عملية دراجون رايد: آفاق وأوجه قصور الاستراتيجية الأمريكية في دول البلطيق

مقال رأي

 في مارس، قطعت قافلة للجيش الأمريكي 1100 ميل عبر ست دول في أوروبا. القافلة، والتي ضمت ما يزيد على 500 جندي أمريكي و120 مركبة مروا عبر استونيا، لاتفيا، ليتوانيا، بولاند، التشيك، وصولا إلى قاعدتهم في المانيا، كانت الأطول التي تشهدها أوروبا منذ معركة الثغرة عام 1944.

كانت هذه العملية، والتي سميت دراجون رايد، استعراضا مكره لعالم هزته الأزمة في أوكرانيا. لكن العملية تظهر أيضا نقاط قوة وأوجه قصور الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا، وتعطي لمحة عن كيف أجبر الصراع في أوكرانيا حلف الناتو على إعادة التدبر في هدفه ومستقبله.

قبل إندلاع الأزمة في أوكرانيا، كان معظم واضعو السياسات عبر الأطلنطي ليسخروا من فكرة حرب تقليدية في القارة الأوروبية. صورة الدبابات الروسية تندفع عبر حدود جيرانها كانت من بقايا تاريخ الحرب الباردة، رغم علاقة الناتو المتوترة دائما بخصمه السابق.

A serviceman carries a air-to-ground missile next to Sukhoi Su-25 jet fighters during a drill at the Russian southern Stavropol region, March 12, 2015.

جندي يحمل صاروخ جو-أرض بجانب مقاتلات من طراز سو-25 خلال مناورة، في منطقة ستافروبول الروسية الجنوبية، 12 مارس 2015

غير الاجتياح الروسي لأوكرانيا، بالطبع، ذاك التصور بصورةٍ درامية. تبدو أوروبا آمنة وهادئة، مسمار الارتكاز للدور الأمريكي في العالم، شيئا من الماضي. وقد أُخذ الناتو، الذي تكوّن في البداية لمنع كارثةٍ مماثلة من الحدوث، على حين غرة.

في قمة الناتو لعام 2014 التي عقدت في ويلز، كشف قادة التحالف عن خطة العمل لرفع درجة الاستعداد، والتي تهدف إلى طمأنة الحلفاء القلقين والذين لم يستطيعوا النوم ليلا للتفكير في خطوة بوتين القادمة. دعت الخطة إلى إعادة إنعاش قدرات ردع الناتو الضامرة، والتي تتضمن زيادة الدوريات الجوية، نشر قواتٍ برية في المناطق الشرقية، توسيع مهام التدريب والمناورات العسكرية، وتوسيع الدوريات البحرية في بحر البلطيق، البحر الأسود، والبحر المتوسط. كانت خطة الناتو طموحة، خاصةً مع وجود الانقسامات الداخلية في الحلف، ميزانيات الدفاع المنكمشة عبر الدول الأعضاء، والإرهاق من الحرب نتيجة عقدٍ مرهق في افغانستان. لكنها ايضا لم تكن كافية.

تخدم تدريبات الناتو العسكرية هدفا مزدوجا وهو تعزيز قدرة العمل العسكرية المشتركة وإرسال إشارةٍ إلى روسيا عن قدرات الحلف. لكن الناتو استغرق اشهرا لاعدادها، كما لم يقم باختبار قدرات الرد السريع للأزمات التي قد تطور في غضون ايامٍ أو حتى ساعات، وايضا كان عدد 6000 جندي قليلا. على العكس، شارك في تدريبات روسيا في المقاطعة الغربية، والتي يمكنها ان تتجمع في خلال 24 ساعة، ما بين 65000 و155000 جندي.

في ويلز، وقع أعضاء حلف الناتو تعهدا تاريخيا بعكس الانخفاض الواسع في ميزانية الدفاع. لكن حاليا، فقط 4 دول من بين 28 من الدول الأعضاء تفي بمتطلب 2% من الناتج القومي لميزانية الدفاع، وأعرب قليلون عن أنهم سوف يغيرون هذا. علاوة على ذلك، واجهت خطة الناتو لنشر قوة رأس حربة تتكون من 5000 جندي مستعدين للنشر خلال عدة ايام، والتي كانت حجر زاوية لالتزامات قمة الناتو في ويلز، مشاكل في الالتزام والتمويل والقدرات من البداية.

استجابة لذلك، أطلقت الولايات المتحدة برنامجها الخاص، مبادرة طمأنة أوروبا، ليتمم خطة عمل الناتو لرفع درجة الاستعداد بقيمة ما يزيد عن 1.6 مليار ما بين 2015 و2016. لكن المبادرة هي رقعة مؤقتة؛ بدلا من توسيع التدريبات والأنشطة العسكرية في أوروبا، فإنها تحافظ فقط على الموجودة بالفعل عند مستوياتها الحالية (كان من المفترض في البداية أن تتقلص البرامج عبر السنوات القادمة). بعد بديل مؤقت لمدة سنتين، إذا استمر العزم البيروقراطي الحالي، سوف تستأنف الولايات المتحدة ببطء تفكيك وضع قواتها في أوروبا.

نأتي لعملية دراجون رايد، القافلة التي تهدف لمحاربة تلك الصورة القاتمة. على المستوى التكتيكي، فللعملية قيمة تدريبية ولوجسيتية. صرح القائد العام لقوات حلف الناتو في أوروبا الجنرال فيليب بريدلاف أن القافلة اختبرت عدة أشياء لم يفعلها الناتو منذ سنوات، مثل تعريف قواتها على قدرات المسافات الطويلة والتنسيق "عدة معابر حدودية وأية جسور يمكنها تحمل المركبات". أصبح الجنود أكثر ألفة مع التفاصيل الوظيفية واللوجيستية التي يميل واضعو السياسات إلى تجاهلها. لقد كانت طريقة لإعادة المعدات إلى المانيا من مناوراتٍ في دول البلطيق.

Operation Dragoon Ride stops in Latvia, March 22, 2015.

عملية دراجون رايد تتوقف في لاتفيا، 22 مارس 2015

أظهرت العملية ايضا ادراك القيادة الأوروبية الأمريكية وحلف الناتو أن العلاقات العامة والتواصل الاستراتيجي هما عنصرين مهمين لتعزيز مصالح التحالف. في ضوء ذلك، خدمت عملية دراجون رايد هدف إلقاء الضوء على الوجود الأمريكي في أوروبا لكل مجتمع مرت عبره.

منذ بداية الأزمة في أوكرانيا، ظلت وسائل الاعلام التي تسيطر عليها روسيا تقوم برقصاتٍ خطابية حول التواصل الاستراتيجي لحلف الناتو. نتيجةٍ لذلك، أعتقد معظم الروس أن الغرب الذي يضرب به المثل قد بدأ الحرب، ويعتقد 3% فقط أن الانفصاليين المؤيدين لروسيا أسقطوا الطائرة الماليزية فوق أوكرانيا في 2014. كانت جهود العلاقات العامة للناتو تاريخيا عتيقة وغير بارعة وغير فعالة. لكن الصراع في أوكرانيا دفع الناتو إلى رفع مستواه في الاعلام وبدء مهاجمة الخرافات الروسية التي تحيط بالنزاع في أوكرانيا مباشرة.

رغم أن الجمهور الرئيسي المستهدف من دراجون رايد لم يكن روسيا، فقد أظهرت أن القادة العسكريين في أوروبا يفكرون في كيف يضمنون العلاقات العامة والتواصل في خططهم ووضع تصورات المواطنين الأوروبيين عن التحالف في اعتبارهم. مرت القافلة عبر جمهورية التشيك، وهي دولة بها دوائر من الجماهير المعادية لأمريكا (وبالتالي لأوروبا) ورئيسٍ ذو علاقاتٍ وثيقة بصورةٍ غير مريحة مع روسيا. لكن جماهير كبيرة ومبتهجة حيت القافلة، ووجد استطلاعٌ للرأي أن 82% من التشيكيين موافقين على مرور القافلة عبر بلادهم، على عكس التوقعات.

رغم أنها اظهرت الدعم الشعبي للناتو، إلا أن عملية دراجون رايد تظهر أيضا أوجه قصور استجابة الولايات المتحدة للأزمة في أوكرانيا وروسيا عازمة على استعادة الأراضي التي فقدها الاتحاد السوفيتي. جوهر القضية يقع في "الطمأنة"، الكلمة التي تستخدمها قيادة الناتو والولايات المتحدة في مناخ الأمن الحالي (كما يتضح في مبادرة طمأنة أوروبا وخطة العمل لرفع درجة الاستعداد الخاصة بالناتو). بريدلاف، محافظا على نفس الخط، أثنى على عملية دراجون رايد كـ"رسالة طمأنة" قوية. لكن الكلمة التي يجب أن يستخدمها القادة عبر الأطلنطي، بشأن عملية دراجون رايد والأنشطة العسكرية المشابهة هي "الردع". كلمة "الردع" ربما تذكر بصورة غير مريحة بالأيام المظلمة للحرب الباردة. لكن رغم وصول العلاقات الغربية الروسية إلى أدنى مستوياتها، فهذه ليست الحرب الباردة.

الفرق بين "الطمأنة" و"الردع" ليس خطابيا فقط، فهو يحمل هدفا سياسيا شديد الأهمية لكلٍ من الحكومات الأعضاء في الناتو وخصومه المحتملين (بالتحديد، روسيا). رغم الأزمة الأوكرانية، يواجه مناصري وجود أمريكي أقوى في أوروبا معركةً متصاعدة. هناك فكرة شائعة أن أوروبا لن تدفع فاتورة دفاعها، وأن الإجراءات تحت مسمى "الطمأنة" لا تخدم أي هدف استراتيجي باستثناء تهدئة الحلفاء القلقين واستعراض قوات رمزية في بلدانهم لمساعدتهم في الحصول على نومٍ أفضل ليلا. ليس هذا ما تتعلق بشأنه المبادرات مثل دراجون رايد. إنها أول وأسبق إثباتات لروسيا أن التحالف يتخذ ضماناته الأمنية بجدية، لكن ذلك يجب أن يقدم إلى روسيا اولا، وإلى الحلفاء ثانيا. اعتقاد بولندا أو استونيا مبادرات الطمأنة كافية لا يحدث أي فرق؛ إذا كان بوتين يعتقد أنها ليست كافية، فسوف يتصرف تبعا لذلك. بكلماتٍ أخرى، يجب ردعه. يجب تذكيره بقداسه المادة الخامسة للناتو التي تتعلق بالالتزام بالدفاع المشترك. إذا لم يحدث ذلك، يمكن أن تخطأ حساباته بخطورة حيث يقع فعليا الخط الأحمر للناتو، دافعا الحلف إلى ان يأخذ بعين الاعتبار مواجهة عسكرية شاملة إذا عبره.

Supporters of the U.S. Army's Dragoon Ride military exercise wave U.S. flags as they oppose a demonstration against the exercise in Prague, March 28, 2015.

مناصرو عملية دراجون رايد التي يقوم بها الجيش الأمريكي يلوحون بالأعلام الأمريكية في مواجهة مظاهرة مناهضة للعملية في براغ، 28 مارس 2015

تذكر الصور من عملية دراجون رايد بايام الحرب العالمية الثانية؛ الجموع المهللة تصطف في الشوارع الأوروبية لرؤية الأرتال الأمريكية المدرعة في أوروبا. تلك المقاربة التاريخية الواضحة توصل شعور أن أوروبا مرةً أخرى في خطر، وأن الالتزام الأمني الأمريكي والوجود العسكري يظل محور ارتكاز في هيكل الامن الأوروبي. أظهرت دراجون رايد تأكيد الولايات المتحدة والناتو الجديد على التمرينات العسكرية على طول حدود الحلف الشرقية، الأهمية المتنامية للاتصالات الاستراتيجية بالنسبة للناتو، وأوجه قصور كلا من الالتزامات الأمريكية نحو أوروبا وكيف تنظر إلى تلك الالتزامات. دراجون رايد هي عملية نموذجية يجب محاكاتها، لكن هل مثل تلك العمليات كافية لتعزيز الأمن الأوروبي يبقى أمرا محل شك.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب