بعد ٣٥ عاما: حان الوقت لتوسيع نطاق عقيدة كارتر

مقال رأي

في مقابلة بشأن الخليج العربي، قال مستشار الأمن القومي الأمريكي إن الالتزام الأمريكي تجاه المنطقة "يقوم على الاستعداد لاستخدام قوتنا.. ويجب ألا يكون هناك أي شك بشأن ذلك الاستعداد". وبالتالي، تابع المستشار، "هناك توجه نحو زيادة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ونحو استخدام أعظم للمنشآت الموجودة، ونحو إطار عمل أمني إقليمي يضم الولايات المتحدة أيضًا".

لم تكن تلك سوزان رايس التي عاينت رسالة الرئيس لقمّة كامب ديفيد القادمة، التي ستجمع قادة الخليج. بل هي تصريحات زبيجنيو بريجنسكي، منذ 35 عامًا. حيث كان يصف ما أصبح معروفًا باسم "عقيدة كارتر": فللولايات المتحدة مصالح أمنية حاسمة في منطقة الخليج المستقرّة وستدافع عن المنطقة بالقوة إن تطلب الأمر. كانت المنطقة في تلك الفترة تبحث عن الطمأنة مع تلويح السوفيت في الأفق واشتداد الثورة الإسلامية في إيران. والآن، تبحث المنطقة مجددًا عن الطمأنة، هذه المرّة بسبب الاتفاق النووي المحتمل والمخاوف بشأن إيران غير ملجمة بعد رفع العقوبات المقيدة.

يذكرنا تصريح بريجنسكي بالالتزام الأمريكي الأمني طويل الأمد تجاه المنطقة. علاوة على ذلك، يقدم أيضًا سياقًا تاريخيًا لأسلوب إدارة أوباما لتوفير المزيد من الأمن للخليج، كما يذكرنا بالتحديات المستمرة، ويسلط الضوء على الفرصة التي تقدمها قمّة كامب ديفيد. كانت الإدارة تجهز بعدة طرق لتلك اللحظة منذ تولي الرئيس باراك أوباما لمنصبه. فبغض النظر عن نجاح أو فشل المفاوضات النووية الإيرانية، وهي لم تنته بعد، عزمت الولايات المتحدة على تنشيط أمن الخليج.

ترتكز تلك الاستراتيجية على ثلاث قوائم: التواجد العسكري، والقدرات، وتعزيز التعاون الإقليمي. تبدأ الاستراتيجية بالتواجد العسكري. حيث يحافظ الجيش الأمريكي على تواجد عسكري قوي في المنطقة يسمح له بالاستجابة للأزمات، وردع العدوان، وطمأنة حلفائنا. يشمل ذلك الإبقاء على 35,000 فرد عسكري أمريكي في الخليج العربي وحوله، إلى جانب التمركز المسبق للمدرعات، المدفعية الثقيلة، وأكثر أنظمة الدفاع الصاروخي تقدمًا، بالإضافة إلى الأصول الجوية والبحرية. لم يكن الإبقاء على ذلك سهلًا، ولكنه حدث حتى مع إنهاء الولايات المتحدة لمهامها القتالية في العراق وأفغانستان، عملها على إعادة التوازن إلى آسيا، وزيادة تدريبنا العسكري وتواجدنا المتناوب في أوروبا، ومتصارعًا مع المصادرة وتقليصات الميزانية في الولايات المتحدة.

على نطاق أوسع من الجيش الأمريكي نفسه، سعت إدارة أوباما إلى تحسين قدرات الدفاع الخاصّة بشركائنا في الخليج ولتحويل التوازن العسكري الإقليمي بعيدًا عن إيران. فمنذ العام 2007، صدّق البنتاجون على مبيعات تسليح تتجاوز قيمتها 85 مليار دولار لدول مجلس التعاون الخليجي، ما يعادل تقريبًا قيمة المبيعات خلال الـ15 عامًا الماضية. وفي عام 2011، أتمّت الإدارة واحدة من أضخم صفقات التسليح في تاريخ الولايات المتحدة، حيث باعت مقاتلات من طراز "إف-15" إلى السعودية. وفي عام 2013، أعلنت الولايات المتحدة عن صفقة تتجاوز قيمتها 11 مليار دولار من أسلحة المواجهة الأحدث إلى السعودية والإمارات. والعام الماضي، وقعت الولايات المتحدة وقطر صفقة تسليح بقيمة 11 مليار دولار مقابل بطاريات صواريخ "باترويت"، وطائرات أباتشي، وصواريخ "جافلين" المضادة للدبابات.

إلى جانب الحفاظ على تواجد عسكري قوي وتعزيز قدرات شركائنا، عملت الولايات المتحدة على تعزيز قدرة دول الخليج على العمل معًا بشكل أقرب. بالمقارنة بالساحتين الاستراتيجيتين الأخرتين اللتين تتمتعان بأهمية حيوية بالنسبة إلى الولايات المتحدة – أوروبا وآسيا - يغيب عن الشرق الاوسط آلية أمنية مشتركة. وبينما هناك أسباب كثيرة لذلك (خصوصًا في منطقة تتميز بالشك المتبادل والاستقلال الشرس)، هناك خطوات يجب اتخاذها لتحسين التعاون الإقليمي.

في مايو الماضي، ساهم وزير الدفاع الأمريكي في حينها، تشاك هاجل، في تنظيم لقاء بجدة بالسعودية، مع شركائه من وزراء الدفاع الخليجيين. استضاف الاجتماع ولي العهد في حينها، والملك السعودي الحالي، سلمان، حيث ساعد اللقاء في إرساء أسس السياسات للقاء كامب ديفيد الذي سيجري الأسبوع القادم. ناقش المسؤولون الأمريكيون والشرق أوسطيون وسائل تحسين قدرة الشركاء الخليجيين على العمل معًا بصدد التهديدات المستقبلية، ومنها البحرية، والرقمية، والجوية، والدفاعات الصاروخية. وكخطوة صغيرة في سبيل حمل دول مجلس التعاون الخليجي على العمل بشكل أقرب وتوسيع تعاونها الأمني مع الولايات المتحدة بشكل أكثر تنسيقًا، قررت الولايات المتحدة السماح لمجلس التعاون الخليجي بالحصول على قدرات دفاع أمريكية باعتبارهم جهة واحدة، ما يسمح لأعضاء مجلس التعاون الخليجي بتشارك الموارد وإجراء استثمارات مشتركة.

تقدم قمة كامب ديفيد، إذن، فرصة تاريخية في هذه المناطق الثلاث - التواجد والقدرات والتعاون الإقليمي. أولًا، يجب أن تحافظ الولايات المتحدة على تمركز قوي للقوات في المنطقة، وستمثل قمة كامب ديفيد لحظة الالتزام بشكل علني بفعل ذلك في المستقبل. لأنه حتى إن ظلت إيران في الحسابات، يجب أن تردع الولايات المتحدة وشركائها إيران وأن يكونوا مستعدين للتعامل مع جميع التهديدات الأخرى التي تحملها إيران – بداية من دعمها للوكلاء وحتى تبنيها المثير للجدل للبرنامج النووي. يجب أيضًا أن نبقى مستعدين للأسوء – أي في حال فشل الاتفاق النووي الإيراني وأصبح الخيار العسكري ضروريًا.

ثانيًا، يجب أن تتابع الولايات المتحدة سعيها نحو إيجاد وسائل لتعزيز قدرات شركائنا في الخليج مع الحفاظ على التزامنا تجاه "التقدم العسكري النوعي" الإسرائيلي. من غير المرجح أن تنتج كامب ديفيد أي اتفاقيات تسليح ضخمة، فالولايات المتحدة يمكنها تأكيد التزامها تجاه الحفاظ على التقدم العسكري لشركائها في الخليج أمام إيران، ربما عبر تشدين خارطة طريق لتحقيق ذلك. ومن المهم تذكر أن الولايات المتحدة ليست اللاعب الوحيد في هذه اللعبة، ففرنسا تحديدًا نشطة في بيع الأسلحة إلى دول الخليج. خلال الأسبوع الحالي فقط، سافر الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، إلى العاصمة القطرية، الدوحة، لتوقيع صفقة بقيمة 7 مليار دولار مقابل طائرات "رافال" المقاتلة، ثم عرج إلى المملكة السعودية للقاء قادة مجلس التعاون الخليجي.

أخيرًا، وهو الأكثر أهمية، تحتاج الولايات المتحدة للإسهام في خلق هيكل للتعاون الأمني الإقليمي. كما يجب أن يكون لقاء كامب ديفيد بين الولايات المتحدة وقادة مجلس التعاون الخليجي أكثر تكرارًا، فيجب أن يتكرر مرّة كل عامين على الأقل، بشكل أقرب لما تفعله الولايات المتحدة مع شركائها في آسيا وأوروبا. كما يجب أن يستكمل ذلك عبر لقاءات منتظمة بين وزراء الخارجية ووزراء الدفاع (وهو ما اعتزمت وزارة الدفاع بدءه العام الماضي). وإن الطرفين في حاجة أيضًا إلى متابعة المقترحات التي قدماها بالفعل. على سبيل المثال، منذ إعلان العام الماضي عن السماح لمجلس التعاون الخليجي بشراء قدرات دفاع أمريكية كمنظمة، لم تقدم أي صفقة تسليح عسكري أجنبية. يجب أن يتغير ذلك.

يهتم بعض الشركاء الخليجيين، مثل الإماراتيين، بالحصول على التزام أمني ملزم. وبينما يعتبر اقتراح توقيع اتفاقية دفاع مشترك ملزمة قانونيًا بعيدًا، يجب أن تستخدم الولايات المتحدة كامب ديفيد للتأكيد على التزامها باستخدام جميع الوسائل الضرورية للدفاع عن الخليج، منصتة إلى عقيدة كارتر. في عام 2009، تحدثت وزيرة الخارجية في حينها، هيلاري كلينتون، عن تمديد "مظلة الدفاع" لتشمل دول الخليج.

لرفع مستوى هذا الالتزام، يمكن أن يتفق الطرفين على تدشين آلية تشاورية في حال ظهور تهديد أمني عاجل. ويمكن أن يكون ذلك وفق نموذج "المادة الرابعة" الخاصّة بالناتو، التي تسمح لبعض الدول بالاجتماع بالحلف في حال شعورهم بالتهديد، مثلما فعلت تركيا، في عام 2013، وبولندا، في العام الماضي. علاوة على ذلك، يجب أن تستكشف الولايات المتحدة وقادة مجلس التعاون الخليجي ما إن كان يجب تمديد الردع النووي الأمريكي ليشمل الخليج أم لا - والذي سيردع إيران ويعمل على طمأنة شركائنا في الخليج حتى لا يطالبوا يتسليحهم نوويًا.

إنه ذلك المشروع الأخير - بناء إطار عمل أكثر مرونة للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط - الذي عرفه بريجنسكي كمهمة جوهرية منذ أكثر من ثلاثة عقود. ففي مذكرة سرية إلى الرئيس جيمي كارتر، شهر في يناير من العام 1980، شدد بريجنسكي على أن إطار العمل الأمني الإقليمي "يجب أن يتجنّب الشكليات المفرطة، وأن يتكيف مع حقائق الصراعات الجارية بين البلدان الإقليمية، وأن يسهل تنفيذ أنواع من المشاركة من خلال الأصدقاء المعنيين في المنطقة وفي المنطقتين الاستراتيجيتين المركزيتين: غرب أوروبا والشرق الأقصى". بعد 35 عامًا، مع التواجد الأمريكي الدفاعي القوي وتحسُّن قدرات شركائنا الإقليميين في الخليج بشكل كبير، تمثّل قمة كامب ديفيد خطوة هامة نحو تحقيق ذلك الهدف الطموح.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب