القمع في مصر: أسوأ من عهد مبارك

مقال رأي

يصعب قياس شعبية عبد الفتاح السيسي، ولكن يبدو أن معظم المصريين موافقين على رئيسهم. فقد أدى الاضطراب الذي خيم خلال السنوات الأخيرة، الذي بدأ بالإطاحة بحسني مبارك، في عام 2011، واستمر خلال فترة الرئيس محمد مرسي الفوضوية، وانتهت بالإطاحة به عام 2013، إلى اشتياق الكثيريين إلى النظام والاستقرار. وقد وفر الرئيس السيسي، وهو جنرال سابق، المطلبين. يمكن إدراك الشعور بالارتياح في شعار المناصرين للحكومة: "على الأقل لسنا مثل العراق أو سوريا".

ولكن ما المقابل؟ منع السيسي مصر من الانزلاق إلى الفوضي، كذلك قمع المنتقدين دون كلل. وواجه عدة آلاف من المعارضين، العلمانيين والإسلاميين، السجن، كما لقي ألف على الأقل مصرعهم. حيث قال الرئيس السيسي: "ليس لدينا رفاهية القتال والخصومة". ولكن عاداته الاستبدادية تجعل مصر تبدو إلى حد كبير مثلما كانت قبل الربيع العربي، عندما حكم مبارك بالحديد والنار، وهو رجل عسكري أيضًا. فالقمع أصبح أسوء الآن، حسبما يرى الكثيرون.

تحمل تنظيم الإخوان المسلمين الخاص بمرسي العبء الأكبر من القمع الأمني. فالسيسي، وهو القوة وراء الانقلاب، جرد التنظيم الإسلامي من السلطة وسحقه، بالإضافة إلى إعلان التنظيم منظمة إرهابية. تعرض المئات من داعمي التنظيم للقتل على يد قوات الأمن خلال الاحتجاجات. كما حكم القضاء المسيس بالإعدام على مئات آخرين (خفف العديد من تلك الأحكام). بينما واجه مرسي حكمًا أخف بشكل طفيف، يوم 21 أبريل، عندما حكم عليه بالسجن لعشرين عامًا بتهمة التحريض على قتل المتظاهرين، في عام 2012، يا للمفارقة. لكنه لا يزال يواجه تهمتين أخرتين تحملان له الإعدام.

على سبيل التحسر على المناخ السياسي المؤسف، قررت عدة أحزاب معارضة أن تقاطع الانتخابات البرلمانية التي كان من المنتظر إجراءها في مارس. كانت تلك الانتخابات لتقام في "بيئة مليئة بالقمع والكراهية والانتقام"، حسبما قال حزب البناء والتنمية، وهو حزب إسلامي. انتقد حزب الدستور الليبرالي "انتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة" التي تمارسها الحكومة. إلا أن الانتخابات تم تأجيلها بعد أن حُكم بعدم دستورية القانون المنظّم لها. يقول المنتقدون إنه كان مصاغًا لتشكيل برلمان تابع تمامًا للرئيس، الذي يستمر في الحكم دون رقيب. بينما يظن القليلون أن القانون الجديد، المنتظر صدوره بحلول نهاية العام، سيكون أكثر عدلًا.

حثّ السيسي جميع الأحزاب على تشكيل "ائتلاف شامل" يمكن للرئيس دعمه - وعلى نحو محتمل، أن يدعم الرئيس. إنه التكتيك المفضل. فالرئيس عادة ما يدعو للوحدة. فقد طلب العام الماضي من الصحافة أن "تترفق بالشعب المصري" و"تتنبه لما تتلفظ". لكن في إطار تصوير نفسه كحامي مصر، حوّل السيسي منتقديه إلى أعداء للدولة. كذلك تبدو مناشدات حكومته الأقل علانية من أجل التماسك كمطالب على نحو أكبر.

هناك مزاعم حول إعطاء مساعدي السيسي، خلال حملته الانتخابية، في عام 2014، لتعليمات لمقدمي البرامج التلفزيونية حول كيفية الترويج لترشحه، حسبما تظهر تسجيلات صوتية مسربة. حيث كان من المقرر أن يقدم السيسي كرجل متواضع.

أُغلقت المنصّات الإعلامية الموالية للإخوان المسلمين. كما امتنعت معظم وسائل الإعلام الخاصّة، والتي تتحكم فيها نخبة صغيرة، عن انتقاد الحكومة، إلى جانب ترديد وجهات نظرها. وفي إشارة إلى ممارسة الرقابة الذاتية، تقول خلود صابر، من مؤسسة حرية الفكر والتعبير، إن: "المناخ العام للإعلام في أسوء أوضاعه إطلاقًا".

رغم ذلك، أصبحت بعض المنصّات أكثر حزمًا، وكذلك أكثر مواجهة للنظام. فقد انتقدت عدة صحف، حكومية وخاصّة، مؤخرًا، انتهاكات الشرطة ووزارة الداخلية. واستجابت الوزارة بالاعتقالات والترهيب. كذلك تم استهداف المراسلين الأجانب. حيث قضى ثلاثة من صحفيي الجزيرة، الشبكة التلفزيونية القطرية المتعاطفة مع تنظيم الإخوان، 400 يوم في السجن إثر مزاعم بالإضرار بالأمن القومي. كانت محاكمتهم صورية، حسبما وصفتها منظمات حقوقية.

لم يكن حال المجتمع المدني أفضل كثيرًا. فبينما كانت تواجه المنظمات غير الحكومية أثناء عهد مبارك بالتغاضي، طالما كانت خطواتها هينة، كانت تواجه في عهد مرسي بالتجاهل إلى حد كبير. لكن في عهد السيسي "ليس هناك أمل"، حسبما عبّر محمد زارع، من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان. حيث نقلت منظمته معظم موظفيها إلى تونس بعد تلقي تهديدات. بينما رحلت منظمات أخرى، مثل هيومن رايتس ووتش ومركز كارتر، حيث مقرهما الرئيسي بأمريكا.

أما المنظمات المتبقية فأصبحت ملزمة بالتسجيل في الوزارة التي تستحق اسمها، وزارة التضامن الاجتماعي، حيث تكون خاضعة لقانون قديم نادر التطبيق يتيح للحكومة سلطة واسعة على أنشطة المنظمات وتمويلها. استخدمت القوانين مبهمة الألفاظ، الخاصّة بحظر الاحتجاجات والتنظميات الإرهابية، في مضايقة المنظمات غير الحكومية وفي سجن العاملين بها. صدر قانون للإرهاب، في ديسمبر، قد يوقع بالمزيد من النشطاء، حيث ينص على أنه من يسعى إلى "الإضرار بالأمن القومي"، أو "الإخلال بالوحدة الوطنية"، أو "تكدير الأمن أو السلم العام" سيواجه السجن مدى الحياة إن كان ممولًا من أجانب. لكن معظم منظمات المجتمع المدني الأكبر في مصر تمول من الخارج بسبب ضعف التبرعات في مصر.

كما أثارت الحكومة خوف الأشخاص العاديين من التدخل الأجنبي – من أمريكا وأوروبا وإسرائيل، حسبما يفترض – لحشد المصريين وراء حملتها القمعية، رغم طلبها من الكثير من هؤلاء الأجانب أنفسهم أن يستثمروا في الاقتصاد المصري. بل في الواقع، يتذمر النشطاء من غياب الضغط الخارجي على السيسي. فالعديد من الحكومات الأجنبية تعتبره حائط صد أمام التطرف الإسلامي في المنطقة. أما أمريكا، التي يمكنها التأثير على الحكومة عبر تعليق المعونة العسكرية، فلا تزال تقدم أسلحتها.

يظن السيسي أنه قد أسييء فهمه. فقد شدد السيسي، متوددًا إلى المستثمرين الأجانب بالمؤتمر الاقتصادي، في شهر مارس، على الاستقرار الذي حققه حكمه. وقال إن الأمن والازدهار يمثلا بشائر ضرورية لحرية أكبر. لكنه يظهر في الكثير من الأحيان أكثر اهتمامًا بتعزيز سلطته، وقد تكون أفعاله مؤدية لهزيمته. يجد المصريون الآن منصّات أقل للتعبير عن مظالمهم. فبعد أن واجهوا القمع في الماضي، توصل البعض إلى وسائل أخرى، أكثر عنفًا، للتعبير عن آرائهم. كما تزداد وتيرة التفجيرات التي تنفذها مجموعات متشددة، متيحة للسيسي أسبابًا أكثر لإحكام قبضته.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب