تغييرات استراتيجية في المشهد السوري

تقرير صحفي

كتب المراقبان البارعان لشؤون الشرق الأوسط روبرت فورد، السفير الأمريكي السابق إلى سوريا، وفريدريك هوف، الزميل البارز لمركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي؛ مؤخرا مقالين هامين حول سوريا. كلا المقالين أكد على أن النظام السوري قد واجه انتكاساتٍ في الآونة الأخيرة. وحيث جادل فورد أن الانشقاق المتصاعد داخل الدائرة الضيقة للنظام يبرز علامات ضعف قد تستحضر نهايته، رأي هوف أن الوقت قد حان للولايات المتحدة لممارسة قيادتها لوضع سوريا على مسار الاستقرار والشرعية. شرح هوف أن الدبلوماسية والقيادة الأمريكية المتواصلة لازمة لحشد قواتٍ برية اقليمية لطرد داعش من سوريا، والسماح لحكومةٍ حقيقية أن تقوم في سوريا الحرة، وبناء قوةٍ وطنيةٍ سورية تحافظ على الاستقرار، وايقاف الأسد عن ترويع شعبه.

حجتَّي فورد وهوف منطقيتان. لكنهما تغافلتا عن أسئلةٍ مهمة مرتبطة بخططٍ إيرانية من جانب وسعودية وتركية من جانبٍ آخر لا يصعب تصورها. تتعلق هذه الأسئلة بالطبيعة المستقبلية لكلٍ من النظام السوري والمعارضة السورية، على الترتيب، وبالتالي مستقبل الدولة السورية. هذه المخططات الجارية، المتناظرة والمتزامنة، لها عواقب ليس فقط على سوريا ولكن على المنطقة ككل.

خلافًا لما هو متبع، لا يمكن فهم النظام السوري من منظورٍ ضيق كنظامٍ علوي تحكمه عائلة الأسد. خلال حكم الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، كانت مسؤولية أمن النظام تقع على عاتق مجمع عسكري-تجاري تقع في مركزه علاقةٌ تكافلية بين الضباط العلويين والتجار السنة. عمل الأسد الأكبر على ترسيخ هذه العلاقة عن طريق مراقبة وموازنة قوة ضباط الأمن العلويين في مقابل الرعاية التي وفرتها دولته للتجار السنة. بكلماتٍ أخرى، كانت القبضة الحديدية سيئة السمعة للأسد إلى حدٍ ليس بقليل قائمة على منع تعارض المصالح بين ضباطه وقاعدة دعمه من التجار السنة وبين بعضهم البعض.

دشن وصول الأسد للسلطة في عام 2000 فترة قصيرة من التحرر السياسي والتي عرفت فيما بعد بربيع دمشق. ولكن الأمر الذي كان له آثار هامة هو أن السرعة التي انتشرت بها حركة الاصلاح أخذت النظام على حين غرة. خشي النظام من أن تسبب  قطرات الاصلاح التي سمح بها فيضانا يجرفه في طريقه.

عندئذ عاد النظام لمنهجه العتيق في استخدام العنف واعتقال الإصلاحيين باسم الدفاع عن الأمن والحقوق القومية والعربية. ما فشل النظام في القيام به كان التأقلم مع الأحداث شديدة الأهمية التي اجتاحت المنطقة. نتيجة لذلك، بدأ صرح النظام الذي كان يقوم على التوازن الدقيق بين جنرالات الأمن وزمراتهم الممتدة والذي حافظت عليه عائلة الأسد؛ في التصدع.

بدأ موت اللواء غازي كنعان عملية التفكك البطيء للنظام. الرجل الذي كان رئيسا لجهاز الأمن والاستطلاع في لبنان، ثم مديرا للأمن السياسي، ثم وزيرا للداخلية في عامي 2004 و2005، مات في أكتوبر 2005 في ظل ملابساتٍ مريبة. تصادف توقيت موته مع بداية التحقيق في قتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. رأى منتقدي الأسد أن كنعان قد قُتل لأنه كان عبئا على النظام فيما يتعلق باغتيال الحريري.

كان الحدث الضخم التالي الذي هز النظام هو تفجير مبنى الأمن القومي في دمشق في يوليو 2012، والذي حصد أرواح مسؤولين بارزين بالنظام، كان من بينهم اللواء آصف شوكت، زوج شقيقة الرئيس الأسد ونائب وزير الدفاع؛ واللواء داود راجحة، وزير الدفاع؛ واللواء حسن تركماني، مساعد نائب الرئيس فاروق الشرح ووزير الدفاع السابق؛ واللواء هشان بختيار رئيس مكتب الأمن القومي. استطاع النظام تحمل مقتل بعض أعمدته الأمنية وعدة عمليات هجومية للمعارضة فقط بسبب التدخل العسكري الكثيف لحزب الله، والذي استولى على مدينة القصير الاستراتيجية بالقرب من الحدود مع لبنان.

منذ ذلك الوقت، نمى التدخل العسكري لحزب الله والحرس الثوري الايراني بجانب النظام بثباتٍ وباستمرار. في الواقع، استطاع النظام استعادة المبادرة العسكرية مؤقتا بفضل مساعدة حلفائه العسكرية والتقاتل الداخلي بين المعارضة السورية، وخصوصا بين الاسلاميين. رغم ذلك، صاحب الثقة الجديدة التي حازها النظام وهلل لها واقع أن بقاءه صار يعتمد أكثر فأكثر على ايران (وحلفائها في العراق) والتدخل العسكري والقيادة الاستراتيجية لحزب الله. وتحديدا، أصبحت ايران وحزب الله شركاء في، إن لم يكن الملاك الحصريين، لعملية التخطيط الاستراتيجي للنظام. في الواقع فإن الهجوم الاسرائيلي على قافلةٍ رفيعة المستوى لحزب الله وإيران في الجزء الذي تسيطر عليه سوريا من هضبة الجولان في يناير 2015 أكد على مدى العمق الاستراتيجي لذلك التدخل.

عمق ذلك التدخل الصدع في صرح النظام السوري. وفرت سلسلةٌ من الأحداث والتطورات ظروفا وأدلة صلبة كافية لذلك الصدع الذي استمر في التعمق داخل النظام وبالتالي تفكك السلالة الحاكمة للأسد. هبط مصير سلالة الأسد إلى قاعٍ جديد عندما، في مارس 2014، قُتل هلال الأسد ابن عم الرئيس السوري بشار الأسد خلال قتالٍ في مدينة كسب الحدودية في محافظة اللاذقية. أسس هلال جيش الدفاع الوطني، وهو مجموعة من المدنيين الموالين للحكومة الذين يقاتلون بجانب الجيش السوري.

بعد عام وفي نفس الشهر، قُتل أعضاء رئيسيين في أسرة الأسد في ملابساتٍ مريبة. فواز الأسد، ابن عم الرئيس السوري وقائد المجموعة العصابية شبه العسكرية المسماة بالشبيحة، في 27 مارس 2015. قُتل أيضا محمد الأسد المعروف باسم شيخ الجبل، وهو أيضا ابن عم للرئيس السوري.

كان محمد معروفا بأنه زعيم عصابات عائلة الأسد المسؤول عن تهريب المخدرات من ضمن أنشطةٍ محظورةٍ أخرى. وفي 13 أبريل 2015 سافرت الشرطة العسكرية لما يزيد عن 140 كيلومترا من العاصمة السورية دمشق إلى اللاذقية لتعقب منذر الأسد، ابن عم آخر للرئيس. قالت تقارير إن الرئيس شخصيا قد أمر بالقبض على ابن عمه بسبب نشاطٍ غير قانوني مزعوم. حتى بالنسبة لشخصٍ ذي معرفةٍ بسيطةٍ بسوريا فإن حجة القبض عليه كانت منافية للعقل، فقد تورطت عائلة الأسد في أنشطةٍ محظورة منذ وصول الرئيس الأسد الراحل إلى السلطة. أشارت تقارير إلى أن الرئيس السوري الأسد قد أمر بالقبض على ابن عمه بسبب الاتصال بعمه المنفي رفعت وأبنائه في أوروبا.

في تلك الظروف مات رستم غزالة، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية السورية في لبنان ورئيس الأمن السياسي، في ظروفٍ مثيرةٍ للجدل في 24 أبريل 2015. القصة التي تم تداولها بكثرة وتأكيدها ضمنيا من النظام هي أنه قد وقع خلاف بينه وبين اللواء رفيق شحاده رئيس المخابرات العسكرية حول نفوذ ايران وحزب الله المهيمن على النظام. حسب تقارير، فإن غزالة قد تعرض لضربٍ مبرح في شعبة المخابرات العسكرية التابعة لشحادة. أعطى الرئيس الأسد مصداقية لهذه القصة عبر عزل شحادة من منصبه. راجت الشائعات ونظريات المؤامرة، ولكن الحقيقة تبقى أن رمزا سنيا قويا في النظام قد قُتل مع أعضاء آخرين من عائلة الأسد ويبدو أن السبب هو التشكيك في سياسة النظام. والأكثر من ذلك، أن موت غزالي جاء في ذروة انشقاق رمز سني آخر للنظام، وهو اللواء مناف طلاس، ابن وزير دفاع حافظ الأسد لزمنٍ طويل مصطفى طلاس.

تلك الانتكاسات والضربات المستمرة للنظام لا يمكن التقليل منها على أنها أمرٌ معتاد لعائلة المافيا التي تحكم ذلك البلد في الشرق الأوسط. إن لها عواقب ضخمة وتقود بالتأكيد في اتجاه أن الرئيس بشار قد ألقى بثقله خلف ايران وحزب الله بشكلٍ لا يمكن التراجع عنه. وبينما من الممكن ان يظل النظام يحمل وجها أسديا، يستطيع المرء أن يجادل بثقة أن السيد حسن نصر الله قائد حزب الله لا يمكن التقليل من شأنه كالدعامة الأساسية والمحرك الرئيسي للنظام. قال نصر الله باستمرار إنه مستعد أن يذهب شخصيا إلى سوريا للقتال، إذا ما اقتضت الحاجة. حسب شائعات، فإن حزب الله يستعد حاليا لحملةٍ عسكريةٍ واسعة للقضاء على جبهة النصرة والدولة الاسلامية في منطقة القلمون في سوريا بالقرب من الحدود اللبنانية لحماية جناحه اللبناني ولمنع التقدم نحو العاصمة.

بموازاة تلك التطورات، واجه النظام السوري انتكاساتٍ عسكريةٍ خطيرة. في أواخر مارس 2015، سيطرت مجموعات اسلامية معارضة تقودها جبهة النصرة على مدينة إدلب، وهي مركزٌ حضري كبير ذات كثافة سكانية تقارب 165 ألف نسمة. تعتبر ادلب عاصمة المحافظة الثانية التي تسقط في أيدي المعارضة بعد الرقة، معقل الدولة الاسلامية في الوقت الحالي. أطلق التحالف الذي تقوده جبهة النصرة على نفسه جيش الفتح، في إشارةٍ إلى فتوح العرب في القرن السابع الميلادي التي نشرت الاسلام في أنحاء الشرق الأوسط. لا يقل قدرا، فقد اتحد التحالف مجددا وخاض معركةً من أجل جسر الشغور تحت اسم "معركة النصر". بالسيطرة على المدينة الجيواستراتيجية، اقترب الاسلاميون أكثر من مدينة اللاذقية الساحلية، معقل الرئيس الأسد، وهم الآن على مسافةٍ قريبة من القرى الموالية للحكومة القريبة من الساحل.

هذه التطورات على الأرض تكشف عن أن المجموعات الاسلامية قد تعاونت استراتيجيا واستخدمت أسلحةً معقدة للتفوق على النظام تسليحيا. حسب تاريخ الصراع السوري، فإن ذلك لم يكن ليصبح ممكنا لولا مساعدةٍ إقليمية. في الواقع، يمكن تتبع تلك الانطباعات المبدئية عن تلك الاستراتيجية الاقليمية الى هجوم جبهة النصرة في فبراير على حركة حزم المدعومة أمريكيا في ريف حلب الغربي. على السطح، فإن هزيمة حركة حزم على يد جبهة النصرة ارتبطت بتمزيق جميع الصلات الأمريكية مع مجموعات المعارضة مع بداية التحالف الذي تقوده أمريكا في استهداف الدولة الاسلامية والنصرة. ولكن بعد التفكر في الحدث وتحليله يبدو أن الهجوم على حركة حزم كان يهدف إلى تمهيد الطريق لتشكيل قوةٍ سورية قادرة على هزيمة كلٍ من الدولة الاسلامية والنظام السوري، تشكل جبهة النصرة وجيش الشام الاسلامي نواة تلك القوة، والتي رعتها السعودية وتركيا.

متحررين مما اعتبروه نهج أوباما الفاتر تجاه سوريا، ومدفوعين بمصلحةٍ قوميةٍ مشتركة لعزل النظام السوري والدولة الاسلامية، اتحدت السعودية وتركيا بوضوح لاستعادة المبادرة في سوريا من أجل هزيمة نظام الأسد والدولة الاسلامية. بالفعل، كانت النصرة وزهران علوش قائد جيش الاسلام يتلقيان مساعدةٍ مباشرة وغير مباشرة من أنقرة والرياض. ظلت كلا العاصمتين تحاول إعادة تشكيل قيادة جبهة النصرة من أجل التخلص من وضعها كمنظمة على قائمة الارهاب. في نفس الوقت، كانتا تقومان بتعزيز قوة علوش ودفعه في اتجاه عقد تحالفٍ استراتيجي مع النصرة. التعاون العسكري بين الحركتين في الحملة للسيطرة على ادلب وتصريحات علوش الداعمة للنصرة تدعمان ذلك المنطق بقوة. المحاولات في الآونة الأخيرة لإقصاء قادة رئيسيين ومؤسسين مشاركين للنصرة، مثل أبو همام السوري وأبو مصعب الفلسطيني وأبو عمر الكردي، توفر أدلة أخرى على ذلك. وليس أقل دلالة، قيام رجل السعودية، علوش، بزيارةٍ مفاجئة إلى اسطنبول في أواخر ابريل فيما يبدو أنه بناءً على دعوةٍ من الحكومة التركية. هذه الزيارة لم تكن لتحدث لولا التعاون التركي السعودي.

يبدو بوضوح أن السعودية وتركيا تحاولان إعادة تشكيل قيادة النصرة عبر إقصاء بعض السلفيين الجهاديين المتشددين فيها من أجل تصويرها كقوة اسلامية سورية معتدلة. في ذات الوقت، فإنه سرٌ معروف أن السعودية والبعض في المعارضة الاسلامية يحاولون منذ فترة قطع ولاء النصرة لأيمن الظواهري، زعيم القاعدة. يبقى أن ننتظر مصير قائد النصرة أبو محمد الجولاني، والذي تعاون مع علوش ولكنه لم يخرق ولاءه للقاعدة.

يظهر بجلاء، من وجهة النظر التركية والسعودية، أن دعمهما للنصرة وجيش الاسلام الذي يقوده علوش منطقي ومهم عن أي بديلٍ آخر. من منظورٍ أيدلوجي، يتشارك علوش أيدلوجية السلفية الجهادية مع النصرة، ورغم التنافر الأيدلوجي بين سلفية السعودية الأهدأ وسلفية النصرة وعلوش الجهادية، فإن كلتاهما تتشارك عقيدة سلفية رئيسية، تدور حول محاكاة منهج السلف الصالح، الذين وسعوا العالم الاسلامي بشكلٍ درامي فيما بين عامي 632 و661، وتطبيق مبدأ التوحيد كوسائل لتوحيد الأمة. من المهم أيضا أن مقاتلي النصرة وعلوش يملكون مهارات حربية وارهابية لامعة، ومن الواضح أن كلا من الرياض وأنقرة تعتقد أنه لا يمكن التخلص من الدولة الإسلامية أو النظام بدون جبهة النصرة وجيش الإسلام.

بينما تتأمل إدارة أوباما في خطوتها القادمة في سوريا، يجب أن تأخذ في اعتبارها شيئين: أ) أن النظام السوري لا يقارب نهايته وإنما يتحول إلى نظامٍ هجين، نظامٌ قد يظل وجهه سوريا ولكن عقله قد أصبح إيرانيا. ب) أن الرياض وأنقرة يمكن أن تصورا النصرة وجيش الإسلام على أنهما معارضةٌ إسلاميةٌ معتدلة، ولكن في الواقع يظل طيفهم سلفيا جهاديا. لا يمكن أن تقوم سوريا حرة وديمقراطية تحت تلك الظروف.

إذا كانت إدارة أوباما سوف تقوم بإضعاف ومن ثم هزيمة الدولة الإسلامية، فسوف يكون تحديها الأكبر هو كيفية استغلال قوة برية اقليمية قادرة على هزيمة الدولة الاسلامية وتقييد قوة ومجال النظام السوري، بدون إقصاء كلٍ من تركيا والسعودية. في ذات الوقت، يجب أن تأخذ الادارة بعين الاعتبار ليس فقط إرسال قوة مشتركة ما بين الوكالات إلى المنطقة لدعم عمل المبعوث الخاص جون آلان، كما اقترح هوفمان، وإنما أيضا تكليف وكالة المخابرات المركزية بتخطيط انقلاب من داخل الدائرة الضيقة للنظام. عميل وكالة المخابرات المركزية السابق الذي تم اختباره من قبل روبرت بير قد يكون الرجل المناسب لتلك المهمة.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب