جعل الأمور واضحة في إسرائيل

مقال رأي

 في إسرائيل، تعودنا على سماع أن كل شيء أكثر "تعقيدا" مما يعتقده المرء. وعادة ما يتم وصف المواقف على إنها متلونة أوغير دقيقة أو غير ملموسة، ويبدو أنها كذلك عمدًا تقريبًا. الأشياء الضمنية هي السائدة- سواء حول السياسة، أوالدين، أوالإجراءات العسكرية، أوحقوق الإنسان. لكنني أزعم أن هذا الوضع قد تغير. في العام الماضي في إسرائيل، أصبحت الأمور صريحة ودقيقة. أصبحت الأمور واضحة.

الحكومة التي سيتم تشكيلها هذا الاسبوع هي أكثر حكومة واضحة المعالم، والأضيق تفكيرًا، والأكثر يمينية، والأكثر تدينا والأكثر وطنية، من الحكومات التي جرى تشكيلها في أي وقت مضى في إسرائيل. إنها مزيج من الأحزاب الدينية الأرثوذكس الأصولية مع الشوفينية القومية التي يتمتع بها حزب البيت اليهودي، بقيادة نفتالي بينيت الذي لا يقوم بأي محاولة لإخفاء خططه لضم لأراض جديدة لإسرائيل، وكل ذلك تحت قيادة بنيامين نتنياهو بعبارات لا لبس فيها. إلى جانب الليكود، حزب نتنياهو، وهو أكبر حزب في إسرائيل اليوم، وكولانو (جميعنا - منشق عن حزب الليكود)، فهذه الكتلة كلها لا لبس في جدول أعمالها اليهودي القومي.

قبل عشرين عاما، قدم لنا الفيلسوف روبرت براندوم، في كتابه الملهم " جعل الأمور واضحة" وسيلة جديدة للنظر في اللغة والمعنى. باستخدام أعمال عدد من الفلاسفة – بداية من كانط وهيجل، وصولًا إلى مفكري القرن العشرين مثل لودفيج فيتجنشتاين، وجوتلوب فريج، ودبليو في كواين، ومايكل دوميت وكثير غيرهم - يبين لنا كيفية نقل نقطة ارتكاز اهتمامنا من التمثيل إلى الاستدلال، من الجزيئية إلى الشمولية، من الفردي إلى الاجتماعي، ومن الواقعية الوصفية إلى المعيارية. باختصار: أوضح براندوم أنه من خلال والمعايير الاجتماعية والمجتمعية فإن نعطي معنى لكلماتنا.

وفقا لبراندوم، نحن ككائنات عقلانية نبحث عن الأسباب، ونقوم بتأكيدات تربطنا بالاتصال (من خلال الاستدلال) بين الأشياء التي نقولها، ولكن هذا في الواقع جزء من لعبة الأمور الموجود بالفعل واضحة، سواء في معاييرنا الاجتماعية أوالأخلاقية أوالسياسية.

في إسرائيل، بدأت هذه الخطوة التي لا لبس فيها للوضوح في يوليو 2014 – وبالتحديد أكثر بين 8 يوليو و 27 أغسطس من العام الماضي - عندما شنت إسرائيل عملية عسكرية تسمى "تساك إيتان Tsuk Eitan". وهي تعني "الجرف المتين Firm Cliff" وليس "الحافة الواقية Protective Edge"، كما ترجمها المتحدث باسم الجيش إلى الإنجليزية، ليجعلها عبارة تعبر عن موقف دفاعي بشكل ضمني. لم يتم الإعلان عن الأهداف المحددة للعملية بشكل واضح، فانتقلت من الهدف المذكور وهو وقف صواريخ حماس من السقوط على الأراضي الإسرائيلية إلى هدف تدمير الأنفاق إلى إضعاف حماس إلى إعادة الهدوء والأمن للمجتمعات الإسرائيلية في الجنوب إلى تحقيق السيادية العسكرية المسؤولة التي ضعفت في غزة.

بحلول نهاية العملية، قتل أكثر من 2100 من سكان غزة، معظمهم من المدنيين، نحو 500 من هؤلاء كانوا من الأطفال. قتل ثلاثة وسبعون الإسرائيليين خلال "الجرف المتين" - جميعهم تقريبا من الجنود. في أعقاب الأهوال - أو أثناءها أحيانًا – اشترك الصحفيين والدبلوماسيين والسياسيين والأكاديميين والنقاد في تقييم أحداث الصيف وعواقبها المحتملة. من المثير للدهشة أنهم أنتجوا تقييمين متناقضين. من ناحية، كان هناك رثاء ضجر مألوف يقول أنه "ليس هناك شيء جديد تحت الشمس" (ويقول ضمنيًا "أنه لن يكون هناك جديد")؛ قيل أن الإسرائيليين والفلسطينيين سيواصلوا "صراعهم" الذي امتد لعقود طويلة مع قليل من العنف بشكل ثابت، وبين الحين والآخر سيكون هناك تفجر لعنف شديد. من ناحية أخرى، كان هناك تصور جديد أن هناك شيء أساسي "قد" تغير هذه المرة. جلب هذا الصيف ظاهرة جديدة، لا تزال معالمها غير محددة، ولا يزال يتعين قياس أثرها. لكنني أقول أنه في صيف عام 2014 أصبحت الأمور واضحة.

بدأ الوضوح بعد اختطاف وقتل ثلاثة مراهقين إسرائيليين من قبل الفلسطينيين يوم 12 يونيو 2014. ظهر في الجو المحموم الذي اجتاح اسرائيل حتى اكتشاف الجثث يوم 30 يونيو، والقتل الذي ترتب عليه لفتى فلسطيني من قبل اليهود الإسرائيليين في 2 يوليو بغرض الانتقام. خلال تلك الأسابيع الثلاثة، دعا القادة الإسرائيليين صراحة للانتقام، حيث اقتبس رئيس الوزراء نتنياهو علنا ​​الشاعر الوطني حاييم نحمان بياليك في قوله "انتقام مثل هذا، لدماء طفل، / لم يخلقه الشيطان بعد."

عندما بدأ القتال في عملية "الجرف المتين" بشكل رسمي، كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية - سواء من تلقاء نفسها أو أثناء نقلها عن القادة السياسيين والثقافيين والدينيين والعسكريين- مليئة برسائل واضحة من العنصرية والكراهية تجاه أي وكل العرب أو الفلسطينيين. أصبح يمكننا أن نرى ونسمع بوضوح شعار "الموت للعرب" وهو الشعار الذي كان يجرى نبذه سابقا بوصفه تحريض يستخدم أساسًا من قبل المتطرفين السابقين ومشجعي كرة القدم. والمحتجين المناهضين للحرب –الذين يواجهون الآن دون حماية الشرطة ما يسمى بـ "القوميين" أنصار الحرب- يسمعون بآذانهم جملة "الموت لليساريين". العداوة المختمرة منذ مدة طويلة بين اليهود والعرب، والتي كانت دائما مفهومة لكن في بعض الأحيان غير معلنة، قد خرجت للعلن بكل قوتها، وظهرت إلى السطح الذي يغلي. إننا في مواجهة الانتقال الغامض –ولكنه كبير- من الضمنية إلى الوضوح.

في مارس من هذا العام كنا شهدنا الانتخابات في إسرائيل. قبل ثلاثة ايام من الانتخابات أظهرت استطلاعات الرأي أن نتنياهو متفوق على منافسه اسحق هرتسوج (زعيم الاتحاد الصهيوني"اليساري الوسطي"). في تلك الأيام الأخيرة، قدم نتنياهو تصريحين مدهشيين. أولًا، قال في مقابلة مع صحيفة اليوم السابق للانتخابات انه لن تكون هناك دولة فلسطينية تقام خلال فترة ولايته كرئيس للوزراء. ثانيا، في يوم الانتخابات نفسها، دعا ناخبيه للخروج للتصويت لحزبه، محذرا من أن العرب كانوا يصوتون "كالقطعان." ماذا كان يفعل بالضبط؟

أعرب نتنياهو بالتحديد عن شيء "مخالف للأعراف،" فما قاله بوضوح لم يكن ضمن قيم الديمقراطية العالمية ، والتي غالبا ما تقال بصوت عال في بيانات إسرائيل الرسمية، ولكنه أعرب عن المعايير الصهيونية الجريئة غير المزينة التي تهتم بحقوق اليهود فقط وبإقصاء المواطنين العرب. قد تكون هذه المعايير ضمنية. قد تكون مختبئة في المجتمع الإسرائيلي (حتى في ما ينظر إليه على أنها يسار الوسط الصهيوني) ولكنهم لهذا السبب لا يقلون في تنظيمهم وتأسيسهم للمجتمع اليهودي الإسرائيلي. ولكن جعل تلك الأعراف واضحة ذكّر الناخبين اليهود كيف ينبغي عليهم أن التصويت.

تصريح نتنياهو ضد فكرة إنشاء الدولة الفلسطينية خلال فترة ولايته كان أيضا "مخالف للأعراف،" كان ذلك صادمًا في مواجهة عدة سنوات من الجهود الدبلوماسية. ولكن ما هي الدبلوماسية، إن لم تكن الأمور الضمنية في أقصى حدودها؟ نعم، كان نتنياهو قد أعلن دعمه لـ"الدولة الفلسطينية" في كتابه (سيء) السمعة خطاب بار ايلان لعام 2009. ولكن المتابع لأفعاله وكلامه منذ ذلك التصريح ينبغي أن يكون عالمًا بنواياه الحقيقية. كان تحرك نتنياهو للوضوح هو الذي قلب الألعاب الدبلوماسية الضمنية.

بهذين التصريحين، أوضح نتنياهو المعتقدات والمواقف الضمنية التي تمثل المعايير الحقيقية للصهيونية ولإسرائيل اليهودية أو على الأقل، للعديد من مواطنيها.

قد نسأل أيهما أفضل - نفاق التظاهر بقبول المعايير الديمقراطية العالمية، أو الصدق بإنكارها لصالح المعايير التمييزية الضيقة؟ أيهما أفضل، الضمنية أم الوضوح؟ براندوم يخبرنا بأن "المعايير السياسية ... تنتهي لأن تكون مسألة توضيح الأمور الضمنية في عيش حياة من توفير الأسباب والسؤال عنها." ولكن ما إذا كان النظام الشامل للقواعد الضمنية هو في حد ذاته يستحق الشجب؟ أو حتى لو كان هناك تعارض بين قواعد ضمنية مختلفة، البعض عالمي والبعض الآخر حصري - هل هناك أي قيمة في جعل البعض االأخير واضحًا؟ تلك هي المشكلة.

إن قصة إسرائيل قصة حزينة، وقد أصبحت هذه القصة الآن واضحة بشكل مؤسف. ومع ذلك، فإننا قد نتطلع إلى براندوم من أجل بارقة أمل: فهو يشير إلى أنه "بجعل الأمور واضحة، فأنت الآن في وضع يمكنك من أن تكون حاسمًا حول هذا الموضوع." فجعل المعايير التي تحكم في إسرائيل واضحة- إلى جانب الصدمة الضمير الإنساني- قد يفتح محادثة م مفتقدة إلى حد بعيد في الولايات المتحدة. بالنسبة لبراندوم، فالآثار المترتبة الفلسفية، ولكنها لا تقل سياسية: "إذا استطعت كشف الأشياء حتى يمكننا مناقشتها ونقدم ونسأل عن الأسباب، فإن هذه الاستدلالات الضمنية القابعة في مفاهيمنا لن يكون لها قوة علينا بعد الآن. لقد غرجوا إلى العلن حيث لدينا قوة المنطق للسيطرة عليهم."

ربما هذا النوع من التفكير- الذي اصبح الآن في سياقات سياسية واضحا- قد يؤدي إلى قوة تغييره

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب