الولايات المتحدة صنفت مراسلًا شهيرًا بقناة الجزيرة على إنه "عضو بالقاعدة"

تقرير صحفي

 وصفت الحكومة الأمريكية صحفي بارز بأنه عضو في تنظيم القاعدة، ووضعته على قائمة مراقبة الإرهابيين المشتبه بهم، وفقًا لوثيقة سرية للغاية تورد تفاصيل جهود استخبارات الولايات المتحدة لتتبع عملاء تنظيم القاعدة من خلال تحليل البيانات الوصفية.

يقول البيان أن أحمد موفق زيدان- مدير مكتب شبكة الجزيرة في إسلام اباد منذ فترة طويلة- هو عضو في الجماعة الإرهابية. زيدان مواطن سوري، ركز تقاريره طوال حياته المهنية على حركة طالبان وتنظيم القاعدة، وأجرى عدة مقابلات رفيعة المستوى مع كبار قادة تنظيم القاعدة، بمن فيهم أسامة بن لادن.

تحمل شريحة بتاريخ يونيو 2012 من عرض تقديمي يخص وكالة الأمن القومي صورَته واسمه ورقم هويته في قائمة مراقبة الإرهابين، وهي تصفه بـ "عضو في تنظيم القاعدة"، وكذلك في جماعة الإخوان المسلمين. وتورد أيضا أنه "يعمل لصالح قناة الجزيرة".

كان العرض بين الوثائق التي سربها عميل وكالة الأمن القومي إدوارد سنودن.

في مقابلة هاتفية قصيرة مع "ذي إنترسبت" نفى زيدان "تمامًا" كونه عضوًا في تنظيم القاعدة أو جماعة الإخوان المسلمين. في بيان نشرته قناة الجزيرة، أشار زيدان أن حياته العملية قد احتوت على سنوات عديدة من العمل الخطير في أفغانستان وباكستان، وتطلب منه إجراء مقابلات مع أشخاص مهميين في المنطقة، وذلك جزء طبيعي من عمل أي صحفي.

كتب زيدان "بالنسبة لنا، لنكون قادرين على نقل الأخبار إلى العالم، علينا أن نكون قادرين على الاتصال بحرية بالأشخاص المعنيين في الخطاب العام، والتحدث مع الناس على الأرض، وجمع المعلومات الحساسة. أي تلميح لمراقبة حكومية تعيق هذه العملية تشكل انتهاكًا لحرية الصحافة وتسيء إلى حق الجمهور في المعرفة." وأضاف  "وتأكيد إنني- أو أي صحافي- لديه أي انتماء إلى أي جماعة بناء على دفتر عناوينهم، أو سجلات مكالماتهم الهاتفية، أو مصادرهم، يعد تشويهًا سخيفًا للحقيقة وانتهاكًا كاملًا لمهنة الصحافة."

وأشار متحدث باسم الجزيرة - وهي خدمة أخبار عالمية تمولها حكومة دولة قطر- إلى قائمة طويلة من الحالات التي تم فيها استهداف الصحفيين من قبل الحكومات التي تنقل أخبارها، ووصف تصنيف زيدان ومراقبته بأنها "محاولة أخرى لاستخدام تقنيات مشكوك فيها لاستهداف صحفيينا، وبفعل ذلك، يحدث انتهاك صارخ لحرية الصحافة."

تستشهد الوثيقة بزيدان كمثال للتدليل على قدرات "سكاي نت" SKYNET، وهو البرنامج الذي يحلل بيانات الموقع والاتصال (أو "البيانات الوصفية") من سجلات المكالمات السائبة من أجل الكشف عن أنماط مشبوهة.

في سلسلة أفلام "ذا ترمينيتور" the Terminator ، يوجد "سكاي نت" كنظام كمبيوتر عسكري واعٍ بنفسه يطلق حرب نووية لإبادة الجنس البشري، ومن ثم يقتل الناجين بشكل منتظم.

وفقًا لهذا العرض، تستخدم وكالة الأمن القومي نسختها من "سكاي نت" للتعرف على الأشخاص الذي تعتقد أنهم يتحركون مثل السعاة الذين تستخدمهم قيادة القاعدة العليا. وجاءت نتيجة تقييم البرنامج لزيدان على إنه من المرجح أنه يقوم بهذا الدور، وهو ما يثير أسئلة مقلقة حول أسلوب الحكومة الأمريكية من تحديد الأهداف الإرهابية على أساس البيانات الوصفية.

ولكن يبدو، أن زيدان كان قد تم تحديده على أنه عضو تنظيم القاعدة قبل أن يظهر في رادار "سكاي نت". فكون أن لديه رقم في قائمة مراقبة الإرهابيين، يعني أن الحكومة لديها ملف مخابرات سابق باسمه. إن بيئة معلومات هويات الإرهابيين، أو "تايد" TIDE، هي قاعدة بيانات تخص الحكومة الأمريكية وتضم أكثر من مليون اسم مشتبه به في اتصاله بالإرهاب، وتتشارك في استخدام "تايد" أجهزة الاستخبارات الاميركية المختلفة.

ولا يحتوي العرض التقديمي على أي دليل لشرح هذا التصنيف.

قال بيتر بيرجن لـ"ذي إنترسبت"، وهو محلل للأمن القومي في CNN، ومؤلف العديد من الكتب حول تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن، "لقد عرفت [زيدان] لأكثر من عقد من الزمان، وهو صحفي من الدرجة الأولى."

قال بيرجن "لديه بالطبع اتصالات وفرص لا تتاح لأي صحفي غربي." وأضاف "ولكن بهذا المعيار، فأي صحفي قد قضى وقتا مع تنظيم القاعدة سيكون مشتبه به." لقد أجرى بيرجن نفسه مقابلة مع بن لادن في عام 1997.

ورفضت وكالة الأمن القومي ومكتب مدير الاستخبارات الوطنية الرد على أسئلة حول أساس إدراج زيدان على قائمة المراقبة وزعم انتماءه لتنظيم القاعدة. ورفضت وكالة الأمن القومي أيضا للإجابة على مجموعة من الأسئلة التفصيلية حول "سكاي نت"، وكيف تستخدم المعلومات عن الناس التي تحددهم.

لكن ما هو واضح من العرض هو أنه في عيني وكالة الامن القومي،  فإن تحركات زيدان ومكالماته تعكس تلك المعروفة عن سعاة تنظيم القاعدة.

وفقا لعرض تقديمي آخر من عام 2012 يصف "سكاي نت"، يبحث البرنامج عن الصالات الارهابية على أساس أسئلة مثل "من الذي سافر من بيشاور إلى فيصل آباد أو لاهور (ذهابًا وعودة) في الشهر الماضي؟ بمن يتصل المسافر عند وصوله؟" وسلوكيات مثل"التبديل المفرط لبطاقة الـ SIM أو للهاتف،" واستقبال "مكالمات واردة فقط،" و"الزيارات إلى المطارات،" و"الرحلات الليلية."

يذكر العرض التقديمي أن بيانات المكالمات الواردة يجرى الحصول عليها من كبار مزودي خدمات الاتصالات الباكستانيين، على الرغم من أنه لم يحدد الوسائل التقنية التي يتم الحصول على البيانات بموجبها.

تطرح وثيقة يونيو 2012 السؤال التالي: "نظرا لوجود عدد قليل من هؤلاء الذين يختارون السعاة، هل يمكن أن نجد آخرين ’يتصرفون بالمثل’"من خلال تحليل البيانات الوصفية للهاتف الخليوي؟ يقول العرض:"نحن نبحث عن أشخاص مختلفين يستخدمون الهواتف بطرق مشابهة،"  ونقيس "نمط الحياة، والشبكات الاجتماعية، وسلوك السفر."

ومن أجل التجربة، غذى المحلل النظام بـ 55 مليون من سجلات الهاتف الخليوي من باكستان، كما تنص الوثيقة.

حددت النتائج شخص تقول أنه "محتمل،" هو زيدان مشيرة إلى أنه الشخص الذي حصلت بياناته على"أعلى الدرجات" يسافر بين بيشاور ولاهور.

تظهر الشريحة التالية الاختيارات العليا الأخرى، مشيرة إلى أن 21 من أعلى 500 اختيار قد تم التكليف بمراقبتهم سابقًا، ومشيرة إلى أن هذا البرنامج "على الطريق الصحيح" لإيجاد أشخاص مثيري الاهتمام. وجزء من تلك القائمة الموجودة على الشريحة تشمل أفراد يفترض كونهم تابعين لتنظيم القاعدة وحركة طالبان، فضلا عن أعضاء في الاستخبارات الباكستانية. لكن في بعض الأحيان تكون أوصاف غامضة. فأحد الاختيارات يقول تعريفه ببساطة " متطرف من السيخ."

كما كشفت وثائق أخرى من تسريبات سنودن، أن أهداف الطائرات دون طيار (درون) غالبًا ما يتم التعرف عليها على أساس تحليل البيانات الوصفية وتتبع الهاتف الخليوي. وقد وصف ذلك مدير وكالة الأمن القومي السابق مايكل هايدن في جملته الشهيرة الأكثر صراحة في مايو 2014، عندما قال: "إننا نقتل الناس على أساس البيانات الوصفية."

لعبت لبيانات الوصفية أيضا دورًا رئيسيًا في تحديد مكان وقتل أسامة بن لادن. استخدمت وكالة المخابرات المركزية أنماط اتصالات الهواتف الخليوية لتعقب سعاة تنظيم القاعدة وتحديد مكان اختباء بن لادن في باكستان.

إلا أن هجمات الطائرات بدون طيار الأمريكية قتلت المئات من المدنيين ومجهولي الهوية من "المتشددين" المزعومين الذين تم تحديدهم استنادًا إلى أنماط أظهرتها الهواتف المحمولة الخاصة بهم.

ولطالما خشى الناس الذين يتطلب عملهم اتصال مع المتطرفين والجماعات التي تعتبرها الحكومة الأمريكية إرهابيين، أنهم هم أنفسهم قد يبدون مشبوهين خلال تحليل البيانات الوصفية.

قال جميل جعفر، نائب المدير القانوني لاتحاد الحريات المدنية الأمريكي "لقد أجرى صحفيين أمريكيين بارزين لقاءات مع أعضاء جماعات إرهابية على القائمة السوداء، بما في ذلك تنظيم القاعدة." وأضاف "سيكون مفاجأةً لي إذا لم يفعل الصحفيين في باكستان نفس الشيء. جزء من مهمة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان هو التحدث الى الناس الذين لا تريد الحكومة أن يتحدثوا إليهم."

تاريخ من استهداف قناة الجزيرة

لا تمثل مراقبة الحكومة الامريكية لزيدان المرة الأولى التي ربطت فيها الجزيرة أو موظفيها لتنظيم القاعدة.

خلال غزو أفغانستان في نوفمبر 2001، قصفت الولايات المتحدة مكاتب الشبكة في كابول. وادعى البنتاجون أنه "مرفق معروف يتبع تنظيم القاعدة."

كان ذلك مجرد بداية. سامي الحاج، مصور قناة الجزيرة، قد سجن من قبل حكومة الولايات المتحدة في جوانتانامو لمدة ست سنوات قبل أن يطلق سراحه في عام 2008 دون توجيه أي اتهام له أبدًا. وقال انه تم استجوابه مرارا حول الجزيرة. في عام 2003، تم منع صحفيي الاقتصاد بالجزيرة من دخول قاعة التداول في بورصة نيويورك للأوراق المالية "لأسباب أمنية". وسرعان ما تبعتها بورصة نازداك.

أثناء غزو العراق، قصفت القوات الامريكية مكاتب قناة الجزيرة في بغداد، مما أسفر عن مقتل مراسلها طارق أيوب. أصرت الولايات المتحدة أن ذلك كان غير مقصود، على الرغم من الجزيرة أعطت وزارة الدفاع إحداثيات المبنى. عندما حاصرت القوات الأمريكية الفلوجة، كانت قناة الجزيرة واحدة من عدد قليل من المؤسسات الإخبارية التي تبث من داخل المدينة، واتهمها مسؤولو إدارة بوش ببث الدعايات والأكاذيب. وقال مراسل الجزيرة في الفلوجة ، أحمد منصور، بأن طاقمه قد استُهدِف من قبل الدبابات، وقصف المنزل الذي كانوا يعيشون فيه بالطائرات الحربية المقاتلة.

كان الشك في علاقات قناة الجزيرة بالإرهاب كبيرا لدرجة أن دينيس مونتجمري، وهو مقاول كان قد حاول سابقًا أن يبيع برنامج للكشف عن الغش في كازينوهات لاس فيغاس، قد تمكن من إقناع وكالة الاستخبارات المركزية أنه يمكنه فك شفرات رسائل تنظيم القاعدة السرية في بث قناة الجزيرة. وقيل أن تلك "رموز" دفعت بوش إلى وقف عدد من الرحلات التجارية العابرة للأطلسي في ديسمبر 2003.

لكن يبدو أن حكومة الولايات المتحدة خففت إلى حد ما رأيها في شبكة الجزيرة في السنوات القليلة الماضية. وانتقدت إدارة أوباما مصر لحبسها ثلاثة من صحفيي الجزيرة بتهمة مساعدة جماعة الإخوان المسلمين. في ذروة الربيع العربي عام 2011، أشادت وزيرة الخارجية وقتها هيلاري كلينتون بتغطية الشبكة، قائلة: "مشاهدين قناة الجزيرة يزدادون في الولايات المتحدة لأنها تقدم أخبارًا حقيقية."

الصحفي وتنظيم القاعدة

ظهر زيدان أول مرة على الساحة الدولية بعد هجمات 11 سبتمبر بسبب وصوله إلى القيادة العليا لتنظيم القاعدة. كتب زيدان كتابًا باللغة العربية على بن لادن، وقابلته شخصيا عدة مرات.

وقال بيرجن "لقد غطى حفل زفاف نجل بن لادن الذي كان بعد وقت قصير من الهجوم على سفينة [يو إس إس] كول، وأعتقد أنه كان عمل صحفي مفيد جدًا، لأن بن لادن ألقى قصيدة عن "كول" وهو ما يعني ضمنا تحمله مسؤولية الهجمات، وهو بالطبع ما فعله في وقت لاحق."

تلقى زيدان أيضا عددًا من رسائل بن لادن المسجلة للأميركيين، والتي تم بثها على قناة الجزيرة.

قال زيدان لبيرجن في مقابلة عام 2002، إنه التقى رجل غامض " نصف وجهه مغطى،" سلمه شريط كاسيت بصوت بن لادن. وقال زيدان لوكالة اسوشيتد برس أنه في عام 2004، أُلقي شريط آخر لبن لادن عند بوابة المكتب. وروى زيدان: "جلبه لي الحارس مع باقي البريد. كان في ظرف، فتحته وكان سبقًا كبيرًا."

 

 

 

 

 

 

 

زيدان، على اليمين، في فيلم وثائقي صنعه للجزيرة عام 2011 حول بن لادن.

الملفات التي تم جمعها من مجمع بن لادن في أبوت آباد بعد وفاته - صدر جزء منها هذا العام - تشير إلى أن أعضاء تنظيم القاعدة وجدوا أن زيدان صحفي شعروا بالراحة في التعامل معه.

في رسالة رسمية بعثت في أغسطس 2010، تناقش خطط زيدان لصنع فيلم وثائقي، يأمر بن لادن نوابه بالإجابة على أسئلة "الأخ أحمد زيدان" وأن "يقولوا له انه سيكون من الجيد لو (أذيع) في الذكرى العاشرة للحادي عشر من سبتمبر. ويحذر بن لادن إن "أي مدخلات أخرى ينبغي أن تأتي" بطريقة غير مباشرة." كما يكتب "إذا كنا نريد لهذا البرنامج أن يكون ناجحًا، لا ينبغي لنا أن نتدخل في تفاصيل صنعه، إلا أنني لا أريد له مقابلة أي فرد من عائلتي."

أصدر زيدان فيلمه الوثائقي على قناة الجزيرة في ديسمبر 2011، وهو يمثل تاريخًا شفويًا لسنين بن لادن في باكستان وأفغانستان، ويتألف من مقابلات مع مجموعة من الناس الذين عرفوه، بما في ذلك مقاتلي طالبان ومسؤولين حكوميين، والعديد من الصحفيين.

وكان بن لادن أيضا قد أصبح مرتابًا من عقد لقاءات مع زيدان، على الرغم من انه لم يكن يعتقد أن الحكومة الامريكية قد تمكنت من قتل أي شخص "نتيجة مراقبة أحمد زيدان"، كما كتب في مايو 2010.

وتابع: "لنضع في اعتبارنا الاحتمال النائي أن الصحفيين قد يخضعوا للمراقبة كرها بطريقة لا نعرفها ولا يعرفونها، سواء على الأرض أو عن طريق الأقمار الصناعية، وخاصة أحمد زيدان من قناة الجزيرة، ومن الممكن أن توضع شريحة تتبع في بعض أمتعتهم الشخصية قبل وصولههم الى مكان الاجتماع ".

لا يزال زيدان مدير مكتب قناة الجزيرة في إسلام آباد، وقد عمل أيضًا في سوريا واليمن في السنوات الأخيرة. تدافع الجزيرة بشدة عن عمله قائلة: "إن التزامنا نحو جماهيرنا هو للوصول إلى معلومات أصيلة وصريحة ودون تدخل منا، من المصادر الرئيسية وتقديمها بطريقة صادقة ومسؤولة". وتضيف: "يستمر استهداف صحفيينا ووصمهم من جانب الحكومات،" على الرغم من أن "الجزيرة ليست أول قناة تلتقى مع شخصيات مثيرة للجدل مثل بن لادن وغيره – بل كانت وسائل إعلام غربية بارزة بين أول من يفعل ذلك."

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب