوضع في العراق حيث كان لطهران كادرًا من السياسيين الشيعة العراقيين من الممكن أن يحلوا محل نوري المالكي كرئيس للوزراء عندما يصبح ثمن مساندته باهظًا جدًا، ليس لديها هذا الاختيار في سوريا. وحتى هذا الوقت ليس لدى إيران بديلًا مقبولًا عن الأسد.

لا وجود لضغط من الأسفل داخل إيران لدفع قيادات الجمهورية الإسلامية نحو إعادة فحص سياستهم في سوريا. لا يزال الضحايا الإيرانيين في سوريا، والذين يقدّر عددهم بالمئات، محتملين. المعلومات حول التكلفة المالية للحرب في سوريا ليست متوفرة للجمهور الإيراني. لا توجد أيضًا أدلة عن جدل داخلي إيراني حول المستنقع في سوريا: المعسكر المعتدل بقيادة الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية، جواد ظريف، لم تقف في موقف مختلف عن المتشددين بدلًا من ذلك فضلوا استخدام رأس مالهم السياسي من أجل الوصول إلى اتفاقية نووية مع القوى العالمية.

في تجمُّع غير مسجّل مع مسؤولين إيرانيين، في أكتوبر الماضي، كان التوجه الذي سمعته حول سوريا من ممثل المعسكر "المعتدل" ليس معتدلًا ولا موائمًا. كان نفس التوجه الذي يدعمه المتشددون الإيرانيون: تم اختطاف الانتفاضة السورية من قِبَل الراديكالين الجهاديين من البداية وقد ربح الأسد استحقاقًت انتخابيًا ولن يذهب لأي مكان والأولوية في سوريا يجب أن تكون لمحاربة الإرهاب وليس لدفع الأسد عن الحكم.

تدمر هذه الحجة المنهكة سمعة إيران في العالم العربي. يذكر التعداد اليومي من الأطفال الذين تقتلهم براميل قنابل الأسد بتواطؤ إيران في سفك الدماء العربية. بينما تأتي إيران من الظلام لمعاودة الانضمام إلى المجتمع الدولي فإنها تواجه اختيارًا حول الطريقة المثالية لبثّ تأثيرها في جوارها المباشر.

ادّعى زعيم حزب الله، حسن نصر الله، مؤخرًا أن "حرب (الثوار) على سوريا فشلت بسبب ثبات القيادة (السورية) والجيش". قد يتمنى أن يكون هذا هو الحال، لكن، على العكس، الصراع السوري في حالة تعادل قد تستمر لعدة سنوات مستمرة في استنزاف جميع الأطراف المشتبكة في الصراع. لس الأسد في موقف يساعد على هزيمة الثوار بينما أعدائه أيضًا لا يستطيعون دفعه خارج السلطة. لن يترك أي ثائر سوري سلاحه طالما الأسد في السلطة، بينما المليشيات العلوية ستستمر في القتال حتى يكون لديهم ضمانات موثوق بها لمستقبلهم في ما بعد مرحلة الأسد.

يمكن لإيران أن تستمر في مساندة الأسد طيلة أمد الصراع أو أن تأخذ الصدارة في تمهيد الأرض لعملية مفاوضات جادّة تؤدي إلى قيادة بديلة. إن من الشروط المسبقة لهذا الحل هو أن تُبدي إيران استعدادًا لترك الأسد، وعلى التحالف الإقليمي المساند للثوار أن يعترف بالمصالح الإيرانية في الهلال الخصيب.

لكل من الولايات المتحدة وإيران مصالح في إنهاء الصراع السوري. لن يحفظ وحدة الأراضي السورية ومؤسسات الدولة سوى حل يتم التوصل إليه عبر التفاوض. إن التصرفات الإيرانية في سوريا تقوّض هذه المصالح: مع كل يوم يمر يتم تفريغ مؤسسات الدولة، وقد جعلت الدولة الإسلامية وحدة الأراضي السورية شيء من الماضي. الأهم أن الهوية الوطنية السورية يتم إضعافها: وتثبت مكانها هويات فرعية إقصائية مؤدية إلى خلافات طائفية وعرقية. أصبحت قدرة سوريا على التوحد مرّة أخرى سؤالًا نظريًا.

يجادل البعض أنه برفع العقوبات يضمن المجتمع الدولي موارد إضافية لتعزيز سياسات إيران "التوسعية"، بما في ذلك دعمها العسكري والمالي لنظام الأسد. لكن يمكن أيضًا أن يجادل المرء أن القوة المالية الإيرانية الجديدة تمكنها من توزيع الموارد في خدمة الأمن والتطور الاقتصادي في المنطقة مما يعكس القوة عبر الأدوات المختلفة للدبلوماسية الناعمة – مثل الاستثمار في الأعمال والتبادل التعليمي والتعاون العلمي- بدلًا من القوة الغاشمة.

إن سوريا هي حالة اختبار لإيران كي توضح أي نوع من الجيران تريد أن تستمر معه. لدى طهران خيار هو: يمكن أن تكون وكيلًا للاستقرار الإقليمي والتعاون أو مفسدًا مصممًا على مساندة وكلائها بغض النظر عن الثمن بالنسبة إلى سكان المنطقة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب