حرب السعودية في اليمن تتكشف

أخبار

 في الوقت الحالي فإن انغماس السعودية في الحرب الأهلية في اليمن بالجوار لمنع الفصائل المدعومة من إيران من الاستيلاء على السلطة يحظى بشعبيةٍ ضخمة في الداخل، ويبدو المزاج العام متحمسا للحرب تماما. إلا أنه بعد أكثر من خمسة أسابيع من حملة القصف اليومي، يبدأ بعض السعوديين بالتساؤل في أحاديثهم الخاصة حول إن كان الهدف المعلن وهو استعادة حليفهم الذي تمت الاطاحة به مبالغا فيه.

بعد اثارة المشاعر الوطنية والمعادية لايران إلى درجة الحمى، خفضت الحكومة بقدرٍ ما من نبرة الإشادة الإعلامية بالتدخل ذو القيادة السعودية الذي اشتركت فيه ثمان دول عربية ومنعت أيضا أي تساؤلات علنية لحملة قصف جوية أحدثت أزمةً انسانية في أنحاء البلاد وأوقعت آلاف الضحايا.

حتى إن بعض أقوى حلفاء المملكة قد ذهلوا من التحول الغريب في الاستراتيجية العسكرية السعودية من حملة قصف شاملة إلى توقف مفاجئ ثم استئنافها مجددا. فاقم من هذه الشكوك حقيقة أن انتفاضةً عامة للقبائل اليمنية المعادية للمتمردين الحوثيين المدعومين من ايران فشلت أن تتحقق.

"اين القبائل؟" سأل أكاديمي سعودي يراقب الحرب اليمنية عن كثب.

الرهانات شديدة الارتفاع بالنسبة للملك سلمان، والذي تولى العرش فقط في نهاية يناير بعد وفاة سابقه الذي كان يبلغ من العمر 92 عاما، عبدالله. الرهانات مرتفعة خاصةً بالنسبة لابن سلمان، محمد، والذي عينه وزير الدفاع في عمر التاسعة والعشرين فقط رغم عدم امتلاكه أي خبرة عسكرية.

الرهانات مرتفعة أيضا فيما يخص محاولة السعودية لقيادة العالم السني وتصميمها على أنها تستطيع أن تصبح معادلا عسكريا لايران الشيعية، خصمها الرئيسي والداعم الأجنبي للحوثيين المرتبطين بالشيعة، والذين لا يزالون يسيطرون على معظم اليمن بما فيها العاصمة صنعاء.

حتى الآن، يبدو أن الجيل الجديد من "الصقور" السعوديين والذين تقدموا للأمام لتنفيذ أول إسقاط قوة كبير خلف حدود المملكة يملك دعما شعبيا واسعا. خلال زيارةٍ أخيرة لمدة عشرة أيام، سمعت عشرات السعوديين يرددون في أحاديثهم الخاصة نفس المشاعر التي عبر عنها علنا السفير السعودي في لندن، الأمير محمد بن نواف. في مقابلةٍ مع وكالة رويترز في 22 ابريل، أكد "يجب أن نثبت أنفسنا" ونثبت "أننا نستطيع التعامل مع مشكلاتنا الخاصة". وعبر أيضا عن تصورٍ يتشارك فيه معظم السعوديين هنا، وهو أنه "لا يجب أن يكون لايران أي نفوذ فيما يتعلق بالشؤون اليمنية" لأنهم "ليسوا جزءا من العالم العربي".

والأكثر أهمية للأسرة المالكة السعودية هو أن المؤسسة الدينية الوهابية شديدة المحافظة، أهم جمهورٍ داخليٍ لها، تقف خلف التدخل في اليمن. فهي تعتبر الحوثيين الذين ينتمون إلى الطائفة الزيدية كفارا. حتى قبل بداية الحرب الجوية التي تقودها السعودية في 26 مارس، كان مفتي السعودية، عبد العزيز الشيخ، يهاجم الحوثيين كمهرطقين يريدون "القضاء على الاسلام".

التخوف السعودي الرئيسي هو أن اليمن في طريقها إلى أن تصبح لبنانا آخر بمجتمعاتٍ دينيةٍ مفتتة وميلشيا مستقلة مدعومة من الخارج مثل ميشليا حزب الله الشيعي، والذي يعتبر على نطاقٍ واسع وكيلٌ ايراني. "وجود لبنانٍ آخر، حزب الله آخر، هو أمرٌ غير مطروح بالنسبة إلينا" قال خليل الخليل، المعلق على السياسة السعودية الخارجية. "لن نسمح بحدوث هذا مهما كان الثمن."

فقط في مقاطعات المملكة الشرقية، حيث تتركز الأقلية الشيعية السعودية، تسمع آراءً معارضة. هناك، أسفل الهدوء على السطح، فالوضع "متوتر"، حسب قياديٍ شيعي، لأن الشيعة السعوديين يشتبه في أنهم يحملون تعاطفا لايران الشيعية والحوثيين. المقيمون هناك يلاحظون زيادةً في المشاعر المعادية للشيعة آتيةٍ من المدونين والمغردين تتضمن دعواتٍ لإعدام مثير المتاعب الدينية الشيخ نمر النمر. لقد تمت محاكمته والحكم عليه بالاعدام بتهمة اقتراح انفصال المنطقة الشرقية الغنية بالنفط واثارة استياء الشيعة ضد الأسرة السعودية الحاكمة.

لم تسمح الحكومة السعودية بأي نقاشٍ عام، يشكك في استراتيجيتها أو في الأميرين اللذين يقودان الحملة – وزير الدفاع الأمير محمد، الابن الشاب للملك سلمان، ووزير الداخلية محمد بن نايف. حتى أن السفارة السعودية تقاضي عضوا شيعيا في البرلمان الكويتي بسبب انتقاده لحملتها في اليمن كإهانةٍ للمملكة.

أما فيما يخص أين وصل الوضع في أول اسقاط ضخم للقوة العسكرية السعودية خلف حدودها، فتظل هناك فجوة عريضة بين الانجازات الدبلوماسية والانتصارات على أرض المعركة حتى الآن.

على الورق، يمثل قرار مجلس الأمن الذي تمت الموافقة عليه بالاجماع تقريبا (امتنعت روسيا فقط) نصرا كاملا للدبلوماسية السعودية. يطالب القرار بانسحاب المتمردين الحوثيين وحلفائهم "من كل المناطق التي استولوا عليها، بما فيها العاصمة صنعاء"، واعترافهم بشرعية حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، والتي أطاحوا بها في سبتمبر.

لكن، على الأرض بعد أكثر من شهرٍ من القصف المتواصل بواسطة التحالف العربي الذي تقوده السعودية، يستمر الحوثيون ووحدات الجيش الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح في السيطرة على جميع المناطق والأراضي التي كانوا يسيطرون عليها من قبل.

صورت الحكومة السعودية "عملية عاصفة الحزم" التي قامت بها كنجاحٍ تام، مشيرةً إلى الدمار الواسع الذي لحق بمخزونات السلاح الخاصة بالحوثيين وصواريخ أرض-أرض وتأمين الحدود السعودية مع اليمن. وقد اطلقت مرحلةً ثانية سميت بـ "عملية إعادة الأمل" والتي تهدف إلى مساعدة الحلفاء اليمنيين على استعادة الأرض المفقودة واجبار الحوثيين على مفاوضاتٍ تتخذ من قرار الأمم المتحدة أساسا لها.

لكن لا يظهر الحوثيون أو حكومة هادي المقيم حاليا في الرياض أي اهتمامٍ بالقيام بتسوية أو أي نية سوى الانتصار في الصراع العسكري أولا.

أي طرف يفوز في المعارك للسيطرة على المدن والأراضي والولاءات القبلية يظل غير واضح في الرياض كما هو في واشنطن. لا يوجد شيء كمراسل حربي سعودي والرحلات التي تنظمها السلطات للمراسلين الأجانب المقيمين في الرياض تذهب فقط إلى الحدود الجبلية الوعرة مع اليمن. وأنهت الحكومة السعودية نشرتها اليومية منذ 21 ابريل.

المؤشر الوحيد حتى الآن على تحولٍ محتمل في توازن القوى لصالح الفصائل اليمنية المدعومة من السعودية كان سلوك علي عبد الله صالح، الرئيس المخادع الذي حاز في وقتٍ ما ولاء الوحدات العسكرية الرئيسية التي ينسب لها استيلاء الحوثيين الناجح على العاصمة صنعاء في سبتمبر. تورد وكالات الأنباء العربية انه يسعى إلى الحصول على ملجأٍ آمن خارج اليمن لكن حتى الآن لم يجد أي دولة تنوي استضافته. قد تكون أيامه معدودة بعد ان دعا الحوثيين علنا إلى قبول قرار الأمم المتحدة وسحب قواتهم من جميع المدن والأراضي التي استولوا عليها. وقد أرسل حزبه، المؤتمر الشعبي العام، موفدا إلى الرياض مع رسالةٍ انه مستعد لتغيير الجانب الذي يقاتل إلى جانبه.

حتى إذا لم ينشق صالح، فإن احتمالية أن يتخلى الحوثيون عن صنعاء و"جميع المناطق التي استولوا عليها" تبدو مستبعدة. السيناريوهان الأكثر ترجيحا اللذان يناقشهما السعوديون في الجلسات الخاصة هما اعادة تقسيم البلاد إلى شمال وجنوب اليمن، كما كان الوضع بين عامي 1962 و1990، أو إقامة حكومة وحدة وطنية شديدة التداعي يشارك فيها كلٌ من الحوثيين وخصومهم اللدودين. تبدو كلا النتيجتين وصفةً ممتازة للتطفل غير المنتهي بواسطة السعودية وايران بينما تسعى كل منهما إلى تعزيز حلفائهما وهزيمة وكيل الأخرى.

لذا يبدو أن مصير اليمن المحتوم هو أن تظل بيدقا في الحرب الباردة السعودية الايرانية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب