فورين بوليسي: العهد الذهبي لإدارة الشرق الأوسط

مقال رأي

إذا لم تكن قد رأيته، عليك بقراءة مقال "آدم ناجورني" الأخير الرائع في "نيويورك تايمز" حول كيفية تعامل اثنين من حكام ولاية كاليفورنيا – إدموند جي براون الأب، المعروف باسم بات، وابنه الحاكم الحالي جيري براون - مع مشاكل في ولاية كاليفورنيا. الحياة ليست مثالية. ولكنك سنستنتج أن فردي عائلة براون كانا ناجحين جدًا بشكل متوازن.

هناك تلك العبارة التي يفضلها جيري براون، كما قال لـ "تايمز" مدير وكالة الصحة والخدمات الإنسانية في الولاية، والتي تلخص تحليلات هؤلاء الحاكمين ووصفتهم حول كيفية التعامل مع مشاكل ولاية كاليفورنيا:"ليس لدينا مشاكل يتعين حلها. لدينا ظروف يجب التعامل معها."

لقد أثرت في هذه العبارة. وكلما فكرت في الامر، كلما بدت لي ذات صلة، بل شديدة الأهمية، ليس فقط في سياق ولاية كاليفورنيا، ولكن أيضا بالنسبة للفوضى التي تواجه إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما في الشرق الأوسط اليوم (وغالبًا في المستقبل كذلك).

أليست تلك هي الحقيقة رغم ذلك.

بداية من التعامل مع الإرهابيين الإسلاميين العابرين للحدود وصولًا إلى الربيع العربي الذي تحول إلى إنهيار عربي كبير، وحتلى البحث الذي لا ينتهي عن حل الدولتين، والاتفاق النووي الإيران الذي يزعم أنه يقدم حلا شاملا، ستواجه إدارة أوباما – بل ومن المؤكد أن تواجه الإدارة التالية لها كذلك مشاكل يتعين إدارتها، وليس حلها نهائيا. ولكن على عكس الحال في ولاية كاليفورنيا، حيث يمكن للإبداع والابتكار والخيال أن يقودوا إلى نتائج في أي عدد من المشاكل، بما في ذلك نقص المياه أو الجفاف المستمر لفترات طويلة، مما يسمح بظهور حلول فعلية بمرور الوقت، ولكن في منطقة الشرق الأوسط من الصعب حقا أن نرى تلك الحلول تظهر حتى مع الوقت. لذلك، فإدارة أوباما لا تتعامل كثيرا مع مشكلات الشرق الأوسط بقدر ما تؤجلهم للمستقبل. بل أنه مع كل النقائص والعيوب في سياسات الإدارة الحالية، (وهناك الكثير منها)، قد لا يكون هناك بديل أفضل.

دعونا نأخذ جولة اقليمية سريعة وننظر في القضايا الرئيسية التي تتصارع فيها إدارة أوباما في المنطقة، وسترون ما أعنيه.

الإرهاب

بعد ما يقرب من 14 سنة على هجمات 11 سبتمبر، وعلى الرغم من ادعاءات إدارة أوباما السابقة أن تنظيم القاعدة قد دمر وإنها الآن مجرد "ظل لما كانت عليه سابقا،" فالولايات المتحدة تواجه تنظيمات مشتقة من القاعدة لا تزال تشكل خطرا حقيقيا على حلفاء الولايات المتحدة والطيران التجاري الأمريكي، فضلا عن تحديات جديدة تقدمها الدولة الإسلامية. بالطبع حصدت الولايات المتحدة بعض المكاسب الحقيقية. فبعد كل شيء، خلال عقد ونصف ، لم يكن هناك هجوم ثان ناجح على الولايات المتحدة موجهًا بشكل عملي من قبل منظمة إرهابية أجنبية.

إلا أن الحرب الطويلة ستستمر لسنوات قادمة. ذلك لأن مصادر بكتريا الإرهاب يأتي من أيديولوجية معادية للغرب ومعادية للولايات المتحدة إلى جانب حكم سيء- أو دون حكم على الإطلاق- مما يخلق فرصا وملاذات آمنة للجماعات الإرهابية الممولة جيدا والمسلحة. وعلاجها النهائي-  وهو نشوء حكم جيد ومستقر في الشرق الأوسط - سيستمر لأجيال.

لننظر في أحداث الأيام القليلة الماضية: تقتل القوات الخاصة الأمريكية قيادي بارز في الدولة الإسلامية، وبعدها بوقت قصير يستولي هجوم الدولة الإسلامية على مدينة الرمادي بالعراق. وهذا الهجوم هو خطوة لا تكتفي بتوضيح عدم فعالية قوات الأمن العراقية، ولكنها أيضًا تعزز نفوذ الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران التي تتحدى رجل أمريكا الجديد في بغداد، رئيس الوزراء حيدر العبادي. هل هناك بديل آخر سوى مواصلة التشويش من خلال تعزيز مكافحة الإرهاب، والاعتماد على الحلفاء المحليين، واستخدام القوات الخاصة والقوة الجوية، ودفع للإصلاح السياسي (رغم عدم مثالية النتائج) في بيئة تتمتع إيران وحلفائها فيها باليد العليا ، وفيها لايستطيع العبادي الشيعي تمكينهم أكثر من اللازم؟ (مهما كان يريد للوصول إلى السنة والاكراد) هل ستحدث أن زيادة كبيرة أخرى للقوات تضم الآلاف من القوات البرية الأمريكية حقا أي فرق في هذه الظروف؟ ألم نشاهد هذا الفيلم من قبل؟ إننا في نفس مكاننا. لقد حان الوقت لحوار يتحرك وراء إلقاء اللوم على بوش لغزوه العراق ثم على أوباما لمحاولته الخروج منها بسرعة كبيرة جدا.

في العراق، علينا أن نفكر في النتائج، وليس الحلول. وليست أي من تلك الحلول متاحة. لا نستطيع ولن نصلح ذلك الأمر.

الحكم العربي

كتب المؤرخ الروماني تاسيتوس: "أعدل يوم بعد إمبراطور سيء هو الأول." وعلى الرغم من الآمال العابرة التي برزت مع إزاحة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، والرئيس المصري حسني مبارك، واليمني علي عبد الله صالح، والليبي معمر القذافي، فوعود الاستقرار والازدهار والحكم الأفضل لم تتحقق أبدًا. ولا التحول الليبرالي المأمول في أعقاب سقوطهم. وكانت هذه الآمال في النهاية مجرد أوهام، نظرا لحقائق المنطقة. آل ما يسمى بالربيع العربي إلى حالة من الفوضى والحرب الأهلية والمواجهات الطائفية القاتلة، وانعدام الحكم أو الحكم السيئ في أماكن مثل ليبيا واليمن وسوريا والعراق. نجا الملوك العرب. ولكن دون خطة للإصلاح السياسي والاقتصادي على الأقل، لا ينبغي أن يؤخذ استقراره أمرا مفروغا منه. مصر مستقرة، لكنها تواجه مشاكل سياسية واقتصادية هائلة. فقط تونس صغيرة الحجم ووالمغرب وكردستان العراقية هم الذين يبدو وكأنهم يعملون بفعالية.

يريد رئيس الولايات المتحدة أن يكون على الجانب الصحيح من التاريخ، أيا كان يعني ذلك ، مما يجعله عاجزًا جدا أن يفعل الكثير حول هذا الأمر. في الواقع، وبعيدا عن السعي للتحول، فإن أوباما سيقضي العشرين شهرا الاخيرة له في منصبه يفعل ما في وسعه لجلب بعض النظام إلى هذا العالم الفوضوي. هذا لن يكون سهلا، ولن يركز على الأمل والتغيير. لديه فرصة ضئيلة لدعم الدول الاستبدادية المتبقية - مصر والسعودية والإمارات – في المنطقة، حيث تحتفظ الولايات المتحدة بعدد قليل من الأصدقاء وتواجه الكثير من عدم الاستقرار.

ثم هناك سوريا، أيقونة ما آل إليه الربيع العربي. يعاني الرئيس بشار الأسد من ضعف متزايد وربما يسقط. ولكن حتى مع ذلك، فمن غير المحتمل أن نرى دولة نهائية هناك حيث تتنافس الجماعات الإسلامية المناهضة للأسد والقوى الإقليمية الخارجية والدولة الإسلامية على السلطة والسيطرة. ومع ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تفعل ما في وسعها للمساعدة في تشكيل عملية الانتقال السياسي، وتدريب عناصر المعارضة المسؤولة، والتحقق من روسيا وايران لمعرفة ما إذا كان هناك أي تغيير في وجهات نظر أنصار الأسد الخارجيين الرئيسيين، والمساعدة في تنظيم استجابة دولية، على الرغم من أنه من غير المحتمل أن تساهم واشنطن بالكثير من المليارات من الدولارات والآلاف من قوات حفظ السلام المطلوبة لتحقيق الاستقرار في هذه الفوضى.

انها سوريا. فعليك بالتفكير في النتائج، وليس الحلول الشاملة. لا نستطيع ولن نصلح ذلك الأمر.

حل الدولتين

من الصعب تصور حل ينهي النزاع - حل يعالج القدس واللاجئين بل وحتى الحدود - مع وجود رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس في موضع السلطة. قال أوباما ذلك تقريبًا في مقابلة قام بها مؤخرا لقناة العربية. سيكون من الجميل أن نأمل بأن يحاول الإسرائيليون والفلسطينيون تحديد الحدود والأمن، وربما ترك القضايا الأكثر صعوبة مثل القدس حتى وقت لاحق. ولكن لن يلق هذا أبدا شعبية كبيرة بين الفلسطينيين، ومن الصعب أن نتصور أنه سيكون من الكثير من الاهتمام بهذه من قبل الحكومة الإسرائيلية أيضا.

التحدي بالنسبة لإدارة أوباما هو محاولة تجنب انفجار العنف بين الاسرائيليين والفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع الحفاظ على التعاون الأمني ​​الإسرائيلي-الفلسطيني، وضمان وصول عائدات الضرائب ومساعدات المانحين إلى السلطة الفلسطينية، وإذا أمكن ، جعل نتنياهو وعباس ينخرطان في عملية من شأنها أن تعزز السلطة الفلسطينية اقتصاديا وربما حتى نرى نقل الإسرائيليون لسلطة أراضي إضافية في الضفة الغربية إلى السيطرة الفلسطينية.

إذا احتاجت الإدارة لعملية سلام، عليها إبرام عملية تسيطر عليها الولايات المتحدة، وليس تسليم المبادرة إلى الفرنسيين والروس والصينية في قرار لمجلس أمن لأمم المتحدة. إذا كان رئيس الولايات المتحدة يجب أن يتدخل في الاتفاق النهائي في نهاية اللعبة، يجب على أوباما أن يحاول توضيح قواعد إدارته على غرار ما فعله الرئيس بيل كلينتون في عام 2000. وهي من شأنها أن تضم عناصر وجهات النظر الأمريكية بشأن القضايا الأساسية وقواعد الطريق حول ما هو ضروري لخلق بيئة جادة للمفاوضات. يمكن لوزير الخارجية جون كيري أن يقضي ستة أشهر كاملة في التشاور مع الطرفين ومع اللجنة الرباعية (الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة وروسيا والولايات المتحدة) إذا كان ذلك أمرًا لا مفر منه. ولكن إدارة أوباما قامت بمحاولتها في محادثات السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين في عام 2013 و 2014، وفشلت. محاولة الوصول بعباس ونتنياهو إلى المرحلة النهائية من المفاوضات الآن هو تفكير ساذج. إلى أن يصبح لديك حكومة إسرائيلية ورئيس سلطة فلسطينية مستعدين وقادرين على اتخاذ قرارات على الأقل قي بعض من القضايا الكبرى، لن يكون هناك اتفاق. بدلا من ذلك، في الأشهر ال 20 المقبلة، يتعين على إدارة أوباما أن تفعل كل ما في وسعها لتسليم الرئيس القادم للولايات المتحدة وضع مستقر إلى حد ما، على الأقل ليس أسوأ مما وصل لها.

انه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فكر في النتائج، وليس الحلول.

إيران

ولكن انتظر لحظة،  ماذا عن الاتفاق النووي الإيراني؟

هذا حل شامل لمشكلة ما. على الأقل هذا ما يقوله الرئيس الأمريكي ووزير الخارجية عن الاتفاق النووي الحالي. ايًا كان ما تمثله هذه الصفقة – مثل كونها وسيلة لكسب الوقت، أو تجنب الحرب، أو إبطاء تطور البرنامج النووي الإيراني، أو تشجيع القوى المعتدلة في البلاد الذين يأملون في تغيير إيران من دولة منبوذة إلى دولة أكثر حرية في الداخل ودمجها في المجتمع الدولي – فهي لا تمثل بالتأكيد حل نهائي لمشكلة طموحات ايران النووية.

كيف يمكن لنا أن نتصور اتفاق شامل؟ هذا الأسبوع، استبعد المرشد الأعلى لإيران وجود عمليات تفتيش للمواقع العسكرية الإيرانية. ولن تسمح أي بلد للمفتشين الأجانب بالذهاب إلى أي مكان في أي وقت. تعرف إيران كيف تصنع القنابل النووية، وسيتركها ذلك مع بنية تحتية نووية قوية جدا، وخيار متابعة تصاميم أسلحتها وتطلعاتها الشريرة في المنطقة إذا اختارت فعل ذلك. وذلك أمر منطقي – بل أود أن أقول إنه أكثر منطقية - من الرؤية البديلة: إيران وقد تم إصلاحها، فأصبحت اقل قمعية في الداخل، وأقل تصميما على بسط نفوذها في المنطقة. قد تكون المفاوضات بالطبع أفضل من الحرب أو القنبلة النووية الإيرانية. ولكن ادعاء البعض بأن هذه الصفقة ستستمر "إلى الأبد"، كما فعل كيري، هو اهانة للذكاء الجماعي. في أحسن الأحوال إن هذا اتفاق مؤقت آخر.

إنها ايران - بلد يشكل ايضًا قضية، ويعتقد انه قوة إقليمية عظمى. فكر في النتائج، وليس في حلول شاملة.

هل هذا  انهزامية جدًا بالنسبة لك؟ تعتقد أنني قد حولت الولايات المتحدة إلى نبات محفوظ بوعاء غير قادر على ممارسة نفوذ وقيادة حقيقية ؟

ربما. ولكن لا يوجد شيء في تاريخ سياسات هذه الإدارة في المنطقة أو في طبيعة القادة في هذه المنطقة، يطرح وجهة نظر أكثر تفاؤلا أو توحي بالثقة في أن أي من هذه المشاكل جاهزة لإيجاد حلول دائمة. فكر في النتائج - وربما في بعضها التي نستطيع إدارتها، مثل حماية الوطن وتحرير أنفسنا من الاعتماد على النفط والغاز العربي. ولكن اترك، على الأقل في الوقت الحالي، فكرة أننا سنحل الأمور، ونحول الظروف، ونصلح الأمور في هذه المنطقة المكسورة والغاضبة وغير فعالة. اخفض توقعاتك. ستكون أكثر سعادة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب