إسرائيل تسعى للحصول على حلفاء في الشرق الأوسط

كتاب

صدر كتاب جديد ليوسي الفر، الذي عمل في الموساد كما شارك في تحرير النشرة الإخبارية الإسرائيلية الفلسطينية، "بيترليمون"، ويتناول تاريخ "مبدأ شد الأطراف"، وهو عنوان عام يشمل سعي إسرائيل للحصول على حلفاء في الشرق الأوسط.

على الرغم من منشأ هذا المبدأ في مكتب رئيس الوزراء، ديفيد بن جوريون، بين عامي 1957 و 1958 تقريبًا، فقد كان أكثر تأثيرًا في الموساد وأجهزة المخابرات الأخرى مما كان عليه في الدبلوماسية الإسرائيلية أو السياسة السرية. وكان هدفه الأساسي إيجاد شركاء إقليميين ضد " العرب الأساسيين"، وهو اللفظ الذي كان يُقصد به في الأساس تحالف دول بقيادة مصر في عهد جمال عبد الناصر.

وكان هؤلاء الشركاء الإقليميين بلدانًا وأقليات عرقية أو دينية داخل بلدان، وشمل في أوقات مختلفة تركيا وإيران في عهد الشاه وإثيوبيا والسودان والمغرب واليونان فضلًا عن الموارنة في لبنان، وأكراد العراق، والسودانيين الجنوبيين والبربر. وحظي ذلك المبدأ بأكبر أهمية - بحسب ألفير - من ستينيات القرن الماضي إلى أواخر الثمانينيات، عندما تلاشى في مقابل تقدُّم واضح في محادثات السلام مع الدول العربية "الأساسية" والفلسطينيين، قبل أن يعاود الظهور بعد عام 2010 مع الربيع العربي عندما أدّت "سنوات من ضعف الدول العربية إلى حقبة جديدة من الثورة العربية".

وكان وقت ازدهار مبدأ شد الأطراف، أو "عمليته الرئيسية"، هو تحالف ثلاثي مخابراتي  - يدعي "ترايدنت" - مع تركيا وإيران بدأ في نهاية الخمسينيات. وقد استمر مع إيران حتى قيام الثورة، في عام 1979، ومع تركيا حتى ابتعد رئيس الوزراء، رجب طيب أردوغان، عن إسرائيل حوالي عام 2009.

ومن غير الواضح مدى إفادة تحالف "ترايدنت" لأولئك الذين شاركوا فيه. وكان مقر "ترايدنت" في إسرائيل ممولًا من قبل وكالة الاستخبارات المركزية، وبه جزء أزرق اللون للإيرانيين وجزء أصفر للأتراك - ولكنه لم يستخدم حقًا، وسرعان ما أصبح منشأة تدريب تابعة للموساد.

لكن على الأقل صدّرت إيران النفط إلى إسرائيل، بداية من فترة تولي محمد مصدق رئاسة الوزراء، ومع أوخر السبعينيات كانت هناك أيضًا مبيعات أسلحة وعدة آلاف من رجال الأعمال الإسرائيليين يعيشون مع أسرهم في طهران. في حين كان هناك "تقاسم شبه يومي للمعلومات الاستخباراتية الخام"، حسبما يقول ألفير، تتعلق أساسًا بمصر في عهد عبد الناصر أو الاتحاد السوفياتي، حافظت كل من تركيا وإيران على مسافة، وهو نوع من سياسة الإنكار، خاصّة بهدف تهدئة مخاوف العرب.

يقول ألفير إن "ترايدنت" لم يكن لها قيمة عملية تُذكر بالنسبة إلى إسرائيل: ويستشهد بكلام ديفيد كمحي، وهو من قُدامى مسؤولي الموساد، عندما قال: "من المذهل كيف كانت مخابرت (إيران) ضحلة في مناطق شديدة الأهمية". لكن ألفير يقول إن أهميتها كانت إلى حد إرسال "رسالة مهمّة للأمريكيين، والسوفيات، والعرب: إن إسرائيل ليست وحدها؛ فهي تتمتع بحلفاء إقليميين مهمين".

ولعل الجزء الأكثر إحكامًا لكتاب ألفير لهؤلاء المهتمين بإيران هو نقده لما يسميه "الحنين إلى مبدأ شد الأطراف الماضي"، وهو الأمر الذي يعرفه بـ "افتراض أنه بسبب أن إيران لديها توترات تاريخية مع العالم العربي، ولأن أحد الأنظمة الإيرانية - وهو نظام الشاه - تحالف استراتيجيًا على ما يبدو مع إسرائيل... هذا النمط من التحالفات والمصالح الاستراتيجية المشتركة يجب... أن تستمر... ".

يسخر ألفير من أي فكرة عن وجود صلة طبيعية بين اليهود والفرس تعود إلى الملك كورش، في القرن السادس قبل الميلاد، الذي سمح لليهود المنفيين في بابل بالعودة إلى القدس وإعادة بناء الهيكل. ويستشهد بتريتا بارسي، الذي درس العلاقة بين إيران وإسرائيل عن عمق في كتابه "التحالف الخائن"، فنقل مقابلة يلخص فيها بارسي مناقشاته مع دبلوماسيين من زمن الشاه، يناقضون فيها، من جهة، الإسرائيليين الذين يعتقدون أنه "لم يبد أن هناك [رابطة] أيديولوجية فحسب، ولكن أيضًا وفاء لمصير... و[إيمان] بفصل جديد من الكتاب المقدس تتم كتابته" ، ومن ناحية أخرى، يناقضون الإيرانيين الذين ليس لديهم" فكرة " بهذه العلاقات التي من المفترض وجودها، وهؤلاء "غير المهتمين".

يحلل ألفير قضية "إيران-كونترا" وإمدادات إسرائيل لإيران بالأسلحة خلال الحرب التي استمرت بين عامي 1980 و1988 مع العراق كأمثلة على نفس المغالطة، من خلال ظن في غير محله يقول بأن "تقوية فصيل معتدل يشارك في صراع على السلطة في إيران... سيكون من شأنه أن يمهد الطريق إلى تقدم استراتيجي كبير في العلاقات بين إسرائيل وإيران".

يرى ألفير أكثر المدافعين مؤخرًا عن "تغيير النظام" كمثال آخر للإسرائيليين الذين "ينخرطون عمدًا أو خطأً في التفكير بالتمني وتجاهل التغيير الكبير الذي حدث في بنية السلطة في إيران منذ عصر الشاه". ويقول إن الواقع هو أن "غالبية الإيرانيين تبدو أنها تدعم على الأقل فكرة النظام، التي تضرب جذورًا مؤسسية وثقافية عميقة".

بالنسبة إلى أولئك الذين ضجروا من خطاب السياسيين أو دعاية مؤسسات الفكر والرأي، فكتاب ألفير المتألق الذي يستند إلى معلومات وخبرات مكتسبة على مدى 30 عامًا، بما في ذلك مقابلات مع عدد من رؤساء الموساد، يمثّل "سيلًا من الهواء النقي". وبوصفه عميلًا سابقًا بالمخابرات ، فهو يعلم جيدًا أن جميع الحكام - الإسرائيليين أو الإيرانيين - يجمعون بين البراغماتية والمعتقدات والأيديولوجية الأساسية.

وهو أيضًا يعلم أنهم قد يعتقدوا في أنصاف الحقائق التي يقدمونها ورغباتهم الخاصّة. وبالتالي فحجته المضادة  "للحنين إلى مبدأ شد الأطراف" يأتي ليس لمجرد أنه يشوّه الواقع، بل لأنه أمر خطير.

وذلك لأن ألفير هو من بين هؤلاء الإسرائيليين الذين ما زالوا يعتقدون أنه على الرغم من العقبات الهائلة فالسلام مع الفلسطينيين و"العرب الأساسيين" ممكن بل ومرغوب فيه. لكن الخطر في نهج الحنين إلى إيران هو أنه يشجع إسرائيل "عن وعي أو عن غير قصد [إلى] تجاهل احتمالات التعايش مع جيرانها المباشرين من العرب لأنها تقنع نفسها بثبات علاقتها الظاهرة مع أطرافها".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب