هل تربح إيران الحرب من أجل الهيمنة على الشرق الأوسط؟

مقال رأي

أدت الحرب في اليمن والاتفاق النووي الذي شكل انفراجا بين إيران والولايات المتحدة إلى انهيار ماكينات التحليل المسعورة لما يحدث في الشرق الأوسط. تأتي هذه التطورات بسرعة في أعقاب تغيرات تكاد تكون أكثر من أن تسمح بمتابعتها: استعادة الحكومة العراقية مدينة تكريت، وتحقيق المتمردون لمكاسب في شمال وجنوب سوريا، وهجمات إرهابية أدت لخسائر هائلة في الأرواح في تونس وصنعاء.

ولكن هذا الرخم من العناوين الرئيسية، لا ينبغي أن يصرفنا عن المعنى الأكبر للأحداث في الشرق الأوسط. إننا نشهد صراعا من أجل الهيمنة الإقليمية بين ائتلافين فضفاضين ومتحولين: أحدهم يتمحور تقريبا حول السعودية، والآخر حول إيران. وعلى الرغم من الهوى الطائفي للائتلافين، فالعداء بين السنة والشيعة ليس أفضل تفسير للحرب الإقليمية التي تجرى اليوم. إنه صراع واضح على السلطة: فلا يضم أيا من هذين التحالفين عضوية محددة أو أيديولوجية متجانسة، ولا لديه أي التزام من أي نوع نحو القضايا الأساسية التي من شأنها تعزيز الحكم الرشيد في المنطقة.

وهذا، في بعض النواحي، نسخة محدثة من الصراع الواسع والدموي من أجل الهيمنة الذي هز العالم العربي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين. في تلك الحقبة، خاض ائتلافٌ من الملوك الرجعيين، بقيادة السعودية، معركة مع ائتلافٍ من الحكام العسكريين المستبدين من القوميين العرب بقيادة الرئيس المصري جمال عبد الناصر. ومثلما كان  الحال في تلك الحقبة الماضية، يعارض كل اللاعبين الكبار اليوم الإصلاح الحقيقي والسيادة الشعبية.

تتسم الأنظمة الصاعدة اليوم بأن جميعها من الرجعيين الناجين من – وأشد أعداء- الربيع العربي. سحق الإيرانيون بلا رحمة الثورة الخضراء في عام 2009، واستثمروا بكثافة في شركائهم الاستبداديين في العراق وسوريا، والمجموعات شبه العسكرية مثل حزب الله، والحركات غير الديمقراطية في البحرين واليمن.إن حكام إيران ثيوقراطيون، لكنهم يتميزون بالنشاط والدهاء والواقعية الجيوسياسية. فقد دعموا إسلاميين سنة ومسيحيين، في حين أن بعض شركائهم الشيعة وثيقي  الصلة بهم – مثل الرئيس السوري بشار الأسد، وهو علوي، والحوثيين الزيديين في اليمن- ينتمون إلى طوائف منشقة ولا يشاركونهم وجهات النظر حول الحكم الديني.

على الجانب الآخر من الصراع، توجد الممالك الخليجية العربية، التي تديرها نفس الأسر التي جلبت لنا حرب اليمن في الستينيات. لقد مدوا سلطانهم من خلال المكافآت السخية والعنف في بعض الأحيان، مثل غزو البحرين الذي قادته السعودية في عام 2011، والذي أنقذ العائلة المالكة المنتمية للأقلية السنية من الإطاحة بها من قِبل الأكثرية الشيعية المحرومة في الجزيرة المملكة.

هذا التحالف الذي تقوده السعودية له نكهة سنية، ولكن من الخطأ أن ننظر إليه على أنه كتلة طائفية متجانسة. منذ وقتٍ ليس ببعيد، في الواقع، دعمت المملكة العربية السعودية نفس الزيديين الذين تقصفهم الآن في اليمن. يعتمد الائتلاف الحالي على المصداقية الشعبية في مصر، التي يهيمن على طبقتها الحاكمة ضباط الجيش العلمانيون المعاديون للاسلاميين، ويتمتع بمغازلة الإخوان المسلمين والجهاديين في مسارح الصراع المختلفة مثل سوريا والأراضي الفلسطينية، ويعتمد بشدة على مساعدة الولايات المتحدة – وأحيانا على عدوه اللدود المفترض: إسرائيل.

ربما ظهرت أفضل لمحة عن أهداف التحالف الذي تقوده السعودية عندما تحدث أمير الكويت صباح الاحمد الصباح إلى جامعة الدول العربية في نهاية مارس، في المؤتمر الذي افتتح الحرب في اليمن.

" بعد ما يزيد على أربع سنوات من دخول منطقتنا مرحلة جديدة من الفوضى وعدم الاستقرار والتي أطلق عليها البعض الربيع العربي، عصفت بأمتنا وقوضت استقرارنا." قال الأمير بصوتٍ هادر. وأضاف أن الانتفاضات شجعت على "التفكير الوهمي" حول إعادة تشكيل المنطقة – ربما في إشارةٍ إلى طموحات إيران الخاصة بالنفوذ الإقليمي، وربما إشارة إلى طموحات المصلحين العرب للحد من نفوذ الدول القمعية المدعومة من دول الخليج. بالنسبة للأمير، فنتيجة الانتفاضات الوحيدة كانت "تراجعا حادا في معدلات التنمية وتأخرا ملحوظا في مستوى تقدمنا وتطورنا".

هذا هو جوهر المعركة الإقليمية الجارية: النظام القديم، أو نظام جديد من شأنه أن يغير ميزان القوى – دون أن يغير الكثير حول طريقة حكم الشرق الأوسط. تريد الكتلة السعودية أن تدير عقارب الساعة إلى الوراء إلى الوضع الذي كان قائما قبل الانتفاضات الشعبية. وتريد الكتلة الإيرانية تغيير توازن القوى في المنطقة تماما. ويدير كلا الكتلتين قادة مبهمون ومتكتمون وقمعيون وعنيفون. ولا يهتم أيا من الطرفين بالمساءلة الشعبية، أو الحكم الأفضل، أو حقوق المواطنين.

وبسبب الشكوك حول قدرة السعودية على صياغة وتنفيذ سياسات معقدة، جمعت المملكة ائتلافا هائلا. فسرعان ما أشركت أغلب عملائها وشركائها في الحملة الجوية، بما في ذلك المغرب والأردن والكويت والبحرين وقطر والسودان ومصر والإمارات. وقد أيدت الولايات المتحدة الحرب، على الرغم من تحفظاتها. ومن بين حلفاء المملكة وثيقي الصلة، كانت باكستان فقط هي التي قاومت حتى الآن الضغوط للانضمام الى القتال.

في العام الماضي فقط، شاهدنا تحولين رئيسيين. ساعدت الرياض في تغيير النظام في مصر، دافعةً الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة. بعد تجريب نظام شبه ديمقراطي ورئاسة الإخوان المسلمين التي تحدت دول الخليج القوية، يحكم القاهرة الآن دكتاتور عسكري يتبع خطوات الرياض بدقة – إلى درجة أنه وعد بإرسال قوات برية إلى حرب اليمن التي ربما كان من الأفضل له أن يبعتد عنها. أما قطر، الإمارة الغنية بشكل لا يصدق التي طالما اتبعت سياسة خارجية مستقلة، فقد وجدت نفسها تحت ضغط قوي من قبل المملكة العربية السعودية، حتى انهارت أخيرا. تنازل الأمير لصالح ابنه صاحب الأربعة وثلاثين عامًا والذي لا يزال مبتدئا سياسيا، واليوم تسير الدوحة في ركب السعودية.

يظهر كلا المثالين أن هذه ليست كتلة متجانسة ملتزمة بأفكار موحدة من الحكم الاستبدادي أو التفوق السني. بل هو تحالف فوضوي تغلب عليه السياسة الواقعية وتجمعه المصالح المشتركة – بل وأحيانا الرشاوى والابتزاز. أعضاءه لا يتوافقون على كل شيء: المملكة العربية السعودية تكره روسيا، وأحد أسباب ذلك هو دعم موسكو لإيران وسوريا. تحب مصر السعودية لأن الرياض تحافظ على اقتصادها واقفا على قدميه – لكنها أيضا تحب روسيا، لأنها يمكن أن تحصل المساعدات العسكرية من فلاديمير بوتين تنافس تلك تلك التي تحصل عليها من الولايات المتحدة. في العلن، يشيد السيسي بقادة الخليج – ولكن في تسجيلات خاصة مسربة، يستخف بهم قائلا كأغنياء نفط جهلة يمكن أخذ أموالهم بالخداع من قِبل الدول العربية الأكثر ديناميكية. لم تعد قطر تتحدى السعودية علنا ، لكنها ما زالت تدعم الاخوان المسلمين والجهاديين في سوريا بقدر ما تستطيع، وذلك ضد رغبة السعودية.

منذ بدأت السعودية قتالها في اليمن، أعرب السنة في جميع أنحاء المنطقة عن نوعٍ من الراحة القدرية: أخيرا هناك شخص يفعل شيئا لمواجهة النفوذ الإيراني. لكن طهران وسعت نفوذها بعناية، موزعة رهاناتها من خلال دعم مجموعات متعددة في كل منطقة صراع، محافظةً دائما على فرصة للخروج، فإذا فشلت استثماراتها، لن تخسر حربا كانت تقاتل فيها بشكل معلن. وقد خدم هذا المخطط إيران جيدا خلال سنوات تدخلها التي تفوق 30 عاما في لبنان والعراق، وأربع سنوات من تدبير القتال الرئيسي في سوريا. على الجانب الآخر، دخلت السعودية حرب اليمن بشكلٍ مباشر، وبالتالي لا يوجد لديها غطاء. لذا فعليها تحمل مسؤولية سقوط ضحايا من المدنيين، وسيكون بالطبع عليها تحمل الفشل عندما لا تصل الحرب إلى نتائج واضحة وسهلة.

التاريخ ليس في صالح الرياض في هذه الحملة. حيث لا تميل الحروب الإقليمية لتكون في صالح الغزاة. فكر في غزو العراق للكويت أو في حرب اليمن الأخيرة في ستينيات القرن الماضي. كما يجب أن يقدم الغزو الأمريكي للعراق درسا تحذيريا: رأى كثير من الناس في ذلك الوقت – بما في ذلك بعض العراقيين- أن القيام بعملٍ عسكري كبير كان أفضل من استمرار الوضع الراهن، وأن إسقاط صدام حسين على الأقل سيجعل الوضع أقل تعقيدا. ولكنهم سرعان ما تنكروا لهذه الفكرة، بينما كانت العراق تنحدر نحو الفوضى.

على أمريكا أن تتعامل بحذر خاص في هذا الصراع. لقد بنت تحالفات عميقة مع السعودية، ولكنها مترددة جدًا في إعادة بناء علاقتها المعتلة مع مصر في حقبة ما بعد مبارك. ينبغي لها أن تكون بمثابة مكابح للتوقعات السعودية الضخمة في اليمن، وينبغي أن تطلب ثمنا لأي دعم تقدمه للحرب هناك. فيجب على أي حملة في اليمن أن تعزز – بدلا من أن تقوض- جهود مكافحة الإرهاب هناك، ويجب على الولايات المتحدة أن تشارك خبراتها العسكرية في مقابل التعاون السعودي في صفقة إيران.

من الغريب بالتأكيد رؤية الجيش الامريكي يعمل مع ايران لمحاربة الدولة الإسلامية في العراق، في الوقت الذي يعمل فيه ضد طهران في اليمن. لكن ذلك مسلي. فتلك ليست خطبة دينية، انها سياسة خارجية. ومن المشجع أن نرى الولايات المتحدة تعمل على حواف صراع معقد ومتعدد الأطراف، وتجد سبلا لدفع عجلة المصالح الأميركية. لكن التحدي المقبل أمامها هو العثور على طرق جديدة للضغط على منافسيها مثل إيران وحلفائها المتمردين مثل السعودية.

ولكن الولايات المتحدة تتخذ موقها هامشيا إلى حدٍ كبير: الحدث الرئيسي هو الصراع الإقليمي على النفوذ بين إيران والكتلة السعودية. يكفي للمرء النظر إلى الحدثين الأكبر في ربيع هذا العام – الاتفاق النووي مع إيران، واسترجاع تكريت بمساعدة مستشارين عسكريين من طهران- ليتوقع الفائز. وقد تعثر الجانب المفضل لأمريكا باندفاع من أزمةٍ إلى أخرى، فيشتري الدعم أو يضغط للحصول عليه ويشن مغامرات عسكرية من المرجح أن تسفر عن نتائج غير حاسمة. بينما في الوقت نفسه بنى الجانب الايراني علاقاتٍ وثيقة على مستوى الدولتين مع سوريا، والعراق التي كانت عدوته يوما، وعمق نفوذه في أفغانستان ولبنان والبحرين واليمن. وعلى الرغم من العقيدة الدينية  لآيات الله الشيعة في إيران، فقد تمكن النظام في طهران في الظهور على إنه بطل إقليمي فيما يخص التعددية والأقليات، في مقابل التجمع السعودي الذي قد جنح بشكلٍ خطير قريبا من فلسفة تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية العدمية.

ما لم تتعلم السعودية وحلفائها أسلوبا جديدا وأكثر دواما لفرض قوتها، فلن تشتري خدعها المكلفة سوى مكاسب على المدى القصير. قد تتمكن المملكة من قصف الحوثيين حتى يعودوا إلى الزاوية التي جاءوا منها في اليمن، وقد يستولى وكلاءها السوريين على المزيد من البلدات والمدن من قبضة الأسد، ولكن توجه الصراع على المدى الطويل يشير إلى صالح إيران.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب