العالقون في اليمن: قصة شخصية

مقال رأي

"لن تسافر غدًا"

كان ذلك نصّ الرسالة التي تلقيتها منذ أسبوع من منظمة الهجرة الدولية، التي يفترض أنها تساعد الأمريكيين في الخروج من اليمن.

كان من المقرر أن أغادر صنعاء في اليوم التالي، ولكنني تشككت في الأمر. فقد كان يفترض أن أغادر صنعاء في عدة مرات سابقة، منذ يومين، منذ أسبوعين، وهكذا. ولكن ذلك لم يحدث أبدًا.

كحال المئات – ويحتمل الآلاف – من المواطنين الأمريكيين العالقين في اليمن، كنت أحاول أن أغادر صنعاء منذ بدء الحملة الجوية ذات القيادة السعودية الشهر الماضي، التي فاقمت وضعًا كان فوضويًا بالفعل ونتج عن انهيار الحكومة اليمنية، في يناير.

في البداية، حجزت تذكرة على الخطوط الجوية التركية، ولكن تم إلغاء الرحلة وسط الغارات السعودية المستمرة. ثم تعرض مطار صنعاء الدولي للقصف، وأصبح واضحًا أن الرحلات التجارية لن تعاود الانطلاق في أي وقت قريب.

ثم اتجهت للحكومة الأمريكية طلبًا للمساعدة. منذ بداية الأزمة، تعرضت وزارة الخارجية الأمريكية لانتقادات شديدة لعدم إجلائها للمواطنين الأمريكيين من اليمن، حتى مع ترتيب الهند، روسيا، ودول أخرى لرحلات جوية وسفن لمواطنيهم. ومع مواجهتها لردة فعل شعبية غاضبة، حولت وزارة الخارجية المواطنين الأمريكيين في النهاية إلى منظمة الهجرة الدولية.

كنت متفائلًا في البداية. حيث أخبروني إن هناك رحلة تابعة للمنظمة خلال يومين فقط – حتى أنني تمكنت من إحضار قطي، وهو قط مشرد تبنيته بعد أن وجدته في كوخ خشبي وراء شقتي القديمة. ولكن لم يحدث أي شيء بعد ذلك، ومع مرور الأسابيع، تغير فرد المنظمة المسؤول عن تنسيق رحلات الإجلاء، أي أنني كنت أتحدث مع عدد من الشخصيات دائمة التغيير.

قال آخر ممثل للمنظمة تحدثت معه إن لديهم رحلات أيام 28، 29، و30 أبريل، لأن السعودية أعلنت أنها ستوقف القصف. إلا أنها عاودت القصف يوم 28، وبالتالي تم إلغاء الرحلات.

يوم 30 أبريل، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانات محدثة للأمريكيين في اليمن مع كتابة الآتي بخط سميك: "ليس هناك خطط لإجلاء منسّق من قِبَل الحكومة الأمريكية للمواطنين الأمريكيين هذه المرة. إن أردت مغادرة اليمن، يجب أن تنتبه للفرص الأخرى للمغادرة".

وبالتالي فإنني أقضي أيامي حاليًا في محاولة للعثور على المكان النادر الذي به كهرباء، حيث يمكنني استخدام الإنترنت أو شحن هاتفي. وفي الليل، أستمع إلى الطائرات الحربية السعودية أثناء قصفها للمدينة. إنه طقس ممل.

إذن، كيف تبدو الحياة الآن في صنعاء؟ وهي مدينة خاضعة حاليا لسيطرة الحوثيين، المتمردين الشيعة الذين تستهدفهم الحملة الجوية السعودية. تبدو صنعاء الآن هادئة على نحو غريب، على الأقل خلال النهار. ودون توافر الكهرباء، جميع المحال التجارية تقريبا مغلقة. عاد الكثير من المقيمن في المدينة إلى قراهم أو غادروا البلاد. أصبحت الحياة في الشارع شبه متوقفة، بسبب عدم توافر أي وقود تقريبًا للسيارات والدراجات النارية.

منذ أيام قليلة، استأجرت دراجة نارية للعثور على أي فرع لشركة "ويسترن يونيون". كان ذلك في حوالي الساعة الرابعة عصرًا، وهو توقيت يتسوق فيه السكان وتكون الشوارع مكتظة في الأوضاع العادية. ولكن لم يكن هناك أي زحام في ذلك اليوم.

استمرينا في القيادة لمدة ساعة، ولكن لم نتمكن من العثور على أي فرع مفتوح للشركة (فروع "ويسترن يونيون" منتشرة في صنعاء، بما أن الحوالات المالية من الأقارب المقيمين في الخارج تعتبر مصدرًا رئيسيًا للدخل هناك). وجدنا أخيرًا فرعًا مفتوحًا، ولكنهم لم يتمكنوا من صرف أي أموال لأن المولد الكهربي الخاص بهم، والذي يشغل حواسبهم، قد نفذ وقوده.

أبرز ما يحدث في أيامي مؤخرًا يجري بين الساعة الثامنة والعاشرة مساءً، حيث يذهب الكثير منا، سكان الحي، إلى المسجد لاستخدام مولده في شحن هواتفنا. فقد غابت الكهرباء المركزية لعدة أيام، ويتمكن الأشخاص ذوي المعارف والمساجد فقط من الوصول إلى الديزل أو أي نوع مطلوب من الوقود لتشغيل المولدات. تصبح الميدنة حاليًا شديدة الظلام خلال الليل، لدرجة تمكنك من رؤية مجرة درب التبانة.

أصبح شحن الهواتف في المسجد طقسًا ليليًا لنا خلال الأسابيع القليلة الأخيرة – إنه نوع جديد من التواصل الإجتماعي. حيث يتجمع المقيمون بالحي، يتبادلون القيل والقال، ويدخنون السجائر. كانت إحدى الليالي مفاجئة، فقد سمعت أقسى لغة موجهة ضد الولايات المتحدة خلال سنواتي الثلاث في اليمن. حيث تؤطر وسائل الإعلام التهديد السعودي والأمريكي كتهديد واحد متطابق.

الكهرباء، أو غيابها هناك، موضوع رئيسي للمحادثة. لقد انقطعت الكهرباء بالفعل بشكل تام لعدة أيام. وأصبحنا مؤخرًا نحصل على ساعة أو ساعتين يوميًا من الكهرباء المركزية. ولكن خلال الأيام العديدة الماضية انقطعت مجددًا. تفيد آخر الأخبار إن العاصمة على بعد أيام من انقطاع تام للتيار الكهربي، أي أنه لن يكون هناك أي كهرباء، اتصالات، أو إنترنت. إن حدث ذلك، ستنقطع اليمن بشكل فعال عن العالم الخارجي.

حتى الآن، لم تنخفض إمدادات الطعام بشكل كبير، رغم ارتفاع الأسعار. كما تصبح المياة شحيحة ومكلفة. إلا أن السوق الوحيد الذي يبدو غير متأثر – على الأقل من حيث الإمدادات – هو القات، النبات المخدر بشكل معتدل الذي يستهلك على نطاق واسع للغاية في اليمن. قال لي أحد تجار القات ذات مرة إن القات مقاوم للركود – أي أن أسواق القات دائمًا قائمة وعاملة.

يتمثل التخوف الآخر، إلى جانب إمدادات الكهرباء، في القصف الليلي بالتأكيد. حيث أعيش بالقرب من ميدان التحرير، الذي لم يتعرض للقصف. ولكن السعودية تقول إن حملتها الجوية موجهة نحو الأهداف العسكرية، مثل مستودعات الأسلحة. عندما يقصف السعوديون، تطلق الأسلحة الآلية الثقيلة نيرانها في السماء. والأمر مسرحي تمامًا، فالطائرات تحلق خارج نطاق الأسلحة.

مع كتابتي لهذه السطور، توقفت حملة القصف خلال هذه الليلة. بعد أن كان السعوديون يقصفون كل ليلة تقريبًا. وكان الأمس حافلًا بشكل خاص. حيث حلقت الطائرات على ارتفاع منخفض فوق الطرف الجنوبي للمدينة خلال النهار، ما مثل مفاجأة. كما قصفوا المطار في ذلك اليوم، ما لا يبشر بالخير بالنسبة لاحتمالات مغادرتي.

خلال الأيام القليلة الماضية، ازداد الوضع سوء، فقد كنت أفكر في محاولة المغادرة عبر الميناء في المخا، ثم ركوب قارب إلى جيبوتي، حيث أخبرت أن السفارة الأمريكية تساعد الأمريكيين في الوصول إلى المطار الدولي. ولكن حتى تتخذ ذلك الطريق، عليك أن تجد سائقًا تثق فيه، وسيارة تستهلك الغاز الطبيعي، لأن النفط العادي شحيح ومكلف للغاية حاليا. إنها رحلة مكلفة وعالية المخاطر تستغرق حوالي سبع ساعات بالسيارة، ثم 12 ساعة أو أكثر عبر البحر، إن كنت ثريًا كفاية لتجد قاربًا متاحًا عندما تصل إلى الميناء.

وصفت لي شقيقة مواطنة يمنية أمريكية هربت من البلاد مؤخرًا كيف وازنت أختها خيارات الهروب. حيث قلقت عائلتها من أن اتخاذ طريق الهروب عبر المخا يتطلب الكثير من السفر. بينما طلب رجل 2000 دولار مقدما لنقل المقيمين إلى خارج اليمن عبر السعودية. بدلًا من ذلك، انتهى الحال بشقيقتها بركوب حافلة إلى السعودية، لكن عبور الحدود بجوازات سفر أمريكية مثل مخاطرة. ونجحت شقيقتها في الوصول، إلا أنها كانت "تجربة مروعة".

حتى وسط القتال، لا يزال حسن الضيافة اليمنية متوافر. حيث يطمئن جيراني على، ويراني الحراس الحوثيون للمجمع السكني كل يوم ويلوحون لي. إنهم يتقبلون الرجل الأبيض الطويل، 1,8 متر، الذي يتجول في الأنحاء – وهو مشهد نادر الحدوث هذه الأيام. تتمثل المشكلة الرئيسية في الملل. فمع غياب الكهرباء، يشغل النوم أيامي، ثم في رحلتي المسائية إلى المسجد لشحن هاتفي.

اتصلت مؤخرًا بمدير مركز اللغة العربية والدراسات الشرقية، مركز تعلم اللغة الذي درست به عندما وصلت لليمن لأول مرة. استضاف المركز، في ذروة عمله، مئات الطلاب الدوليين، بينهم الكثير من الأمريكيين. سألت المدير إن كان في استطاعته مساعدتي في المغادرة. ولكنه لم يستطع، فقد أغلق المركز منذ أواخر يناير.

كانت محادثتنا محزنة، لقد أثقلته تلك السنة المنصرمة في اليمن. وشرع في البكاء أثناء حديثنا هاتفيًا.

تتركز خططي حاليًا على الرحلة القادمة لمنظمة الهجرة الدولي. كان من المفترض أنها غدًا – الثلاثاء – لكنهم أخبروني يوم الأحد أنه جرى تأجيلها إلى السابع من مايو. على نحو غريب، لن تنقلني الرحلة، إن انطلقت في أي يوم، إلى مركز دولي مشترك مثل مصر، الأردن، أو حتى جيبوتي، ولكن إلى العاصمة السودانية، الخرطوم، أحد الدول الأعضاء في التحالف ذي القيادة السعودية ضد الحوثيين.

كنت قد سألت سابقًا السيدة التي على اتصال بي من منظمة الهجرة الدولة عما سيحدث إن حدث الانقطاع التام للكهرباء، كما هو متوقع. كيف سيخبرونني – أو الآخرين – بشأن الرحلة؟

قالت لي كتابيًا: "نحن نتابع تلك الأخبار أيضًا"، "فلنأمل ألا يحدث ذلك في أي وقت قريب".

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب