انتصارات داعش تبدد الآمال في تراجعها السريع

مقال رأي

-في الشهر الماضي ، عندما تحدث مسؤولون غربيون وعراقيون حول الدولة الإسلامية، كانت معظم المحادثات تسرد سلسلة النكسات التي تعانيها الجماعة الإرهابية: فقد هُزِمت في بلدة كوباني السورية التي عصفت بها حملة جوية ثقيلة، وأجبرت على للخروج من مجموعة متزايدة من البلدات والمدن في العراق.

ولكن في الأسبوع الماضي فقط، قلبت الدولة الإسلامية هذا الأمر رأسًا على عقب. في نهاية الأسبوع الماضي عززت سيطرتها على محافظة الأنبار في العراق مع هجوم نُفِذ بعناية على عاصمة المحافظة: الرمادي. ويوم الأربعاء، وسعت أراضيها في سوريا لتشمل المدينة التاريخية والاستراتيجية الهامة تدمر.

في حركة مضادة عن التقارير التي تقول بانكماش الجماعة، أصبح الهجومان المتوازيان دليلًا مفاجئًا على التزام المجموعة التام لفلسفاتها الأساسية: فهي دائما تقاتل على جبهات متعددة، وتستغل الأعمال الوحشية لتخويف المقاومة، وبالطبع تفرض الخلافة في قلب المنطقة السنية التي تقع على الحدود العراقية السورية. وأثناء قيامها بذلك، نجت الدولة الإسلامية في الاستمرار رغم النكسات التي تعرضت لها، بل وقامت بانتصارات جديدة.

"لا أحد هنا بداية من الرئيس ونزولا يقول أن هذا شيء سنتغلب عليه على الفور،" حسبما قال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الامريكية في مؤتمر صحفي مع الصحفيين يوم الأربعاء، الذي فرضت قواعده الأساسية عدم الكشف عن هويته. وأضاف: "إنه وضع خطير للغاية."

وفي العراق، تَشَكّل هجوم الجماعة على الفور تقريبا بعد انتصار الحكومة في الشهر الماضي في وسط مدينة تكريت.

قام مقاتلو الدولة الإسلامية بحملات ضغط متزامنة على أكبر مصفاة للنفط في العراق، في شمال بغداد في بيجي، وعلى الرمادي. في ديالى، قامت الجماعة - المعروفة أيضا باسم داعش- بتدبير عملية اقتحان لأحد السجون، وهي عملية تحمل توقيعها قامت بها كثيرًا على مر السنين، ويمكن أن تساعدها على استعادة قوتها في تلك المحافظة الشرقية.

يبدو أن اتساع نطاق العمليات الآن أنه تم تصميمه لإرهاق قوات الأمن العراقية والتأكد من إنهم تفرقوا عندما تبدأ الدولة الإسلامية أعنف حملة ضد الرمادي هذا الشهر، حسبنا قالت جيسيكا لويس ماكفيت، المحللة في معهد دراسات الحرب، وهي منظمة بحثية في واشنطن تدعو إلى استجابة أكثر عنفًا من الولايات المتحدة لتهديد الدولة الإسلامية.

قالت السيدة ماكفيت بالتحديد أن الهجمات قد أرهقت واستنفدت قوة مكافحة الإرهاب العراقية المتميزة، والمعروفة باسم "الفرقة الذهبية،" وهي فرقة كثيرة التنقل وقد حاربت طويلا على الجبهتين، في الرمادي وبيجي. وينظر للفرقة التي عملت بشكل وثيق منذ ما يقرب من عقد من الزمن مع القوات الخاصة الأمريكية على أنها القوة الأكثر فعالية في يد الحكومة، على الرغم من قلة أعدادها، مقارنة بقوات الجيش والشرطة العراقية النظامية.

قالت السيدة ماكفيت: "حاولت داعش تشتيت قوات الأمن العراقية بقدر ما في وسعها لتجد نقطة انهيارهم."

عندما بدأ هجوم الدولة الإسلامية الرئيسي في الرمادي في وقت متأخر من ليلة 14 مايو، استخدمت موارد أعدت قبل فترة طويلة وأطلقت في انفجار شديد العنف كسر همة المدافعين المتبقيين.

كالعادة، بدأت الدولة الإسلامية الهجوم بالانتحاريين، ولكن في هذه الحالة التي جرت على نطاق أكبر: أرسل المتشددون 10 مركبات مفخخة، يعتقد أن لكل منها قوة تفجيرية مماثلة لشاحنة المتفجرات التي استخدمت في اوكلاهوما سيتي منذ عقدين، حسبما قال المسؤول الكبير في وزارة الخارجية. تم تدمير مناطق بالكامل في المدينة.

ثم انتفضت الخلايا النائمة من الموالين الدولة الإسلامية - وفقًا لروايات الشهود ليساعدوا الجماعة لتفرض سيطرتها بسرعة بينما يتقدم مقاتليها إلى أجزاء جديدة من الرمادي.

وبسبب الخوف والإرهاق، غادر المقاتلون السنة المحليون الذين دافعوا عن المدينة منذ ما يقرب من عام ونصف في جماعات حاشدة يوم الأحد الماضي، وسخر منهم الجنود لتخليهم عن أراضيهم.

والتزامًا بعقيدتها بالقتال دائما على جبهات متعددة، لم تتوقف الدولة الإسلامية عند الرمادي: فاجتاحت أيضا مناطق جديدة في سوريا. وباستيلائها على تدمر – هي مدينة صغيرة نسبيا ونائية ولكنها تتمتع بموقع استراتيجي في الصحراء بالقرب من المركز الجغرافي للبلاد – فقد استولت الجماعة لأول مرة على مدينة سورية من تحت أيدي القوات الحكومية، وليس من غيرهم من المتمردين.

لقد هاجمت في وقت ومكان كانت القوات الحكومية فيهما متوترة بشدة، ومستنفذة، وغير راغبة في القتال من أجل مناطق نائية. وعلى النقيض من وابل القنابل الانتحارية التي استخدمتها في الرمادي، يبدو أن الدولة الإسلامية قد انتصرت في تدمر بترسانة أكثر عادية تتكون من جنود مشاة ودبابات ومدافع مضادة للطائرات محمولة على شاحنات، معتمدة على ضعف عدوها وحالة الخوف التي تمكنت من فرضها بجرائمها الوحشية التي حظيت بتغطية إعلامية.

وربما ليس من قبيل الصدفة أنه قبل عدة أيام من هجومها الرئيسي على تدمر، قطعت الدولة الإسلامية رؤوس عشرات الجنود وأنصار الحكومة وأسرهم في قرية نائية ونشرت الصور على نطاق واسع.

اختارت المجموعة أيضًا هدفها بحكمة. فعدد سكان تدمر الصغير نسبيا يتيح السيطرة، ولكن مكسبها يفوق ذلك. انها تتيح الوصول إلى حقول نفط وغاز جديدة في الوقت الذي استهدف فيه قصف قوات التحالف العديد من المصادر النفطية للدولة الإسلامية في أماكن أخرى. وهي بها شبكة من الطرق الهامة. وتضم موقعًا أثريَا يوفر فرصا لا نهاية لها سواء للدعاية أو للاتجار غير المشروع بالآثار.

وقد سمحت هجمات للدولة الإسلامية أن تصبح راسخة بعمق أكثر في الأراضي التي تفيدها جغرافيتها الصحراوية وسكانها المحليين غير المتصلين. ولا سيما في محافظة الأنبار، حيث كان المقاتلون السنيون المتطرفون أشبه بقوة محلية أكثر منها قوة غازية.

بعد أن تم دفع سابقتها، تنظيم القاعدة في العراق، لتختبئ تحت الأرض في أواخر العقد الماضي بسبب هجوم عسكري أمريكي طويل ودموي ، بدأ مقاتليها في التجمع بين القبائل السنية المتعاطفة في شرق سوريا المجاور.

نجت المجموعة من أعوام من القتال ضد القوات الحكومية السورية والاقتتال مع منافسيها الجهاديين. ومع تطورها، استحوذت على سيطرة أوسع على مساحات من سوريا، وبدأت في التخطيط لعودتها إلى السلطة في غرب العراق - وهي الخطوة التي اعتبرتها وثائق تأسيس المجموعة كأولوية.

بدأت تلك الحملة في أواخر عام 2013 وأدت إلى الاستيلاء على مدينة الفلوجة ومناطق أخرى من الأنبار. ثم في يونيو 2014، قامت الدولة الإسلامية بأكبر انتصاراتها داخل العراق، واستولت فجأة على الموصل -المدينة الشمالية السنية، ثاني أكبر مدن العراق- ثم اتجهت إلى الجنوب في تاحية تكريت.

في الأشهر الأخيرة، طردت الجماعة مرة أخرى من بعض الأراضي التي احتلتها في الصيف الماضي. ومن بينها مدن وبلدات في الشمال بالقرب من منطقة الحكم الذاتي الكردية في محافظة ديالى الشرقية. وفي سوريا، انسحبت الدولة الإسلامية مرة أخرى في الأيام الأخيرة من الأجزاء الشمالية من محافظة حمص، حيث كان عليها أن التتنافس مع جماعات أخرى، ولم تفز بأكبر عدد من السكان المحليين الى جانبها كما حدث في شرق سوريا.

وقال بريان فيشمان، محلل مكافحة الإرهاب في مؤسسة أمريكا الجديدة، الذي قضى سنوات في دراسة تنظيم القاعدة في العراق والدولة الإسلامية: "لقد أفرط داعش في نشر قواتها، ويتم دفعها للعودة إلى المناطق التي يمكنها السيطرة عليها على نحو أكثر فعالية." واضاف: "الوطن التاريخي لهذه المنظمة هو الفلوجة والرمادي والأنبار والموصل".

مع النصر في الرمادي، استولت الدولة الإسلامية على آخر مركز رئيسي لمعقل العرب السنة ومع تقدمها إلى تدمر، فقد مددته.

يرى حسن حسن، مؤلف كتاب "داعش: داخل جيش الإرهاب"، ذلك التحول باعتباره تحديًا خاصًا لأعداء الجماعة. "من الصعب حقا أخذ تلك المناطق، أو استعادتها، لأنه لا يوجد مقاومة ضد الجماعة تقريبا هنا بين السكان المحليين."

وحيث أنها قد عززت قواتها، كانت الدولة الإسلامية لا ترحم في استهداف العشائر السنية الذين عارضوها ، فنشرت المذابح الجماعية لمعارضيها. وبين السكان الذين لم يعارضوا هذه الجماعة بفعالية، كانت أيضًا ماهرة في بناء شرعيتها كقوة حاكمة محلية عن طريق الاستفادة من المظالم السنية ضد الحكومة الشيعية في بغداد والحكومة العلوية في دمشق.

وقال جلال زين الدين، وهو صحفي سوري يعمل في وكالة أنباء مناهضة للحكومة تعمل بشكل جزئي في الدولة الإسلامية. "الحل الوحيد للوضع الآن هو التوصل لحكومات مصالحة وطنية في كلا البلدين، العراق وسوريا، وهو أمر مستحيل الآن." وأضاف: "وهكذا ستبقى الدولة الإسلامية في المنطقة، تفرض ولايتها من الرقة إلى الموصل ".

وبطرق عديدة، تبقى الجماعة وفية لرؤيتها، المنصوص عليها في وثائق كتبت منذ سنوات، حول كيفية انشاء وحكم الخلافة، أو الدولة الإسلامية. حتى مع اختلافها مع تنظيم القاعدة في رغبتها على السيطرة على الاراضي، فهي تصور نفسها بأنها في حالة حرب دائمة مع الأعداء المحيطين بها وترى أراضيها كمنطقة تتغير حدود السيطرة عليها باستمرار، بدلا من كونها مكانًا ذو حدود محددة.

في دراسته للجماعة، صاغ السيد فيشمان مصطلح يعبر عن ما أصبحت عليه: "الأميبا الحكومية."

ويقول: "إنهم يصورون الخلافة على أنها الناس الذين يعيشون على الأراضي التي تحكمها الخلافة، بدلا من وجود جغرافيا ثابتة." ويضيف: "ما يهمهم هو الولاء للخليفة."

في الواقع، كان أحد أسباب السعي وراء الرمادي أنها كان قد أخذت قيمة رمزية كبيرة باعتبارها المكان الذي قامت فيه بعض العشائر السنية بالمقاومة ضد الدولة الإسلامية. لكن الجماعة تتمتع الآن بالزخم مرة أخرى، وتبدو متجذرة أكثر مما كانت عليه حتى قبل النكسات التي عانتها في كوباني وتكريت.

مثل بعض المسؤولين الأميركيين، تنظر السيدة ماكفيت، المحللة في معهد دراسات الحرب، إلى تكريت بالذات على أنها خسارة مدمرة قلبت الجماعة على عقب. فتقول "اعتقدت أنهم فقدوا القدرة على فعل ما فعلوه للتو،" وأضافت "بدت موجة الحرب حقا وكأنها ابتعدت عن صالح داعش."

لكنها اعترفت أن الأمور مختلفة الآن.

واضافت: "شكلت الرمادي خسارة اكبر بالنسبة لنا مما كانت تكريت خسارة بالنسبة لداعش." مشيرة إلى تحالف الولايات المتحدة وشركائها العراقيين.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب