تونس بين تنظيمي «الدولة الإسلامية» و «القاعدة»

مقال رأي

خلال الشهر الماضي، كانت هناك دلائل متزايدة بأن تنظيم «الدولة الإسلامية» ينوي بناء قاعدة وإقامة ولاية جديدة في تونس في المستقبل القريب، تحت اسم «ولاية أفريقيا»، وهو الإسم القديم من العصور الوسطى لمنطقة تونس (فضلاً عن شمال غرب ليبيا وشمال شرق الجزائر). وقد يشكل ذلك تحدياً للفرع التونسي لـ تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» - المعروف باسم «كتيبة عقبة بن نافع» [«الكتيبة»]، التي تحتكر عمليات التمرد والإرهاب في تلك المناطق منذ أن بدأت حملتها في جبل شامبي [(تونس) على طول الحدود مع الجزائر] في كانون الأول/ ديسمبر 2012 - بفتحه جبهة أخرى في الحرب الأوسع بين تنظيمي «القاعدة» و«الدولة الإسلامية». ونتيجة لذلك، قد تؤدي المزايدة بين هذين الخصمين إلى تصاعد أعمال العنف، من خلال شنهما هجمات على غرار تلك التي وقعت على "متحف باردو الوطني"، والتي أصبحت أكثر شيوعاً.

إشارات تنظيم «الدولة الإسلامية» في تونس

في منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2014، وجه تنظيم «الدولة الإسلامية» رسالته العلنية الأولى إلى الدولة والشعب التونسي، إدّعى فيها أبو بكر الحكيم (الذي سُمّي في مقطع الفيديو باسم أبو المقاتل) مسؤوليته عن اغتيال السياسيين اليساريين العلمانيين في تونس في عام 2013، قائلاً - "نعم، أيها الطغاة، نحن الذين اغتلنا شكري بلعيد ومحمد براهمي" - الأمر الذي يؤكد شكوك الحكومة التي تتزعمها "حركة النهضة"، بأن الحكيم قد شارك في عملية الإغتيال. وفيما يتخطى الدعوة للقيام بالمزيد من أعمال العنف، وتذكير التونسيين بإخوانهم المعتقلين وأخواتهم المعتقلات، دعا أيضاً الشعب التونسي إلى مبايعة أبو بكر البغدادي، ورفع راية التوحيد، وتمزيق رايات شارل ديغول ونابليون (في إشارة إلى العلاقات التاريخية الوثيقة بين تونس وفرنسا).

وأعقب ذلك، في 7 نيسان/أبريل، توجيه خطاب من قبل أبو يحيى التونسي من «ولاية طرابلس» في ليبيا التابعة لـ تنظيم «الدولة الإسلامية»، حث فيه التونسيين على السفر إلى ليبيا للتدريب ومن ثم العودة إلى بلادهم لتأسيس [فرع] لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» ونشر الدعوة له. وبعد يومين فقط، تم إنشاء حساب إعلامي باسم «مؤسسة أجناد الخلافة بأفريقيا». ومع كون الحساب الإعلامي غير رسمي، فإن افتتاحه نبّأ باستهداف تونس بنفس الطريقة التي تم فيها إنشاء «مؤسسة العروة الوثقى الإعلامية» التي نبّأت بإعطاء بيعة «بوكو حرام» لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» في آذار/ مارس 2015.

وإلى جانب إدعاء تنظيم «الدولة الإسلامية» مسؤوليته عن هجمات "متحف باردو الوطني" (تلك الهجمات التي تعتقد الحكومة في الواقع أن «كتيبة عقبة بن نافع» هي المسؤولة عن شنها)، أعلنت «مؤسسة أجناد الخلافة بأفريقيا» عن الإدعاء الأول عن مسؤولية تنظيم «الدولة الإسلامية» عن هجوم المتمردين في جبل المغيلة قرب بلدة سبيطلة. وبالإضافة إلى ذلك، ادعت «مؤسسة أجناد الخلافة بأفريقيا» مسؤوليتها عن الهجوم المنفصل الذي وقع في جبل سلوم في 22 نيسان/أبريل، وأسفر عن مقتل أحد مقاتليهم الجزائريين (وبإشارتها إلى التونسيين أيضاً بأن مقاتلين من جنسيات أخرى كانوا ضمن صفوفهم). وأعقب ذلك عدد من الإصدارات من قبل وسائل الإعلام الرسمية لـ تنظيم «الدولة الإسلامية»، بما فيها «مؤسسة أجناد الخلافة بأفريقيا»، التي ادعت مسؤوليتها عن الهجمات التي وقعت في تونس في 2 أيار/مايو، من بينها هجوم في جبل سلوم أيضاً. وتشير هذه المقاربة الرسمية بشكل متزايد إلى أن الإعلان الرسمي لولاية جديدة قد يكون وشيكاً.

البداية التونسية لـ تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»

على الرغم من أنه تم تصنيف «كتيبة عقبة بن نافع» للمرة الأولى بأنها انفصالاً عن تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» في كانون الأول/ ديسمبر 2012، من قبل وزير الداخلية التونسي آنذاك علي العريض، إلا أن «الكتيبة» لم تعترف علناً بارتباطها بـ تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» حتى منتصف كانون الثاني/ يناير 2015. وقد تم تأكيد هذا التعهد من قبل «كتيبة عقبة بن نافع» بعد مقتل زعيمها خالد شعيب (أبو صخر لقمان) في نهاية آذار/ مارس، وكان ذلك محاولة لتعزيز قوتها بعد انتشار إشاعات كاذبة بأن «الكتيبة» قد تغيّر تحالفها وتتحول نحو تنظيم «الدولة الإسلامية». وقد انبثقت هذه الإشاعات جزئياً، من خلال بيان صدر من قبل «الكتيبة» يُظهر دعمها لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» على الرغم من أنه لم تكن هناك مؤشرات عن البيعة. من الضروري التمييز بين الدعم العام والبيعة الملزمة دينياً - إذ أن تنظيم «القاعدة في شبه الجزيرة العربية» أصدر بيان يدعم فيه تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق» بعد سقوط الموصل في العام الماضي.

وقد ارتبطت «كتيبة عقبة بن نافع» أيضاً مع «أنصار الشريعة في تونس»، عندما أعلنت عن شهداء، موضحة كيف أن بعض مقاتليها كانوا أعضاء سابقين. وقد أصبحت «أنصار الشريعة في تونس» في حكم العدم إلى حد كبير، إما من خلال إلقاء القبض على العديد من أفرادها، أو ذهابهم إلى الخارج للقتال والتدريب في سوريا وليبيا، أو انضمامهم إلى «كتيبة عقبة بن نافع» بعد الإعلان عنها كمنظمة إرهابية من قبل الحكومة التونسية في أواخر آب/أغسطس 2013.

ومنذ دخولها المجال العام، ظلت «كتيبة عقبة بن نافع» غامضة، بحفاظها على مستوى منخفض من التمرد ضد الجيش التونسي في جبل شامبي لفترة دامت ما يقرب من عامين ونصف العام. كما تم القبض على البعض من أعضائها لمحاولتهم شن هجمات في مدن تونسية مختلفة فضلاً عن تهريب الأسلحة. وفي الآونة الأخيرة، عززت «الكتيبة» من حضورها الألكتروني، بدءً من حسابات «فجر القيروان» على موقعي الـ "فيس بوك" و"تويتر"، ومن ثم بواسطة «إفريقية للإعلام»، وهي مؤسسة غير حزبية معروفة تختص بالإصدارات الجهادية من جميع المنظمات الجهادية التي مقرها في أفريقيا. وخلال الأسبوع الماضي فقط، أنشأت «كتيبة عقبة بن نافع» مؤسسة إعلامية رسمية خاصة بها تدعى "الفاتح". وحتى ذلك الحين، كان المحتوى الرئيسي الذي أطلقته قد أظهر صوراً لمقاتليها، وشهدائها، ومعسكرات تدريبها، ورسومات مع اقتباسات من القرآن، وصوراً للغنائم من عمليتها السابقة في جبل شامبي.

ماذا الآن؟

في حين ما زالت «كتيبة عقبة بن نافع» تخوض تمرداً على مستوى منخفض دام عامين ونصف العام، إلا أنها لم تغيّر من الوضع القائم في تونس. ولذلك، إذا حاول تنظيم «الدولة الإسلامية» القيام بحملة إرهابية أو حملة تمرد واسعة النطاق في تونس، فقد يرتفع الضغط على «كتيبة عقبة بن نافع»، ومن الممكن أن يترتب عن ذلك مواجهة سيناريو يطرح مزايدات في العنف المتصاعد. وقد يضع أيضاً مزيداً من الضغط على الدولة التونسية التي كانت قادرة - حتى الآن - على السيطرة على العنف الجهادي منذ اندلاع الثورة. وهذا يعني أنه من المحتمل أن تحاول إحدى المنظمتين أو كلتيهما شن هجوم واسع النطاق، يسفر عن كسب جمهور إعلامي كبير، نظراً لبداية الموسم السياحي. بالإضافة إلى ذلك، وفي أعقاب هجمات "متحف باردو الوطني"، قام أنصار تنظيم «الدولة الإسلامية» بقلب الوسم المعروف بـ (#IWillComeToTunisiaThisSummer - سآتي إلى تونس هذا الصيف) رأساً على عقب - وهو الوسم المتعلق بدعم صناعة السياحة التونسية، وذلك بإظهار صور لوابل من الرصاص والأسلحة، ملمحين بأنهم سيأتون أيضاً إلى تونس هذا الصيف. لذلك، فإن أخذ اليقظة والحذر، من قبل كل من الدولة والمجتمع، سيكون حيوياً للحفاظ على النظام والتقليل من آثار العنف.

 

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy