التطرف الأمريكي الخبيث في مواجهة الإرهاب الإسلامي

مقال رأي

 خلال ما يزيد عن 13 عاما من الحرب على الإرهاب، يتمثل أحد سطور الخطة التي يتفق الجميع عليها في واشنطن في ضرورة مواجهة الفكر الذي تروجه التنظيمات الإرهابية. مع الأسف، يتفق الجميع أيضا على أن الوكالات الحكومية الأمريكية لم تبل حسنا في سبيل ذلك. سخر السيناتور الديمقراطي، كوري بوكر، مؤخرا من جهود مكافحة الفكر الخاصة بوزارة الخارجية الأمريكية بوصفها "مثيرة للضحك" بالمقارنة بالدعاية التي يمارسها تنظيم الدولة الإسلامية. سواء أكان اسمها "اتصالات استراتيجية"، أو "رسائل مضادة"، أو "مواجهة الإرهاب العنيف"، هناك إجماع نادر في واشنطن على أن تلك المهمة الأساسية تمثل أيضا أحد أوجه القصور الشديد للولايات المتحدة. لكن الأمر لا يتعلق فقط بنشر تغريدات أقل إثارة للشفقة على حسابات "تويتر" التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية. وبالتبعية، يتطلب "النجاح" تغيير طريقة تفكير التنظيمات الإرهابية واتصالها، فالتأثير على الأفراد يكون نتيجة لرسائل الإرهابيين.

يعتبر التركيز على فكر الإرهابيين جذابا لأنه يتطلب تغيير فكر الأعداء وتحييد الأطراف الثالثة، بينما، بشكل أكبر أهمية، لا يتطلب أي تغيير في طريقة تفكير أمريكا. إلا أنه خلال الشهور الستة الأخيرة، لوحظ حدوث نقلة صغيرة، ولكنها هامة، في الفكر الأمريكي لمكافحة الإرهاب.

فقد تنوعت وانتشرت اللهجة التي يستخدمها كبار المسؤولين وصناع القرار على نحو متزايد لوصف التهديدات الإرهابية – ولوصف الطول المتوقع لمدة الحرب على الإرهاب. فالعدو، الذي حدد سابقا وببساطة على أنه القاعدة والتنظيمات التابعة له، أصبح يشمل الآن أفكارا غير متبلورة مثل "التطرف الإسلامي" أو "المتطرفين العنيفين". وفي غضون ذلك، تلاشى بشكل أساسي أي فهم مشترك للمدة المحتملة للحرب من الخطاب العام. فبعد أن توافر في واشنطن تطلعا لإخماد حقبة "الحرب الأبدية"، أصبح هناك اتفاق الآن على أن أمريكا تواجه تهديدا "متعدد الأجيال".

مع القليل من الوعى بعواقب ذلك التحول في الخطاب، أصبح الفكر الأمريكي لمكافحة الإرهاب أكثر غموضا، أقل واقعية، وأصبح تدريجيا مفتوح النهاية. تسير الحرب على الإرهاب على نحو بائس. فالتنظيمات الجهادية الإرهابية تنمو من حيث الأعداد، القوة التقديرية، قوة الفتك (في الدول التي تعمل بها، وليس ضد الأمريكيين)، والتأثير على وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة. إلا أنه يتم بث نفس الصور الرنانة المبتذلة والأهداف غير المعقولة بالكامل مرارا وتكرارا، في غياب أي مؤشر لأي استفادة استراتيجية أو تعديلات في السياسة. إن استمر ذلك الفكر الأمريكي الخبيث والمتطرف – أي أنه سام ومضر ويؤدي تبنيه بشكل متكرر إلى فشل استراتيجي مستمر، ومتطرف لأنه يحمل الأهداف الأكثر تطرفا التي لن تحقق أبدا - لمواجهة الإرهاب دون فحص، فسيؤدي إلى المزيد من الإيهام للمسؤولين الحكوميين والمواطنين الأمريكيين نحو الاعتقاد الباطل بأن محاور العمل الحالية عادية ومقبولة ولا تتطلب أي تعديل.

يتضح التغيير الفكري الأخير للغاية في أوصاف من تحاربهم الولايات المتحدة. فقد كان العدو دائما معرضا للتصنيف الشديد وخفي بشكل ما، ولكن توافر سابقا على الأقل قائمة معترف بها من التنظيمات البارزة. أما الآن، فالعداوة أصبحت متمثلة في مجموعة غير محددة ومتنافسة من التنظيمات أو الأشخاص الذين لديهم صلة مزعومة بأعمال الإرهاب. إن تبنت الولايات المتحدة نفس العشوائية التي تنتهجها في وصف الأعداء الإرهابيين في أعمال القصف لمثل ذلك جريمة حرب. أي أنك إن لم تستطع تحديد خصومك، فبالتأكيد لا يمكنك التعرف عليهم بشكل أكبر، ما يعنى قياسا أقل كثيرا لمدى التقدم في هزيمتهم.

ضع في اعتبارك المزيج الغامض من الأعداء المجردين الذين أعلن عنهم المسؤولون. قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما في فبراير: "نحن في حرب مع الأشخاص الذين جنحوا عن الإسلام" وقال إنه يجب على المجتمع الدولي أن "يبيد تلك الآفة من التطرف العنيف". وبشكل مشابه، عند محاولة وصف العدو، زعم رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي أن الولايات المتحدة في حرب "ضد التنظيم الذي انحرف عن الإسلام". وفي فبراير، أطرت مستشارة الأمن القومي الأمريكية سوزان رايس مهمة الولايات المتحدة بـ"إعاقة الإرهاب العنيف". وحاولت مبكرا من ذات الشهر وصف العنف غير المحدد بقولها: "مع القضاء على جوهر تنظيم القاعدة، شهدنا توسع التهديد إلى التنظيمات التابعة للقاعدة، داعش، الميليشيات المحلية، والمتطرفين العنيفيين المحليين". وفي فبراير أيضا، زعم إريك هولدر، المدعي العام في حينها، أن الولايات المتحدة ببساطة "تحارب تهديد التطرف العنيف". بينما قال الجنرال لويد أوستن، قائد القيادة المركزية الأمريكية إن العدو هو "داعش والتنظيمات المتطرفة العنيفة الأخرى".

بل وكان بعض صناع القرار غامضين. فعندما طلب منه تحديد العدو، قال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري: "أسميه عدو الإسلام". بغض النظر عن حقيقة أنه من المفترض أن يفسر كيري ماهية الإيمان الشرعي لمليار مسلم، من هو ذلك العدو تحديدا؟

في غضون ذلك، يتفوق المرشحون الرئاسيون الجمهوريون على بعضهم البعض في إضفاء الضبابية على العدو ومضاعفة عدد الأفراد الذين يجب أن تهزمهم الولايات المتحدة. صاغ السيناتور الجمهوري ماركو روبيو "العقيدة المطبقة" بقوله: "بالنسبة لاستراتيجيتنا لمواجهة الجهاديين والإرهابيين حول العالم، فإنني أحيلهم إلى الفيلم "تاكن" الذي يقوم ببطولته التجم ليام نيسون. حيث قال البطل عبارة تمثل الاستراتيجية التي يجب أن نتبناها: "سوف نبحث عنك، سنجدك وسنقتلك". وبشكل أقل مسرحية، تعهد السيناتور الجمهوري تيد كروز فحسب، قائلا: "سوف نتخذ موقفا وسنهزم الإرهاب الإسلامي المتشدد". أما ريك بيري، الحاكم السابق لولاية تكساس، فقد قال: نحن في السنوات الأولى من صراع مع المتطرفين الإسلاميين العنيفيين، والذي سيستمر لعقود عديدة". وفي غضون ذلك، أطلق عليه السيناتور الجمهوري راند بول، أثناء الترويج لجاهزيته المزعومة لتحديد العدو، "الإسلام المتشدد" و"كارهي البشرية". مجددا، من الجيد أن تتحدث بقوة، رغم أنه حديث دون معني، ولكن إلى من توجه تلك التهديدات؟

يمثل الوضع النهائي في الحرب على الإرهاب وتوقيت تحقق تلك النهاية التحول الآخر الذي جرى في الآونة الأخيرة في الفكر الأمريكي لمكافحة الإرهاب والذي يمثل تهديدا. رغم أن أوباما قد زعم سابقا أن تلك الحرب "مثل جميع الحروب، يجب أن تنتهي"، لم يعد المسؤولون وصناع القرار يدعون أن الحرب على الإرهاب ستنتهي مطلقا، ولا يقدمون أي سرد حول كيفية انتهاء هذه الحرب. بدلا من ذلك، يحاولون تطبيع الحرب على الإرهاب كأمر يجب أن يتقبله جميع الأمريكيون ويعتادوا عليه. حسبما أقر وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر: "يجب أن نفكر بشأن الإرهاب بشكل أعم كجزء أكثر استمرارية من مهمة الأمن القومي الخاص بنا".

تبلور ذلك التحول في ملاحظة رائعة في الآونة الأخيرة لمدير وكالة الاستخبارات الأمريكية جون برينان. حيث تعهد برينان منذ ثلاث سنوات، وكان حينها أقرب مستشاري أوباما لشؤون مكافحة الإرهاب، بقوله: "لن نستريح حتى يتم القضاء على تنظيم القاعدة وإبادته في أنحاء أفغانستان، باكستان، اليمن، أفريقيا، ومناطق أخرى. نحن عازمون على تحقيق ذلك". إلا أنه، خلال الشهر الماضي، عند سؤاله بجامعة هارفورد بشأن موعد انتهاء الحرب على الإرهاب، أجاب بشكل فلسفي قائلا: "إنها حرب طويلة، مع الأسف. ولكنها حرب كانت موجودة لآلاف السنين... لذلك فإنه أمر، حسبما أظن، سيتوجب دائما أن نتوخى الحذر منه". أي أن هزيمة الإرهاب أمر أخروي وأبدي.

على نحو مشابه، توصل أوباما وكبار مساعديه إلى إعادة صياغة الحرب بشكل متكرر لتستمر لعقود. فاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة تصف الحرب بأنها "نضال جيلي في أعقاب حرب العراق عام 2003، والثورات العربية عام 2011، والتي ستعيد تعريف المنطقة وكذلك العلاقات بين المجتمعات وبين المواطنين وحكوماتهم". إبان ذلك، حذر مارتن ديمبسي، المسؤول العسكري الأكبر في الإدارة، من الإرهاب الإسلامي بقوله: "أظن أن ذلك التهديد يمثل قضية عمرها 30 عاما".

كذلك في الكونجرس أصبحت وجهة النظر تلك موحدة. فقال النائب الجمهوري ماك ثورينبيري إنه "نضال متعدد الأجيال" و"لا توجد وسيلة غير مكلفة لكسب تلك الحرب". وعلى نحو مماثل، وصفها السيناتور الجمهوري كون ماكين بأنها "حرب جيلية للحضارة أمام الأعداء الشرسين". إلا أن النائب الجمهوري ترينت فرانكس تجاوز برينان فلسفيا في قوله: "لقد كنا نحارب ذلك الفكر الإسلامي المتشدد لمدة 1400 عام". أي قبل قرون من تأسيس الولايات المتحدة. فلننس أمر العدو، من هم "نحن" الذين حاربوا؟

ما يمثل أكبر مصدر للإحباط بشأن ذلك الخطاب المتطرف لمكافحة الإرهاب هو أن نفس هؤلاء المسؤولين وصناع القرار لا يزالون يدعون أن تلك التهديدات الإرهابية المنتشرة "ستدمر"، "ستنهزم" و"ستباد". لن يحدث ذلك ببساطة لأن الولايات المتحدة وشركائها مستمرون في تطبيق نفس الاستراتيجيات والسياسات مع التطلع بحماقة إلى نتيجة مختلفة. يزعم المسؤولون أن فكر الإرهابيين هو "مركز جاذبيتهم"، وهو مصطلح يعرفه الكونجرس بأنه: "مصدر القوة الذي يعزز القوة المعنوية والجسدية، حرية التصرف، أو الرغبة في التصرف". إلا أنه، مجددا، لأن شيئا لم ينجح في مواجهة ذلك الفكر، يفترض أن نصبح معتادين على حرب لانهائية وضد مفهوم غير موصوف.

يتمثل الفكر الوحيد الذي تستطيع الولايات المتحدة أن تؤثر عليه أو تتحكم فيه في الفكر الخاص بها. لكن بدلا من ذلك، شغلت واشنطن نفسها بالخلط بين التطرف المحلي والتهديدات الموجهة للأراضي الأمريكية، رافضة أن تحدد العدو، معلنة أهدافا استراتيجية رنانة وغير معقولة، غير مظهرة لأي استفادة أو تعديلات ذات مغزى على مدار 13 سنة. يشكل غياب تحري الدقة عند تعريف خصوم أمريكا في الحرب على الإرهاب وغياب أي وضع نهائي (مصحوبا بالأهداف غير القابلة للتحقيق) مجموعة خطيرة ومتطرفة من المعتقدات التي يحملها المسؤولون وصناع القرار الأمريكيون. إن كانت الحرب على الإرهاب متعلقة بالفعل بالفكر والأفكار، فيجب أن تقضي الولايات المتحدة نفس الوقت الذي تقضيه في تحليل فكر أعدائها في تحليل فكرها الخاص. فكر محاربة الإرهاب الصاعد الذي تعبر عنه واشنطن خطير ووهمي، ومع الأسف، لم يتم اختباره.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب