المدافعون عن اليرموك

تقرير صحفي

  الشوارع هنا خالية تقريبًا، باستثناء مقاتل غريب يجري من زقاق إلى آخر. والمباني في هذا الربع الشمالي مدمّرة تمامًا: تم حفر ثقوب في الجدران الداخلية للسماح للمقاتلين بالتحرك دون المرور عبر الأزقة التي يستهدفها القناصون بالخارج، وعُلقت الستائر الضخمة عبر الثقوب الواسعة لإخفاء تحركات مقاتلي المعارضة.

في الطابق الثالث من أحد المباني المدمّرة، يجلس "ثائر" بصبر على كرسي من البلاستيك، حاملًا على كتفه بندقية قنص، ولا تحيد عينيه أبدًا عن المنظار المقرّب. لم يتحرك الفلسطيني ذو الوجه الطفولي الذي يبلغ من العمر 20 عامًا من موقعه طوال الصباح، يرصد مدخل نفق اكتشفه ينتمي إلى جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة. يمشي قائده ومقاتل آخر على رؤوس الأصابع بهدوء وراءه، في حرص على عدم إصدار أي ضوضاء يمكن سماعها من خلال الستارة التي تفصلهم عن المسلحين الذين يقبعون على الجانب الآخر من الشارع.

يهمس: "انظر هناك. هذا هو المدخل. إنهم يأتون من هناك"، ويشير إلى ثقب يكاد لا يكون مرئيًا بين أنقاض المبنى المقابل.

ثائر مواطن من مخيم اليرموك، يقاتل منذ عامين مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة، وهي مجموعة فلسطينية مسلحة وطنية مقرها سوريا. أسسها ويديرها أحمد جبريل، تتركز في مخيم اليرموك وهي حليف مقرّب من الحكومة السورية. هربت أم ثائر وشقيقته إلى إحدى ضواحي دمشق بعيدًا عن العنف قبل عامين عندما اشتد القتال في المخيم. لكنه بقي لمساعدة رفاقه، وجعلت منه المعارك المستمرة واحدًا من ذوي الخبرة في التسديد. يقول: "لقد قتلت الكثير من الأهداف. لست خائفًا منهم، من داعش". مستخدمًا اللفظ المختصر للحديث عن الدولة الإسلامية.

بعد عامين من المعارك داخل المخيم، لم يعد اليرموك الآن سوى قشرة خارجية لما كان عليه سابقًا، وازداد الوضع سوءً مع الهجوم الأخير من الدولة الإسلامية. استوطنت الجبهة ومقاتلو المعارضة المعسكر، رافضين التخلي عن أي أرض. مستقبل المخيم قاتم، ويبدو أن هذه المعركة بالذات ستستمر إلى أجل غير مسمى.

يقع القسم الشمالي لمخيم اليرموك الآن تحت سيطرة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة، في حين أن الجيش السوري وقوات الدفاع الوطني، وهي مليشيا تمولها الحكومة، تحيط بالضواحي الغربية والشمالية. ويقع ما تبقى من المخيم تحت سيطرة جبهة النصرة، والدولة الإسلامية، وجماعات المعارضة الأخرى. تبدأ الأجزاء الجنوبية والشرقية من المخيم بأحياء واقعة تحت سيطرة المعارضة.

في أوائل أبريل، تسللت الدولة الإسلامية إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في اليرموك، التي تُعَد واحدة من أكبر المخيمات الفلسطينية في سوريا، وكانت موطنًا لحوالي 250 ألف شخص. وقد سهلت جبهة النصرة دخول الجماعة الجهادية إلى جنوب المخيم، وفقًا لمسؤوليين ومقاتلين فلسطينيين على أرض الواقع. شهد القتال التالي كسب الدولة الإسلامية للأرض، واستيلاءها على ما يقرب من 70 في المئة من المخيم، في حين أن الجبهة، مستفيدة من الفوضى، كانت قادرة على التقدم في الجزء المتبقي.

اليوم، لم يعد هناك مبنى على حاله؛ يقبع المقاتلون الآن في منازل الآخرين، ينتقلون بين الأرائك الممزقة واللعب المتسخة. في حين أن تقارير من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة قالت إن الدولة الإسلامية سلمت حكم المناطق التي تسيطر عليها المعارضة إلى جبهة النصرة، وتقول تقارير المعارضة الأخرى - وهو الأمر الذي تنفيه الجبهة الشعبية - إن الدولة الإسلامية لا يزال لها وجود كبير، وتقاتل إلى جانب النصرة. ويزعم مسؤولو الجبهة أنهم يكسبون الأراضي ببطء، وأنهم مسيطرون الآن على ما يقرب من 35 في المئة من المخيم.

منذ عام 2012، كان الوضع في المخيم سيء. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، علّق المُقيمون في تبادل لإطلاق النار بين القوات الموالية للحكومة وجماعات المعارضة وعانوا من الحصار الخانق الذي جعل الآلاف من المدنيين في حاجة ماسة للمساعدات. أمّا الآن، فالوضع أسوأ من ذلك: لا يزال ما يقرب من 13000 من المدنيين باقيين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في المخيم فلا تصل المساعدات إليهم تقريبًا، مما يجعلهم في واحدة من أسوأ حالات الإنسانية التي شهدتها المنظمات الدولية أي وقت مضى.

إلا أن النضال من أجل المخيم، لم ينته بعد. يراقب أحمد - وهو مقاتل لا يكاد يكون قد أنهى سن المراهقة بعد - الأجواء لحماية رفاقه بين المباني خلال التبادلات المتقطعة لإطلاق النار.

يقول "لن أتوقف حتى يغادروا المخيّم" مشيرًا إلى الدولة الإسلامية. "ليس لدي أي مشكلة في البقاء هنا في هذا الموقع، لا أنام، وأحفر الأنفاق، وأقاتل. نحن بحاجة للقيام لذلك".

* * *

المقاتلون الفلسطينيون الذين يعملون إلى جانب النظام لا يقاتلون فقط من أجل منازلهم – بل ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم خط الدفاع الأول في العاصمة ضد الجهاديين. يقع مخيم اليرموك على بعد ستة أميال فقط من وسط العاصمة. ويعتقد مسؤولو الجبهة الشعبية -القيادة العامة أن المعارضة أرادت استخدام المخيم كقاعدة لدخول دمشق من الغرب، وهي الخطة التي يقولون إن من وضعها هو رئيس الاستخبارات السعودية السابق، الأمير بندر بن سلطان.

عندما بدأت المعارضة شن هجمات في 2012، استدعي أبو أحمد - وهو رجل بسيط في الخمسينيات من عمره - من لبنان للمساعدة في قيادة الحرب. أصبح قائد الأمن العام للجبهة على الأرض في مخيم اليرموك، كان قد حارب إلى جانب جبريل في السبعينيات و الثمانينيات وهو يعرج في سيره بسبب جرح من معركة قديمة. يشير إلى الأزقة والمباني التي استولت عليها المعارضة في عام 2012، ثم استعادتها الجبهة، مؤكدًا أن المتمردين تمكنوا من شق طريقهم إلى حافة الربع الشمالي من المخيم قبل أن يتم صدهم.

خفّت وطأة القتال العنيف، في صيف عام 2014، في الوقت الذي حاولت الفصائل فيه العمل على وقف إطلاق نار محلي في المخيم.

يقول أبو أحمد "كانت تفاصيل وقف إطلاق النار موجودة وجاهزة للتنفيذ بحلول نهاية مارس 2015 عندما شن إرهابيو داعش والنصرة هجومهم على المخيم، فنسفوا كافة الجهود السابقة." ونتيجة لذلك، استؤنفت العمليات العسكرية وعلقت المفاوضات.

وحيث إن المقاتلين في مخيم اليرموك أصبحوا على بعد أقدام فقط من أعدائهم، أصبح الصراع الآن تحت الأرض. وبات الوصول إلى ساحة ريجي - التي استعادتها الجبهة مؤخرًا من النصرة - متاحًا فقط من خلال نفق تم حفره حديثًا يسير تحت عدة مبان تنتمي الآن إلى المجموعة الفلسطينية.

وفقًا لقائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة، استغرق الأمر من الجبهة ثلاثة أشهر لبناء هذا الممر الخاص. توفر الكهرباء التي تزودهم بها الحكومة السورية ضوءً خافتًا في أنحاء النفق. في بعض المناطق، يتضطر المقاتلون أن يزحفوا على أيديهم وركبهم ليمروا، ساحبين أي معدات عسكرية يمكنها المرور. في منتصف النفق تقع غرفة دورية بها أريكة تواجه العديد من شاشات الدوائر التلفزيونية المغلقة تراقب نقاط مختلفة من المخيم.

يجلس أحمد أبو العز دحام على الأريكة، ويبدو كشخص هائل. إنه طويل القامة، قوي البنية، وله لحية سوداء كثّة، وهو قائد مخضرم بالجبهة، يشرف على مئات من المقاتلين في الربع الشمالي من اليرموك.

"قبل المعركة الأخيرة، سنضرب المسلحين من الأسطح"، يقول وهو جالس يراقب شاشات التلفزيون أمامه. وأضاف "سيكونوا على الأرض، وسنرمي قذائف الهاون عليهم".

"الأمر مختلف الآن. لقد قمنا ببناء أنفاق، ونضربهم من تحت كذلك".

من الواضح أن أعداء المجموعة الفلسطينية اعتمدوا الاستراتيجيات ذاتها. في شريط فيديو صوّره دحام قبل أيام فقط، يظهر مدخل نفق ويقول إنه قد حفرته الدولة الإسلامية وجبهة النصرة. بعد لحظات، أُطلق صاروخ كاتيوشا عيار 107 ملم ملفوف حوله  أكثر من 100 رطل من المتفجرات من الطابق الخامس من مبنى مجاور إلى الحفرة، وأسقط الأنقاض حوله.

قال دحام "لقد قاموا ببناء الأنفاق التي تعلموها من حماس"، وأضاف:"ولكن من علّم حماس ، بل وحزب الله، كيفية بناء الأنفاق في الماضي؟ نحن علمناهم".

* * *

المخيم هو صورة مصغرة عن الولاءات متشابكة التي أوجدتها الأزمة السورية. على سبيل المثال، شهدت المعركة الأخيرة ضد الدولة الإسلامية، عددًا من الانشقاقات عن الجماعة المتشددة التي تسيطر عليها حماس -أكناف بيت المقدس - المتحالفة في السابق مع فصائل المعارضة في المخيم – لتنضم إلى جانب النظام، بعد قطع رأس الدولة الإسلامية لعشرة من رجال أكناف بيت المقدس. لكن المقاتلين الآخرين من المجموعة انشقوا إلى النصرة والدولة الإسلامية. ووفقًا لمصادر فلسطينية، فإن زعيم حماس خالد مشعل- الذي يوجد مقره في قطر - وجه عدة دعوات لزعيم الجبهة الشعبية - القيادة العامة جبريل، وكذلك قادة حزب الله وحركة أمل في لبنان، من أجل تأمين سلامة مقاتلي أكناف بيت المقدس. والآن، ما يقرب من 160 من مقاتلي الأكناف يقاتلون الى جانب النظام، وفقا لمصادر فلسطينية، ولكن لا يزال دحام يراقبهم بعين الشك.

يقول دحام:"أنا لا أثق بأحد، هؤلاء هم نفس الأشخاص الذين سمحوا للنصرة بدخول المعسكر في عام 2012." وأضاف: "الجميع هنا يعمل بشكل مستقل. نحن نقوم بعملنا. وهم يقومون بعملهم. وأنا شخصيًا لا أنسق معهم".

تمزق شمل العائلات لانتماء أعضاءها لمختلف الفصائل. قال دحام "كان لدينا حالة في الآونة الأخيرة حين اكتشف أحد مقاتلي الجبهة أن شقيقه كان يقاتل إلى جانب النصرة". "هذا هو ما نعيشه".

أم يوسف، وهي ممرضة تعمل مع الجبهة، موجودة باستمرار على خط النار. رافضة السماح للمسعفين الأصغر سنًا والأقل خبرة بالذهاب إلى المقدمة، تمرض المقاتلين الجرحى بنفسها. إنها في الأصل من مخيم برج البراجنة في لبنان، وقد انتقلت للعيش منذ عدة سنوات إلى هنا مع زوجها، وهو مقاتل في الجبهة. تم اختطافه وقطع رأسه من قِبَل فصائل المعارضة في عام 2012، ومنذ ذلك الحين غمرت نفسها في عملها.

قالت "مَرّضْتُ مؤخرًا [محمد] زغموت، الحارس الشخصي السابق لـ[زعيم حماس] مشعل." وأضافت "أنا أكرهه؛ أردت أن قتله. حماس خونة لجميع الفلسطينيين. لكنني أديت وظيفتي. ساعدته على أن يتحسن".

يتشارك المقاتلون في الجانب الآخر من خطوط المعركة في هذه الكراهية. يقول نقشًا كُتب على جدار مبنى استعادته المجموعة الفلسطينية "إننا قادمون للقضاء عليكم، يا كلاب الجبهة الشعبية -القيادة العامة".

يضحك مقاتلو الجبهة عندما يمرون على النقش. فيقول أحدهم بعد قراءته "إننا قادمون للقضاء عليهم".

قال دحام "إذا لم نكن نقاتل هنا، سيصبح [المتشددون] قادرين على الوصول إلى دمشق". وأضاف "نحن هنا لحماية المخيم ودمشق. على عكس حماس، نحن أوفياء لسوريا. فقد كانت سوريا وفية لفلسطين".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب