آل سعود يبدأون الاعتماد على الكفاءات

مقال رأي

 

يمكن القول إنها أقوى ملكية في العالم، ولكن آل سعود يتجهون أيضًا في طريقهم إلى شكل من أشكال الاعتماد على الكفاءات. يسرّع التعديل الوزاري الواسع الذي أصدره الملك سلمان هذا الأسبوع انتقال السعودية نحو جيل جديد من القادة. بثّ التعديل جرعة من الاحترافية والشباب في المملكة، التي لا تواجه تهديدًا مباشرًا، ولكنها تواجه تحديات تحتاج إلى تعامل بارع.

يأتي على قمّة التحديات إيران الحازمة، البارعة في التلاعب بالصراعات وتوسيع نفوذها في العالم العربي، ما أدى إلى تعميق الانقسام الشيعي السُني. أصبحت الفصائل الحاكمة، التي يهيمن عليها الشيعة، في سوريا ولبنان والعراق أكثر استجابة لطهران منها للرياض السُنية. أدى استحواذ الحوثيين، الذين يعتنقون مذهبًا شيعيًا من الإسلام ويتمتعون بدعمٍ إيراني، على السلطة في اليمن إلى إزعاج السعوديين ودفعهم لبدء حملة قصف جوي.

مثل السرد السابق الخلفية الملتهبة لترقية محمد بن نايف، 55 سنة، إلى منصب ولي العهد بعد عقد من التعامل المحتوم مع التهديد الإرهابي. فأثناء توليه منصب وزير الداخلية، عزز احترافية جهاز الأمن الداخلي بعد سلسلة من الهجمات المميتة في المملكة، وبنى شراكات استخباراتية مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

حاول تنظيم القاعدة قتله بشكل متكرر، فجر شخص يفترض أنه مبعوث سلام جهازًا مربوطًا إلى فخذه أثناء جلوسه على مقعد بجوار الأمير. بشكل إعجوبي، قتل المفجر فقط، وتلقت عائلة المفجر رسالة تعزية من ضحيته المقصود.

بينما نائب ولي العهد الجديد، الأمير محمد بن سلمان، الابن الأصغر للملك، أقل شهرة، وفي مطلع الثلاثينيات من عمره، كان الأمير بالفعل وزيرًا للدفاع ورئيسًا لأحد مجلسين مسؤولين عن صناعة القرارات أنشأهما الملك بعد توليه الحكم منذ ثلاثة أشهر (ويرأس محمد بن نايف المجلس الآخر). ولكن محمد بن سلمان تنحّى عن منصبه كرئيس للديوان الملكي، وفي حركة مؤكدة على الدور القيادي لمحمد بن نايف، تم دمج ديواني الملك وولي العهد إلى مركز واحد للسلطة. أصبح تسلسل ولاية العرش واضحًا، ومن غير المرجّح أن يغيّره سلمان مجددًا.

تعتمد التعيينات السعودية هذه الفترة على الكفاءة والانتساب للعائلة الملكية. كان ولي العهد السابق، مقرن، مقربًا من الملك الراحل، عبد الله، ولكنه افتقر إلى السلطة اللازمة من أجل المنصب الأكبر، ما أدى إلى تنحيته جانبًا. يصبح الأمراء الأكثر فاعلية حاليًا وزراء وحكام للقطاعات الرئيسية من المملكة. كما يتولي قيادة ثلاث وزارات من بين ست وزارات سيادية - الخارجية والنفط والمالية – أشخاص محترفين تلقوا تعليمهم في الغرب، بالإضافة إلى عدم انتمائهم إلى العائلة الملكية. يبدو أن نفوذهم يتوسع.

أدى فشل ما يُطلق عليه الربيع العربي إلى تعزيز فكرة الكثيرين من العرب بشأن أن الخيار الذي يواجهونه ليس بين الاستبداد والديمقراطية، بل بين النظام والفوضى. كان عادل الجبير، وزير الخارجية الجديد، مستشارًا موثوق فيه من قِبَل الملك عبد الله. وأثناء عمله كسفير للسعودية في واشنطن، مثّل عنصرًا أساسيًا في العلاقات السعودية الأمريكية. تركز تلك التعيينات على محوريّة ذلك التحالف.

تواجه الدولتين تهديدًا إرهابيًا متناميًا، مع تنافس تنظيم داعش الوحشي وتنظيم القاعدة على دعم الساخطين. حيث تهدد من تُطلق على نفسها الخلافة، والتي تسعى للسيطرة على مكة والمدينة، السعودية بشكل أكبر من  أمريكا وأوروبا. إلا أن واشنطن والرياض لا تمثلا دائمًا ندتين. فبينما لم يعارض السعوديون المفاوضات ذات القيادة الأمريكية مع إيران بشأن برنامجها النووي، ظلوا ممتعضين بشأن نتائجها حتى الآن، كما أنهم في قلق بشأن رفع العقوبات التي قيّدت العضلة الاقتصادية لإيران.

مع وصول أسعار النفط إلى نصف مستواها منذ عام، تعرّضت المالية السعودية لضغط. تم تبرير سياسة الحفاظ على الإنتاج السعودي من قبل بعض الأحداث حتى الآن، مع سقوط عبء تحقيق التوازن بين العرض والطلب على كاهل المنتجين أصحاب أعلى تكلفة إنتاج في الولايات المتحدة وأماكن أخرى. إلا أن صندوق النقد الدولي يقول إن تمويل الميزانية السعودية الحالية يتطلب وصول أسعار النفط إلى حوالي 106 دولار للبرميل، يجب أن تتوافر بعض المدخرات. يتطلب توفير فرص عمل مجدية للخريجين، الذين تخرج الكثير منهم من جامعات غربية، اقتصادًا أكثر تنوعًا.

ربما تتعلق أصعب الأسئلة بشأن القيادة الجديدة بالإصلاحات الاجتماعية والسياسية. تخفيف القيود على المرأة والتفاعل الاجتماعي وتوسيع مساحة التشاور وخفض التأثير المؤذي للشرطة الدينية وإنهاء العقوبات القضائية مثل عمليات الضرب التي يدينها الغرب – جميعها أمور ضرورية للغاية. ولكن في مجتمع محافظ بذلك الشكل، سيكون التغيير مثيرًا للجدل.

نحن نشهد بالفعل اختلافًا في أساليب التعامل مع السياسات الإقليمية تحت حكم الملك سلمان. كما تلطف الموقف السعودي تجاه تنظيم الإخوان المسلمين، وتجاه ذعر عبد الفتاح السيسي، الرئيس المصري الذى أطاح بالتنظيم في عام 2013 ولم يترك لهم أي مساحة في المجال السياسي منذ ذلك الوقت. وتحاول الرياض أن تصيغ جهود أكثر فاعلية مع تركيا للإطاحة بحكومة بشار الأسد في سوريا. عمل السعوديون على ردم الهوة بين الدول الخليجية الصغرى، مركزين على مواقفهم تجاه الإسلام السياسي. التفتت السياسة السعودية من قبل إلى الفكر والعلاقات الشخصية. والآن هي مدفوعة بفعل حسابات واقعية بشأن موقع مصالحها.

قد يتطلب رأب الصدع بين السُنة والشيعة تحقيق تقارب بين الرياض وطهران، وتغيير حاد في السلوك الإيراني. ولكن هناك مؤشرات للتغيير في أنحاء المنطقة. ستتاح الفرص، بينما تزود السعودية  ذاتها بقادة يتمتعون بالمهارات والخبرات اللازمة ليغتنموا تلك الفرص.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب