في اليمن، محاولة إنقاذ الناس دون استسلام

تقرير صحفي

 تفكر جماعات الإغاثة الإنسانية - التي كانت شريان الحياة لملايين من الناس اليائسين في اليمن - فيرفض تبرع بقيمة 274 مليون دولار من السعودية بينما تستمر الرياض في قصف المتمردين الحوثيين في أحدث حروب الشرق الأوسط.

والصراع - الذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه حرب بالوكالة بين السعودية وإيران - يبين معضلة أخلاقية بالنسبة إلى عمال الإغاثة الذين يحتاجون إلى الأموال لمساعدة المدنيين الجوعى والمرضى والمشرّدين في اليمن ولكنهم في قلق من الظهور وكأنهم متواطئين في الحملة الجوية المدمّرة التي يُعتقد أنها قتلت أكثر من 1000 شخص.

قد يكون التبرع السعودي غير مسبوق: فيُعتقد أنها المرة الأولى، في الذاكرة الحديثة، التي تدفع فيها أُمّة واحدة 100٪ مما يسمى بصندوق طواريء، "النداء العاجل"، الذي يديره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. فعادة ما يتم تمويل النداءات العاجلة من قِبَل العديد من الجهات المانحة.

أحد عمال الإغاثة الغربيين، الذي تم نقله مؤخرًا من صنعاء، تحدث إلى "فورين بوليسي" بشرط عدم ذكر اسمه، واصفًا التبرع السعودي بـ "الأموال الملطخة بالذنوب" حيث إنها مضت قدمًا في حملة القصف بدلًا من الدفع بقوة لوقف إطلاق النار. وحثّ عامل إغاثة آخر، من منظمة مختلفة، زملاءه "على تجنب تمويل السعودية للنداء الإنساني في اليمن"، وفقًا لرسائل بريد إلكتروني حصلت عليها "فورين بوليسي" تم إرسالها إلى ثمانية على الأقل من وكالات الإغاثة، بما في ذلك الاتحاد الدولي للصليب الأحمر، و الهلال الأحمر، ومنظمة "كير" الدولية، و"أوكسفام"، ومنظمة "سيف ذا تشيلدرن".

ليلة الاثنين، بعد ساعات من نشر هذه المقالة، أصدرت السفارة السعودية في واشنطن بيانًا قالت فيه إن الرياض وأعضاء التحالف العربي الآخرين سوف ينظرون في وقف إطلاق النار في مناطق معينة في اليمن لإتاحة الوصول الضروري لجماعات الإغاثة من أجل إيصال المساعدات. لكن حذّر وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، في بيان له، من أن المتمردين الحوثيين من المرجح أن "يحاولوا استغلال وقف إطلاق النار ويمنعوا الشعب اليمني من تلقي المساعدات"، وقال الجبير إن السعودية ستستأنف قصف المتمردين الذين ينتهكون وقف إطلاق النار. حتى الشهر الماضي، كان الجبير سفيرًا للرياض لدى الولايات المتحدة.

تقترب المعضلة من نقطة اتخاذ القرار: على جماعات إغاثة أن تقرر، في الأسابيع القليلة المقبلة، ما إذا كانت ستقبل التبرع السعودي، والذي تم تسليمه إلى مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية على أن توزعه على منظمات الإغاثة. سيجتمع كبار المسؤولين ببعثات المساعدات الإنسانية في الأمم المتحدة والصليب الأحمر، في 13 مايو، مع جماعات الإغاثة الدولية لمناقشة طلب تمويل اليمن.

هناك منظمة مساعدات رئيسية واحدة على الأقل - رفضت الكشف عن هويتها حتى يتم التوصل إلى قرار - تميل ضد أخذ المال، والآخرين في صراع حول ما إذا كان ينبغي عليهم أيضًا رفضه، وفقًا لرسائل بريد إلكتروني ومقابلات مع نصف دزينة من العاملين في المجال الإنساني وبعثات الإغاثة. تحدث الجميع تقريبًا إلى "فورين بوليسي" بشرط عدم الكشف عن هوياتهم بينما تدرس منظماتهم ما إذا كانت وصمة العار التي تنتج عن تحالفهم مع الرياض تفوق الحاجة الماسة إلى إسعاف الضحايا المدنيين للحرب.

"إنه وضع غير مريح"، بحسب قول جويل آر شارني، نائب الرئيس لشؤون السياسة الإنسانية في "إنترأكشن"، وهو تحالف مقرّه واشنطن لمنظمات الإغاثة والدعم في جميع أنحاء العالم. وأضاف: "وهو بالطبع يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه هي وسيلة [للرياض] لغسل يديها أو صرف الانتباه عن الأثر الإنساني للحرب حتى الآن. لا بُدّ أن يكون هناك القليل من الانزعاج، كما أعتقد، نظرًا لحقيقة أن المال كلّه يأتي من متبرع واحد هو أحد المشاركين في الحرب".

ستحتفظ الأمم المتحدة بالمال متاحًا لمنظمات الإغاثة الأخرى التي ستحاول توزيعه في اليمن.

يمثّل "إنترأكشن" نحو 10 منظمات إغاثة تعمل في اليمن، بما في ذلك منظمة أوكسفام والهيئة الطبية الدولية، التي تعرّضت لإصابات موظفيها، أو أضرار لحقت بمستودعات تخزين الأدوية والمواد الغذائية ومواد الإغاثة الأخرى في غارات جوية منتصف إبريل، يعتقدون أنها تمّت بأمر من  الرياض. وقال شارني إن معظم جماعات الإغاثة، إن لم يكن كلها، قد سحبت موظفيها الدوليين من اليمن، تاركةً تلك المهمّة الشاقة للعمال المحليين.

إن اليمن واحد من أفقر البلدان في العالم، ويعاني واحد من كل خمسة من شعبه من نقص التغذية، ووفقًا للأمم المتحدة، كانت بعثات الإغاثة الإنسانية في اليمن تعاني نقصًا كبيرًا في التمويل لسنوات، وكانت في أواخر مارس قد جمعت 8 في المئة فقط من نداء لصندوق طواريء عندما بدأت الغارات الجوية السعودية.

كان هناك ما يصل إلى 16 مليون يمني معتمدين على المساعدات الدولية قبل بدء الحرب، وهناك 12 مليون في خطر التعرض للجوع بشكل مباشر، وفقًا لعامل إغاثة غربي رفيع المستوى ترك اليمن مؤخرًا. كما قال إنه إذا لم يمكن شحن الوقود إلى البلاد في غضون أسبوعين، فمن المحتمل أن العديد من جهود الإغاثة سوف تغلق أبوبها.

وطالبت الأمم المتحدة بوقف لإطلاق النار في اليمن، ودعت الولايات المتحدة لإيجاد حل سياسي للاضطرابات، على الرغم من أن واشنطن تدعم تحالف الدول العربية الذي تقوده السعودية العازم على القضاء على المتمردين الشيعة الحوثيين. ولا تُظهر الرياض علامة على التوقف: قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير لها، يوم الأحد، هناك أدلة على استخدام الذخائر العنقودية المحظورة في الغارات جوية على طول الحدود السعودية في منتصف إبريل.

الذخائر العنقودية محظورة من قِبَل الأمم المتحدة و 91 دولة - ولكن ليس بينها الولايات المتحدة، أو السعودية، أو معظم الشرق الأوسط - لأنها أسلحة غير دقيقة تترك قنابل لم تنفجر ولكنها لا تزال صالحة للانفجار في مناطق الصراع، فيمكن التقاطها أو تفجيرها من قِبَل المدنيين. وضعت نتائج هيومن رايتس ووتش ضغوطًا جديدة على الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي تقبل بشكل عام أموال المانحين من الدول المتحاربة طالما يتم بذل الجهود لحماية المدنيين والتأكد من ألا يتم الخلط بينهم وبين المقاتلين.

في 17 إبريل - قبل أسبوع من تعهد الرياض بإنهاء حملة القصف رغم استمرارها في الهجوم – تبرع العاهل السعودي، الملك سلمان، بكامل مبلغ نداء جديد للأمم المتحدة لمدة ثلاثة أشهر بمقدار 274 مليون دولار لبرنامج يركز على اليمن، ساعدت منظمات الإغاثة في تصميمه. وجاء ذلك عقب أكثر من 850 مليون دولار أعطتها الرياض للاجئين، والطواريء الصحية، وغيرها من الأزمات الإنسانية في الشرق الأوسط وغرب إفريقيا منذ يوليو الماضي.

وقال كيران دوير، المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، "إن أهمية هذا المال لا يمكن التقليل من شأنه". ووصف الوضع في اليمن بأنه "يائس ويزداد سوءً".

وقال دوير: "تلتزم جميع المنظمات الإنسانية بتقديم المساعدات التي تهدف لإنقاذ الحيوات، لكن للقيام بذلك فهي تحتاج إلى موارد". وأضاف: "ومن الصعب جدًا جدًا الحصول من مصادر بديلة على موارد لليمن بهذا النطاق (الواسع)".

وقال دوير أيضًا إن الحكومة السعودية لم تضع أية شروط حول كيفية إنفاق الأموال أو من الذين سيذهبون للمساعدة. وقد وصف شارني ذلك بأنه "نادر جدًا في هذا اليوم وهذا العصر من حالات الطواريء"، وقال إن ذلك سيقلل من قلق منظمات الإغاثة في أن يعتبر أنها تأخذ أحد الجانبين، في الحرب، وهو ما قد يلقي بظلال من الشك على حيادها.

لطالما ضغطت الأمم المتحدة والقوى العالمية مثل الولايات المتحدة على أمم الشرق الأوسط لأخذ زمام المبادرة في مساعدة ضحايا الحرب في منطقتهم، وكان ذلك غالبًا ما يؤدي إلى نتائج قليلة أو منعدمة. يقول شارني "لهذا يمكنك أن تنظر في هذا الأمر وتقول: "انتظر ثانية، من وجهة نظر السعوديين، يبدو وكأنهم يأخذون زمام المبادرة، إنهم يفعلون بالضبط ما نطلبه منهم"".

لكن جماعات الإغاثة التي تعمل في اليمن تقول إنه ليس هناك مغزى كبير في قبول التمويل إذا لم يتمكنوا من الوصول إلى الناس الذين هم في أمس الحاجة إليه.

وكانت غارة جوية سعودية، الأسبوع الماضي، قد أصابت مدرج المطار في صنعاء، مما منع طائرات الإغاثة من الهبوط. قالت الرياض إنها كانت تحاول وقف طائرة إيرانية يشتبه في أنها تحمل مساعدات للمتمردين الحوثيين. معظم الموانيء الرئيسية في اليمن أيضًا تم غلقها، إما عن طريق الحكومة التي يسيطر عليها الحوثيون في ​​صنعاء أو في ما يسميه شارني الحصار السعودي لزيادة حجب المتمردين الشيعة عن مساعدة طهران. وفي الوقت نفسه، يقول المسؤولون السعوديون إن الهجمات المستمرة من قِبَل الحوثيين هي التي تمنع المساعدات من الوصول إلى المدنيين في اليمن.

قال أحد كبار عاملي الإغاثة الغربيين، الذي أُجبر على الفرار من صنعاء للحفاظ على سلامته، إن اليمن يعتمد على 350 ألف طن من المواد الغذائية كل شهر، و144 ألف برميل من النفط يوميًا للحفاظ على إطعام شعبه، فضلًا عن المستشفيات، والنقل، وغيرها من البنية التحتية الحيوية وتشغيلها. لكن الإغاثة: "محجوزة خارج اليمن في الوقت الراهن".

والعدد القليل من عمال الإغاثة المحليين الذين لا يزالوا في البلاد يجدون خطورة متزايدة في توزيع المساعدات المتاحة بسبب أعمال العنف الجارية.

زادت الغارات الجوية التي ضربت، الشهر الماضي، مخازن وكالات الإغاثة من فزع عمال الإغاثة الذين يخشون من أنهم سيصبحوا الضحايا المقبلين للحرب. ويعتقد على نطاق واسع أن تلك الضربات الجوية قد تمّت بأمر من الحكومة السعودية.

وتعمل وزارة الخارجية الأمريكية مع المسؤولين السعوديين على "ضمان التنفيذ الآمن للعمليات الإنسانية" في اليمن، بحسب قول المتحدث باسم الوزارة، دانيال لانجنكامب، ومستشار "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية" (يو إس إيد) في الرياض للمساعدة في التنسيق مع وكالات الإغاثة في مناطق القتال لتجنب هجمات مماثلة في المستقبل.

يوم الجمعة، التقت مسؤولة مكافحة الإرهاب في البيت الابيض، ليزا موناكو، مع المبعوث الخاص الجديد للأمم المتحدة إلى اليمن، إسماعيل ولد شيخ أحمد، لمناقشة كيفية تسريع وصول وتسليم " الغذاء والدواء الذين هناك حاجة ماسة لهما، وغيرها من الإمدادات إلى الشعب اليمني الذين يعاني".

لكن هذا ليس ضمانًا كبيرًا، ولا يريح منظمات الإغاثة.

وقال عامل إغاثة غربي رفيع المستوى، باقٍ في الشرق الأوسط، رفض الكشف عن هويته، خوفًا على سلامة موظفيه المحليين في اليمن "مع كل التفجيرات التي تحدث، كيف سنكون قادرين على إنفاق هذا المال إذا لم نستطع الوصول من الأساس".

تميل منظمته ضد قبول التبرع السعودي، خصوصًا مع استمرار حملة القصف.

قال العامل "إنها أموال ملطخة بالذنوب"،  وأضاف: "لا يبدو وكأنهم يشعرون بذنب كبير".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب