سباق الطاقة النووية في الشرق الأوسط

تقرير صحفي

 هناك هجمة ذهب في الشرق الأوسط، لكنه ليس الذهب الذي يبحث عنه المنقبون. إنها مبيعات المفاعلات؛ لقد جرى الحديث عنها لعقود، لكنها تأخذ منحىً أكثر جدية حاليا. حتى الآن، فإن روسيا في المقدمة. ببنائها محطة الطاقة النووية العاملة الوحيدة في المنطقة – مفاعل بوشهر الإيراني – ستبدأ ايضا ببناء أربعة مفاعلات في تركيا في أواخر هذا العام أو العام المقبل، حيث يتوقع أن يبدأ انتاج الطاقة في اوائل العقد القادم. وقعت روسيا ايضا اتفاقياتٍ مع مصر، إيران، والأردن، كما تحاول دخول السوق السعودي.

تحاول دولٌ أخرى الآن تعويض الوقت الضائع. تعاقدت كوريا الجنوبية بالفعل على بناء أربعة مفاعلات في الإمارات العربية المتحدة، حيث يتوقع أن يتم تشغيل أولهم في 2017. وتعد الأرجنتين، كندا، الصين، التشيك، فنلندا، فرنسا، اليابان، والمملكة المتحدة، من بين هؤلاء الذين يكافحون للحصول على اتفاقياتهم الخاصة لصفقات مفاعلات، مكونات، و/أو خدمات. بينما تجد الولايات المتحدة، والتي تخضع للمادة 123 من قانون الطاقة النووية الأمريكي – والذي يستلزم أن يلتزم المستقبلون بمجموعة من معايير عدم الانتشار لاستقبال مواد أو معدات أو مكونات نووية – نفسها أكثر تقيدا في استغلال تلك الأسواق. رغم ذلك، بالإضافة إلى تزويد الإمارات بمكونات وخدمات دعم هندسي تحت المادة 123، فإن وزارة الاقتصاد الأمريكية تورد أن تحالفي جي إي-هيتاشي و توشيبا-ويستنجهاوس قد وقعا عقودا مع إكسلون لمحاولة الحصول على صفقة تشييد مفاعل في السعودية، بافتراض أنه سوف يتم التفاوض على اتفاقٍ يتوافق مع المادة 123.

مهما كان وعد الطاقة للذرة المسالمة، فإنه من الواضح تماما أن المخاطر الأمنية التي ينضوي عليها تشييد مفاعلات في الشرق الأوسط تم تجاهلها وسط ذلك الاندفاع – وليس فقط التخوف الذي يتم التعبير عنه عادةً من أن المفاعلات هي نُذُر للأسلحة. الخطر الحقيقي هو احتمالية أن تصبح المحطات نفسها أهدافا أو رهائن لمسلحين شرق أوسطيين عدميين، والذي قد ينتج عنه انصهاراتٍ نووية من نوع تشرنوبيل أو فوكوشيما.

ما حجم الخطر؟ يرسم التاريخ صورةً معقدة. فمن ناحية، لمن تقم أي دولة أو إرهابي بهجومٍ ناجح على محطة طاقة نووية عاملة. حدث أقرب مثال خلال الحرب الأهلية اليوجوسلافية عندما حلقت الطائرات الجوية على ارتفاعٍ منخفض فوق مفاعل كرسكو في سلوفينيا. لكن لم يعقب ذلك هجوم ولم يتحقق شيء من تهديدات القوميين الصرب بتخريب محطة الطاقة.

لكن يوجوسلافيا السابقة يمكن أن توفر فقط ارتياحا فاترا للشرق الأوسط . فهي تبقى المنطقة الوحيدة التي حدث فيها هجماتٍ على مفاعلاتٍ نووية. لحسن الحظ فإن القصف الجوي المتكرر للعراق على مفاعل بوشهر خلال حربها في الثمانينيات مع إيران وتدمير إسرائيل لمفاعلي أوزيراك في العراق والكبر في سوريا عامي 1981 و2007؛ دمرت فقط محطات قيد الإنشاء. حيث أنه مع عدم وجود مواد نووية في تلك المحطات، لم يكن هناك تهاطل نووي. حدثت العمليات العسكرية الوحيدة ضد محطة طاقة عاملة، وهو مفاعل ديمونة الإسرائيلي الصغير للأسلحة، في عام 1991 و2014، عندما حاولت العراق وحماس على الترتيب قصف المنشأة بالصواريخ لكنهما فشلتا.

رغم ذلك تظل المفاعلات أهدافا جذابة. هدد حزب الله بقصف ديمونة بترسانته من الصواريخ إذا اندلعت حرب مع إسرائيل. أعلنت إيران ايضا أن محطة الطاقة على قائمة أهدافها. بالنظر إلى الفوضى التي زرعتها الدولة الإسلامية (تدعى ايضا داعش) والجماعات المشابهة في المنطقة وفلسفة نهاية العالم الخاصة بهم، فإن معقولية محاولة الهجوم على محطة طاقة نووية لا يمكن إنكارها. ونظرا للأداء المتفاوت (على الأكثر) لقوات الدفاع الشرق أوسطية، فإن أمن محطة الطاقة لا يمكن ضمانه.

إذا هاجم الإرهابيون محطة طاقة نووية في الشرق الأوسط، فإن التهاطل النووي سوف يعتمد على سلامة أنظمة الإحتواء الخاصة بالمفاعلات وقدرة فرق الطوارئ على إيقاف الانبعاثات، وهو تحدٍ صعب حتى لأكثر الدول تقدما، مثلما اكتشفت اليابان في فوكوشيما. الإرهاب الجاري، الإقتتال الأهلي، أو الحرب في الوقت الذي يتم فيه محاولة احتواء الخطر سوف يقوم فقط بتعقيد الأمور.

يمكن أن يكون الخطر الأمني يستحق المجازفة إذا كانت المنطقة تواجه بالفعل أزمات عجز طاقة شديدة. بالفعل تواجه الدول الغنية بالنفط والغاز – الجزائر، إيران، السعودية، وآخرون – موارد وقود أحفوري يتم استنفاذها. بينما تظل دولا أخرى في المنطقة، من ضمنها مصر والأردن، محدودة الوقود الأحفوري، لكن جميع الدول في الشرق الأوسط تتشارك بديلا أكثر عملية – الطاقة الشمسية.

بالنسبة لعددٍ من الدول، من ضمنها الجزائر، المعرب، والإمارات العربية المتحدة، فإن الطاقة الشمسية هي بالفعل جزء متنامي من ملف الطاقة المحلي. في 2013، افتتحت الامارات ما كان آنذاك أكبر محطة طاقة شمسية في العالم. في 2014 و2015، تعهدت مصر، إيران، والأردن بزيادةٍ ضخمة في إنشاء محطات الطاقة الشمسية، ووضعت السعودية خططا لتوليد ثلث الكهرباء من الشمس بحلول عام 2040. لكن الرياض تريد ايضا بناء 18 مفاعلا نوويا، والتي، بالإضافة إلى تقليل اعتماد المملكة على الوقود الأحفوري، سوف توفر مستوى أساس من الطاقة لتعويض غياب الطاقة الشمسية ليلا.

لكنه سوف يكون من الصعب الإستمرار في تبرير الطاقة النووية بذلك الأسلوب، حيث يصبح تخزين البطاريات أكثر كفاءة ومحطات الطاقة الشمسية أكثر فعالية وأرخص في بنائها من المحطات النووية. سوف تستمر محطات النفط والغاز في الوجود كمحطاتٍ احتياطية.

لذا فينبغي أن يسأل صانعو القرار في الشرق الأوسط أنفسهم إذا ما كان لعب الروليت الروسي باستخدام المفاعلات النووية أمرا يستحق المخاطرة. الآن هو الوقت المناسب، قبل أن تنتشر المفاعلات، لكي يعيد مخططو الطاقة في المنطقة التفكير مجددا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب