الرجال الذين حاولوا إنقاذ الرمادي

تقرير صحفي

 أحرزت الدولة الإسلامية خلال الأيام القليلة الماضية أكبر انتصارٍ لها منذ سقوط الموصل العام الماضي. في 15 مايو، استخدمت المجموعة الجهادية الانتحاريين لاختراق المجمع الحكومي في مدينة الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار العراقية الممتدة. ومنذ ذلك الوقت قامت بتشديد قبضتها على المدينة، حيث رفعت علمها الأسود فوق المجمع، أعدمت المقاتلين القبليين الذين عارضوها، وحاصرت مركزا للعمليات العسكرية في غرب الرمادي.

تعطي قصتي رجلين من محافظة الأنبار لمحةً عن سبب فشل الجهود المبذولة لوقف تقدم الدولة الإسلامية حتى الآن، وايضا عن كيف يمكن أن يواجه قادة السنة المحليين تدفق مقاتلي الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران والتي يرجح أن تتبع سقوط المدينة. أحد هذين الرجلين هو زعيم قبلي كان في مركز مقاومة التنظيم الجهادي؛ الآخر هو متمرد سابق حارب ضد القوات الأمريكية والحكومة التي يهمين عليها الشيعة في بغداد وكان لوهلة متحالفا مع الدولة الإسلامية، قبل أن يترك المجموعة في اشمئزاز قبل حوالي أربعة أشهر.

استقبلني الشيخ خميس الفهداوي، زعيم عشيرة البوفهد، في منزله بعمان في فبراير من هذا العام. كان يرتدي جلبابا ابيض مزخرفا باللون الذهبي، وكان مساعدوه يجيبون المكالمات الهاتفية ويمررون التمر والشيكولاتة خلال حديثنا. أوضح الشيخ أن عدد افراد عشيرته يبلغ حوالي 160 الف شخص، وانها كانت تواجه الدولة الإسلامية على امتداد حوالي 20 ميلا (31 كيلومترا) شرق المدينة حتى القاعدة العسكرية في الحبانية.

في وقت محادثتنا، كان مقاتلي البوفهد قد نجحوا في إبقاء الدولة الإسلامية خارج منطقةٍ تبلغ مساحتها حوالي 13 ميلا مربعا (34 كيلومترا مربعا) تعتبرها العشيرة موطنها، خسروا خلالها اقل من مئة قتيل. اليوم، يقدر أن العديد من رجال القبيلة كانوا من بين حوالي 500 شخص قتلوا في الرمادي خلال استيلاء التنظيم الجهادي على المدينة.

قال الفهداوي "عندما دخلت داعش الأنبار لأول مرة، كانت عشيرة البوفهد من بين أول من حاربوهم". وتابع "لأنه في عامي 2006 و2007، عندما كانت القاعدة تهيمن على الأنبار آنذاك، قالوا ‘نحن هنا لمحاربة المحتل الأمريكي’، لكنهم بدأوا في قتل العراقيين بعد ذلك.

في منتصف العقد الماضي، تلقت عشيرة البوفهد دعما عسكريا ضخما من الولايات المتحدة كجزءٍ من "صحوة الأنبار" والتي اتحد فيها الجنود الأمريكيون والقبائل السنية لطرد القاعدة من المحافظة الغربية. تقبع الرمادي في قلب ذاكرة تلك الجهود الأمريكية: خاضت قوات الولايات المتحدة وحلفاؤها المحليين معركةً شرسة للسيطرة على المدينة كلفت أكثر من مئة قتيل أمريكي، لكنهم نجحوا في النهاية في تقليل الهجمات فيما كان يعتبر أكثر مناطق البلاد اضطرابا إلى حوالي الصفر.

لكن هذه المرة، لم تقدم الولايات المتحدة أو الحكومة العراقية دعما مماثلا لمقاتلي الفهداوي. بينما تتحدث بغداد كثير عن تمكين قبائل الأنبار، يبقى الإمداد بالأسلحة ضعيفا، وفي زيارةٍ لمراسل الفورين بوليسي إلى معسكر تدريب يقع خارج الفلوجة مؤخرا، وجد بعض المتدربين يستخدمون أسلحةً قديمة.

"يبدو أن الحكومة الفيدرالية تخشى أن تعطينا أسلحة"، قال الفهداوي. "هم يدعون دوما أن قبائل الأنبار سوف تبيع الأسلحة لداعش. لكن هذا مستحيل، هذه القبائل تحارب الآن، وهم يحتاجون كل قطعة سلاح".

لكن يبدو أن التعزيزات في الطريق لمقاتلي الفهداوي أخيرا، في صورة مقاتلي الميليشيات الشيعية الذين لعبوا دورا محوريا في جهود الحكومة لطرد الدولة الإسلامية من أماكن أخرى في البلاد. حسب مجلس محافظة الأنبار، وهو هيئة حكومية محلية، فإن ثلاثة آلاف متطوع شيعي قد وصلوا بالفعل إلى الأنبار، بينما يستعد قادة الميلشيات لإرسال أعدادٍ أكبر من القوات.

صوت مجلس محافظة الأنبار لصالح نشر تلك القوات في 17 مايو، لكن استخدام الميلشيات المدعومة إيرانيا في المحافظة ذات الأغلبية السنية يبقى مثيرا للجدل. كان الفهدواي مؤيدا لقبول المساعدة من تلك الميلشيات لكنه مازال يراها سلاحا ذو حدين.

"نخشى أن تلك المجموعات سوف تجلب أشياءً سيئة على الأهالي، وسوف يقتلونهم"، قال الفهداوي. "ولكن ضع نفسك مكان هؤلاء الذين ظلوا يقاتلون داعش لما يزيد عن العام الآن: لم يتلقوا شيئا. ربما يشعرون أنهم يغرقون، وهم يحتاجون أي دعم يمكنهم الحصول عليه".

***

بينما عارض مقاتلي الفهداوي الدولة الإسلامية منذ البداية، يعترف القادة القبليين السنة أن آخرون تبنوا في البداية التنظيم كحليفٍ في كفاحهم ضد رئيس الوزراء نوري المالكي، ليقطعوا صلتهم معهم فقط عندما بدأ الجهاديون في ملاحقة المجموعات الأخرى المعادية للحكومة في المحافظة.

أبو قاسم، وهو ضابطٌ سابق في الأربعينيات من عمره يغطي اللون الرمادي بعضا من لحيته، هو أحد هؤلاء الرجال. كمقيمٍ في الجرمة، وهي بلدة بالقرب من الفلوجة، فقد عايش الظلم منذ بدأ يتشكل وعيه، تحدث ابو قاسم بمرارة عن كيف تم الاحتفاء بالمقربين من صدام كأبطالٍ وطنيين بعد نهب ثورة البلاد النفطية الهائلة، وكيف كان القادة الشيعة الذين خلفوا صدام عازمين على تسليم البلاد لإيران واخضاع السنة.

يرى أبو قاسم نفسه كجنديٍ في ثورة سنية ضد من يسميهم "الصفويين"، وهو لفظ تحقيري للقادة العراقيين الشيعة يساويهم بإمبراطورية إيرانية قديمة. "أردت أن أكون روبن هود"، قال أبو قاسم.

أيا كانت النوايا المرهفة التي كان يحملها أبو قاسم، فقد مهدت أفعاله الطريق مرتين لاستيلاء الجهاديين على محافظته. انضم أبو قاسم للتمرد ضد الولايات المتحدة بعد الغزو بفترةٍ وجيزة، قائدا مجموعة من 150 مقاتلا ضد القوات الأمريكية خلال معركة الفلوجة الأولى في ربيع 2004. في ذلك الوقت، قال مفتخرا، كانت مجموعته أكبر من جماعة التوحيد والجهاد – المجموعة الجهادية التي كان يقودها أبو مصعب الزرقاوي، والتي سوف تتحول لاحقا إلى القاعدة في العراق ثم الدولة الإسلامية.

"كان الزرقاوي يملك أجندته الخاصة، وقد استغلنا لأننا كنا سذج"، قال أبو قاسم. "لقد وقعنا في فخ".

في ربيع العام 2014، كرر التاريخ نفسه. بينما تحركت حكومة المالكي وقادة السنة نحو مواجهة، بدأ أبو قاسم مرةً أخرى في تسليح نفسه من أجل "الثورة" القادمة – عبر التواصل مع ضباط الجيش العراقي أمريكيو التدريب والذين كان يفترض بهم محاربته.

"لقد عقدنا صفقةً مع ]الضباط العراقيين[ لفبركة هجوم عليهم، لقد أطلقنا فقط رصاصا في الهواء" شرح أبو قاسم. "ثم يقوم الضباط بإبلاغ قائدهم أنه بسبب تلك المعركة فقد فقدوا أسلحةً. لكن في الحقيقة لقد قاموا ببيع الأسلحة لنا".

كلف AK-47 250 دولارا، بينما كلفت 5 قطع آر بي جي 100 دولارا، بينما بيع الزي العسكري مقابل 30 دولارا للقطعة لأبو قاسم ورجاله. لقد كانت سوقا مفتوحة للسلاح على حساب دافع الضرائب الأمريكي في صحراء غرب العراق.

مرةً أخرى، قدم الجهاديون أنفسهم كحليفٍ قوي في الحرب ضد عدوهم المشترك في بغداد. في 9 مايو 2014، قال أبو قاسم، دخلت الدولة الإسلامي ةالفلوجة لأول مرة. لقد وعدوا بالعمل يدا بيد مع مقاتلي السنة المحليين مثل رجال أبو قاسم، متفادين نهج اليد الثقيلة الذي أفسد العلاقات في 2006 و2007. وافق المتمردين السنة، متحمسين لمقاتلين جدد للإستيلاء على أراضي من قوات الأمن العراقية التي يهيمن عليها الشيعة.

حسب أبو قاسم، فقد استمر التحالف بين الدولة الإسلامية والقوات القبلية لمدة شهر، قبل ان تبدأ الجماعة الجهادية في استخدام مواردها الأوفر للتخلص من منافسيها. ذكر أبو قاسم كيف قسّم 200 دولار على طاقم مستشفى في الفلوجة، في محاولةٍ لكسب ولائهم. "ثم بعد أن أتى شخص من داعش ومنح كل عامل 1000 دولار، بدأ جميعهم في الهتاف ‘الله أكبر’".

بعد سقوط الموصل في يونيو، لم تعد الدولة الإسلامية تطلب من المجموعات الأصغر الإنضمام لصفوفها، لكنها طالبتهم بذلك. "لقد استعرضوا ]المقاتلين القبليين السنة[ في الشوارع، ثم أخذوهم إلى مدرسةٍ كبيرة، وأوقفوهم في صفين، ثم طلبوا منهم أن يصدموا رؤوسهم بالحائط"، قال أبو قاسم. "لم يكن يتم إطلاق سراح احد إلا قبل أن يروا الدماء على رأسه".

كانت هذه طريقة الدولة الإسلامية في ترسيخ عدم جدوى المقاومة: محاربتهم تشبه تماما أن يضرب المرء رأسه في الحائط. هرب أبو قاسم إلى عمّان، حيث ينتظر الآن أن يدعمه المجتمع الدولي بالمال والسلاح لقتال الدولة الإسلامية، والندم على اخطاء الثورة الفاشلة.

"كانت مقاومةً نبيلة"، قال أبو قاسم. "لكنها كانت غبية".

إنهم رجالٌ مثل أبو قاسم تحديدا الذين يشير إليهم بعض المسؤولون العراقيون الآن كسببٍ لعدم قيامهم بتسليح المقاتلين السنة بحماسٍ أكبر. حارب الفهداوي على الأقل الدولة الإسلامية في العراق والشام منذ البداية، بينما وضع أبو قاسم نفسه ضد الحكومة العراقية مرتين. مع وجود أسلحةٍ أكثر، يخشى مسؤولي الحكومة من أنه قد يفعل ذلك مرةً تالثة.

***

رغم اختلاف مساراتهم منذ الغزو الأمريكي في 2003، فلدى أبو قاسم والفهداوي مساحاتٍ أكبر من الإتفاق عن الإختلاف. يكن كلاهما استياءً عميقا نحو الحكومة العراقية، متهمين إياها بتهميش السنة وتجاهل مطالبهم السياسية المشروعة. كلاهما يفضلان أن يحارب المقاتلون المحليون دفاعا عن محافظتهم، بدلا من الإعتماد على مقاتلي الميلشيات الشيعية الذين يخشون من أنهم سوف يجلبون معهم الموت والدمار فقط.

بينما يكافح الكثير من السنة المعارضين للدولة الإسلامية والنخبة السياسية الشيعية في البغداد لتجاوز اختلافاتهم، تتقدم الدولة الإسلامية عبر الأنبار. بالنسبة لأبو قاسم والفهداوي، لم تكن بغداد أو الميليشيات هي التي كانوا يتطلعوا إليها من أجل المساعدة – وإنما الولايات المتحدة.

يذكر الفهداوي قصةً ذات مغزى رواها لجورج دبليو بوش الرئيس الأمريكي آنذاك عندما قابله في البيت الأبيض: دخل اثنان من الجنود في تحدي، وأصاب أحدهما الآخر بجروحٍ مميتة. معتقدا انه ضد ميثاق شرفه أن يقتل خصما جريحا، توجه المنتصر لمغادرة ساحة المعركة – لكن الرجل الجريح ناداه، مناشدا اياه أن ينهي معاناته إما بالموت أو بالعلاج.

"العراق والولايات المتحدة هما الجنديان، والعراق تنزف الآن"، استخلص الفهداوي. "لذا فإنه واجبك أخلاقيا إما أن تقتل العراق، أو تداويها".

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب