الاستراتيجية الوحيدة الباقية أمام أمريكا لمواجهة داعش: الاحتواء

مقال رأي

 يجب أن يكون واضحًا للجميع الآن أن السياسة الأمريكية الحالية للتعامل مع داعش تعاني فشلًا كبيرًا. وقد أشار العديد من المعلقين إلى أن تقييمات الإدارة الأمريكية للوضع على الأرض يبدو أنها في تغير دائم، لكنها تبقي على نبرة تفاؤل تبدو منفصلة عن الواقع بشكل متزايد. مثلما كانت إدارة بوش متمسكة لفترة طويلة جدا بالمغالطة  التي تقول أن المعارضة للوجود الأمريكي في العراق تقتصر على ما سميناه في ذلك الوقت "عناصر النظام السابق،" فاليوم يبدو أن إدارة أوباما تعتقد أن داعش تهرب بفضل القوة الجوية الأمريكية إلى جانب الجيش العراقي وقوات المتمردين السوريين المدربين تدريبًا جيدًا.

من الواضح أن داعش لا تهرب. ربما تكون قد فقدت تكريت في العراق وكوباني في سوريا، ولكن استيلاءها على الرمادي يوضح أنها لا تزال توسع سيطرتها على غرب العراق، في حين أن سقوط المدينة الاستراتيجية والتاريخية لتدمر، والاستيلاء على معبر التنف في محافظة حمص، يشيرا أيضًا إلى الزخم الذي تحظى به الخلافة - التي نصبت نفسها - في وسط سوريا. وقد مكنت هذه الانتصارات- خاصة في الرمادي- داعش أن تضيف إلى مخزونها المزيد من الأسلحة العسكرية عالية المستوى. وعلاوة على ذلك، مع كل انتصار، والدعاية اللاحقة له على شبكة الإنترنت، تواصل داعش جذب المجندين، سواء المحليين أو الأجانب.

وماذا عن الجيش العراقي؟ مرة أخرى، فشل فشلا ذريعًا. مرة أخرى، أدارت القوات العراقية ظهرها وهربت تاركين أسلحتهم وراءهم. إن الجيش العراقي ليس أفضل حالا، بل هو أقل قدرة بكثير، مما كان عليه عندما انهار أمام قوات التحالف عام 2003. وقتها، على الأقل، كان يمكن للعراقيون أن يجادلوا قائلين أنهم لم يتمكنوا من فعل الكثير ضد القوات الجوية والبرية الأمريكية، التي تشكل القوة القتالية الأقوى في العالم. واليوم، القوة الجوية الأمريكية الى جانبهم. بينما لا تضاهي داعش نفس المعارضة التي مثلها التحالف الأمريكي والحلفاء منذ أكثر من عقد من الزمان. يوضح أداء العراقيين في ساحة المعركة قلة تأثير اثني عشر عاما من تدريب الولايات المتحدة والحلفاء.

أما المعارضة السورية، ولا سيما ما تبقى من العناصر المعتدلة، فهي ليست أفضل حالا. مع دعم جوي أقل كثافة بكثير، ومع بطء وتيرة نقل الأسلحة الغربية وتدريب المقاتلين، فقد كان من المتوقع أن تحافظ داعش على اليد العليا. إلى حد أن المساعدات التي تتدفق على المعارضة لا تزال تجد طريقها إلى العناصر الأكثر أصولية التي تقاتل بشار الأسد. وقد كان هذا هو الحال طوال الحرب الأهلية التي دامت أربع سنوات، والتي توقعت للإدارة إنها كانت لتنتهى منذ سنوات مع رحيل الأسد. إنه لا يزال في دمشق، والحرب مستمرة.

إن الإيرانيين هم المستفيدون الواضحون من الاضطرابات التي التهمت تماسك كل من العراق وسوريا. كما أن دعوة بغداد اليائسة للميليشيات الشيعية لاستعادة الرمادي تدخل إيران مرة أخرى إلى قلب العراق السنية. في سوريا، على الرغم من كل التكهنات بأن قوات الأسد في موقف دفاعي، فهو - إلى جانب مع حليفه حزب الله الماهر في القتال - لا يزال يمنع داعش من التقدم تجاهه، بل ويستعيد المدن، ولا يخسرها، على عكس حكومة بغداد.

ما موقف واشنطن من كل هذا؟ في المقام الأول، لقد ثبت أن أملها طويل الأمد أن تُهْزم داعش بطريقة ما بدون قوات برية غربية- أو أمريكية بشكل خاص- إنه حلم كاذب. ولأن أمريكا لن ترسل مئات الآلاف من القوات المطلوبة من أجل إلحاق الهزيمة بداعش وتهدئة الاوضاع في العراق وسوريا، فالانتصارا التقليدي على داعش لم يعد يمكن تصوره.

ثانيا، لأنها لا يمكنها هزيمة داعش دون وجود قواتها على الأرض، فلا بد لها من الاستمرار في الاعتماد على إيران وحلفائها الشيعة في كل من العراق وسوريا لمواجهة قوات الدولة الإسلامية في ساحة القتال. إلا أنه كلما قامت واشنطن بذلك، كلما زادت قوة تعاونها مع إيران، وكلما كانت أكثر حرصًا على التوصل الى اتفاق نووي مع آية الله، وبالتالي فتح الباب لشراكة أقوى في المعركة ضد داعش.

إن تردد واشنطن في التورط بشكل أكبر في صراع آخر في الشرق الأوسط أمر مفهوم. بعد ثلاثة عشر عاما من القتال في المنطقة، لا يزال الأميركيون لا يملكون فهمًا جيدًا لطبيعة الناس الذين يقاتلونهم، أوحتى طبيعة أولئك الذين يقاتلون من أجلهم. تعكس المعارك في العراق وسوريا خصومات دينية ووطنية قديمة قدم الأزل، ولا يستطيع الأميركيون حلها.

كانت هناك نوبة أخرى من الأصولية الإسلامية العنيفة في الماضي، بينهم على سبيل المثال، الموحدون في القرن الثاني عشر في شمال أفريقيا وأسبانيا، والمهدي في السودان في أواخر القرن 19. أصبح الموحدون في نهاية المطاف قوة مستهلكة، بينما قهر البريطانيون المهدي وأتباعه. ولأنه ليس هناك احتمال كبير أن تقوم أي قوة غربية بمحاولة قهر داعش، فبالتالي يقع على عاتق الخصوم الإقليمية أن تقوم بهذه المهمة، أو الانتظار حتى تنهار، وهو أمر سيحدث حتما.

في هذه الأثناء، يجب احتواء داعش بدلا من ذلك. ولفعل ذلك يجب الحفاظ على شبكة الشراكات الحالية غير المستقرة. وهي تتألف من قوات الكردية في شمال العراق وشمال شرق سوريا، والقوة الجوية لأمريكا وحلفاءها، والميليشيات الشيعية التي تساند – بل وتستولى على - جيش بغداد الرسمي. سوف يتطلب الاحتواء أيضا تعزيز جهود أميركا والحلفاء بجدية لتسليح الأكراد، وتدريب المتمردين السوريين، وتكثيف تدريب الجيش العراقي البائس.

الاحتواء هو حل فوضوي لمشكلة فظيعة، إلا أنه ليس هناك شيئًا آخر في الأفق. أما إدارة أوباما- أو استراتيجيتها المدمرة إن كان هناك واحدة- فمصداقيتها في انحسار، ولا يوجد أمامها أي خيار آخر.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب