الرمادي لا تشكل سوى جزءًا من مشكلة العراق

مقال رأي

 تمثل الهزيمة العراقية في الرمادي تحذيرًا، ولكنه ليس تحذيرًا أكبر من "النصر" العراقي المزعوم في تكريت الشهر الماضي، أو من كل الإشارات الأخرى التي تظهر عن التدخل الأمريكي في العراق وسوريا.

تحتاج الولايات المتحدة على وجه السرعة لإعادة تقييم موقفها الاستراتيجي الراهن في كل من العراق وسوريا. إنها تحتاج قدرًا أكبر من الواقعية خلال تشكيل جهودها العسكرية ومقدارًا أكبر من الصدق والشفافية في تقييم مخاطر تلك القرارات. قد يكون المستوى الحالي من التدخل العسكري الأمريكي محدودًا جدًا ومقيدًا جدًا بدرجة لا تسمح بنجاحه، ولكن خطر التعرض للفشل سيكون مرتفع حتى لو استخدمت الولايات المتحدة قوة إضافية أكثر فعالية.

إن هزيمة كبرى مثل الرمادي ليست سوى جزءًا من المشكلة. لا يمكن للولايات المتحدة التركيز على الدولة الإسلامية، أو داعش، وكأن العراق وسوريا ليسا دولتين فاشلتين لديهما مشاكل أعمق بكثير. إن الانقسامات في العراق بين الحكومة المركزية التي يقودها الشيعة العرب، والسنة العرب والأكراد لا تزال حرجة.

ما حدث في تكريت لم يكن انتصارًا، وذلك ببساطة لأن داعش طردت بتكلفة كبيرة. لقد كانت هزيمة بنفس القدر، لأن هذه المعركة جرى خوضها بجيش عراقي كان مضطرًا إلى الاعتماد على الميليشيات الشيعية التي يخشاها معظم العراقيين السنة، ولديه علاقات مع إيران، ولا يولي اهتمامًا كافيًا للمدنيين والأضرار الجانبية، ويمكنه الانتقام من الأبرياء. كانت معركة تكريت حالة أخرى وسط الكثير من الحالات التي التزم  الجيش العراقي بها قبل أن يستعد بالكامل. وبينت إن العراق يحتاج بذل جهد أكبر بكثير وأكثر فعالية في برنامج الولايات المتحدة للتدريب والمساعدة. مثل هذا الجهد، الذي يتضمن ملازمة مستشارين أميركيين للوحدات القتالية الأمامية، ويمكن أن يساعد في تطوير القادة العراقيين، ويساعد على نجاح نظام الدعم والتعزيزيات، واستخدام القوة الجوية للولايات المتحدة وحلفائها على نحو فعال.

إن الجهود الأمريكية المحددة التي بذلتها إدارة أوباما أبقت الأمريكيين بعيدًا عن الإصابات، ولكن نتج عنها في العراق تمكينًا لإيران أكثر من كسب التأييد للولايات المتحدة. والأسوأ من ذلك، فشلت حملة تكريت في إعطاء السنة في العراق الطمأنينة التي يحتاجونها بأن الحكومة المركزية ستدعمهم في مقاومة داعش أو في متابعة هزيمة داعش بجهود فورية لتأمين تكريت والسماح لسكانها العرب السنة بالعودة.

أما الهزيمة في الرمادي فلم يكن ينبغي لها أن تحدث ببساطة. حاول كبار القيادات السياسية العراقية مثل رئيس الوزراء حيدر العبادي اجتذاب السنة العراقييين إلى القتال، وقدم لهم الدعم والأسلحة. بدا واضحًا أن هناك محاولة لتوفير تعزيزات للجيش العراقي ودعمًا جويًا أمريكيًا. لكن العبادي وحكومته يواجهون مشاكل خطيرة إن لم يكن قاتلة خلال الجهود الرامية إلى بناء ودعم القوى السنية على نحو فعال. وثبتت صحة العديد من تحذيرات وسائل الاعلام التي تقول إن الجيش العراقي ووزارة الدفاع ما زالا مهشمين، وذوي دوافع مثبطة، وغير كفء.

وقد أظهر الانهيار وحالة الهلع التي عاناها اللواء 8 من الجيش العراقي والشرطة العراقية مرة أخرى أن هناك حاجة إلى جهود استشارية أمريكية أقوى بكثير وينبغي تعيين مستشارين أميركيين في مواقع مهمة حيث يمكنهم المساعدة على ضمان أن تتاح للقادة العراقيين الأكفاء الإمدادات والتعزيزات المناسبة وأن يزاح غير الأكفاء عن مناصبهم. فمن الواضح تمامًا صحة التحذيرات التي قدمها كبار الضباط الامريكيين في ربيع عام 2014 بأن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي قد ترك الجيش العراقي مهشمًا لدرجة أنه يحتاج سنتين إلى ثلاث سنوات لإصلاحه - حتى ليصل إلى مستوى 12 لواءً فعالًا.

في نفس الوقت، لن تنجح جهود الجيش الامريكي إلا إذا أصبحت حكومة العبادي قوية بما فيه الكفاية لرأب الفجوة بين العرب السنة والعرب الشيعة، والحد من دور الميليشيات الشيعية وإيران في تقسيم البلاد. كما أنها لن تنجح أيضا إذا فقد سنة العراق الثقة في الحكومة المركزية، ولم يقدموا قواتًا محلية، وإذا تجاهلوا الجيش العراقي بشكل كبير.

وأقصى ما يمكن لجهود الولايات المتحدة الاستشارية الأقوى أن تقوم به هو أن تساعد القوات العراقية في إلحاق هزائم تكتيكية في مواجهة داعش. لا يمكنها أن تنتصر على المستوى الاستراتيجي دون مستوى أكبر بكثير من الوحدة العراقية، ولا يمكنها إنشاء مناطق آمنة في الغرب حيث يمكن للسنة أن يعيشوا حياة آمنة وطبيعية، ولا يمكنها سد الفجوة الطائفية المتنامية بينهما.

الولايات المتحدة أيضا لا يمكن أن تساعد العراق على استعادة الموصل والمناطق التي فقدت في نينوى إلا إذا كان بإمكانها أن تخلق وجودًا استشاريًا متساويًا وفعالًا مبني على الهجوم لكل من الجيش العراقي والقوات الكردية، ويمكنها القيام بذلك في مناخ سياسي واقتصادي يتعاون فيه أكراد وعرب العراق في استرداد الشمال، ويكونا مستعدين لتقديم تنازلات بشأن كيفية تنظيم المناطق المحررة واستعادة نوع من الحياة الطبيعية ومن الاقتصاد.

المناطق التي تسيطر عليها داعش في الشمال يعيش فيها سكان أكثر من الانبار في جنوب غرب البلاد، وأغلبهم من العرب السنة الذين تتعارض رغباتهم بشدة مع الأكراد العراقيين. في نفس الوقت، هؤلاء السكان لن يكونوا مواليين أو مستقرين إذا شعروا إن الحكومة المركزية والثروة النفطية العراقية يهيمن عليهما الشيعة وإيران على حسابهم. مثلما يبين تقرير أخير أصدرته إحدى مجموعات الأزمات حول أكراد العراق، فالأكراد أنفسهم منقسمون بشدة، ويقدمون مشاكل رئيسية في إنشاء حكومة وحياة مستقرة إلى حد ما في الشمال.

تمثل الموصل ونينوى - وليس الرمادي والأنبار- الجائزة الاستراتيجية التي هي مفتاح وحدة العراق، ويخلقا نوعًا من الفدرالية التي تعطي السنة في العراق وضعًا وأمنًا. ولكن، هذا الواقع يكشف عن وجود فجوة في استراتيجية الولايات المتحدة. لم يوضح أحدًا في إدارة أوباما أبما كيف يمكن للجيش العراقي تحرير وتأمين الموصل ونينوى اذا استمرت الحرب الأهلية في سوريا عبر الحدود، وإذا استمر نشاط داعش أو أي شكل آخر من الحركات الجهادية السنية. لا يوجد حل للعراق دون حل لسوريا، ولن ينتج الكثير عن القصف المتقطع وتدريب ما يصل الى 15000 من المتطوعين على مدى السنوات الثلاث المقبلة لتوفير مثل هذا الحل.

وهذا يقودنا إلى مشكلة أوسع نطاقًا في نهج إدارة أوباما. كما هو الحال مع أفغانستان في وقت سابق مع اليمن، وفشلت الإدارة في تقديم أي شفافية صادقة حول تأثير حدود استراتيجيتها الحالية، ومهمة التدريب والمساعدة، ودورة القتال الواقعي، ومخاطر وجدوى النموذج الحالي من التدخل العسكري الأمريكي. لم تكن هناك أي خطط موضوعية، أوتقييم مخاطر، أو إبلاغ عن التقدم المحرز – بل فقط ادعاءات غير محددة إيجابية، وتقارير جوفاء وكأنها تقارير المفتش العام الرئيسي حول الصراع، وهو التقرير الذي يفشل تماما في أن بقول أي شيء ذا مغزى عن سير الحرب.

كما أنه من الواضح جدا أن حملتي الولايات المتحدة الحاليين – الحملة الجوية وحملتها للتدريب والمساعدة- ليسا كافيين. ولكن ما هو غير واضح تماما هو ما إذا كانت الإدارة لديها استراتيجية قابلة للطبيق، تقول أن مخاطر التورط في الانقسامات العراقية العميقة والحرب الأهلية السورية يمكن التغلب عليها، وأن الإدارة على استعداد أن تكون صادقة في إعلان الجدوى والمخاطر أمام الشعب الأمريكي أو الكونجرس.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب