كيف توازن عمان بين إيران والسعودية؟

مقال رأي

ركز معظم المراقبين للمفاوضات النووية الحالية مع ايران على مدى وتوقيت رفع العقوبات. تصر طهران على أن يتم رفع العقوبات فورا بمجرد الوصول إلى صفقةٍ نهائية؛ بينما تسعى واشنطن إلى رفعٍ تدريجيٍ لها. يغيب عن المناقشة أنه في الواقع فإن قليلا من الدول لديها أكثر على المحك في الصفقة النهائية من عمان. بالنسبة لتلك الدولة المطلة على قرن شبه الجزيرة العربية، فإن المخاطر الدبلوماسية والاقتصادية مرتفعة.

كان زعيم عمان، السطان قابوس بن سعيد، في مقدمة الوساطات بين طهران وواشنطن خلال العقد الماضي، مساعدا في عقد الاتفاق النووي المؤقت في نوفمبر 2013. يمكن أن تعزى مشاركته مباشرةً إلى علاقة عمان التاريخية بايران، والتي تشمل دعم الشاه لقمع تمرد ظفار فيما بين عامي 1962 و1976، ودعمه لانقلاب قابوس على والده في عام 1970. بالإضافة إلى ذلك، تتطلع البلدان توسيع الرابط التجارية بينهما بدرجةٍ كبيرة بعد رفع العقوبات الغربية، والذي سوف يسمح بفوائد اقتصادية ضخمة لكلتيهما.

https://files.foreignaffairs.com/styles/large-alt/s3/images/articles/2015/05/05/neubauervatanka_omaniranrtr26e84.jpg?itok=8REdXBIY

أغسطس 2009، السلطان قابوس مع محمود أحمدي نجاد الرئيس الإيراني في ذلك الوقت

تلعب الطاقة دورا كبيرا في تلك الحسابات. في مارس 2014، وقعت الدولتان اتفاقيةً اقتصاديةً مهمة خلال زيارة الرئيس حسن روحاني إلى مسقط. بموجب هذه الاتفاقية، سوف تقوم طهران بتصدير 350 مليار متر مكعب من الغاز سنويا إلى عمان بدايةً من عام 2015، من خلال خط أنانيب استراتيجي يبلغ طوله 420 ميلا يمر أسفل الخليج العربي. الصفقة، والتي سوف تستمر لمدة 25 عاما، تقدر قيمتها بحوالي 60 مليار دولار. أيضا أعلنت إيران بشكلٍ منفصل نيتها لاستثمار 4 مليارات دولار في ميناء دقم العماني الجديد، ووعدت بفعل المثل مع عدة مشروعات لتطوير البنية التحتية.

يجني كل طرف فوائد ضخمة من علاقةٍ أقوى: ترى ايران عمان كحجر تعبر عليه إلى الأسواق الافريقية، بينما ترغب ايران في أن تصبح مركز عبور للتجارة من ايران الى الدول الحبيسة في وسط افريقيا.

الوسيط المتردد

لكن الاعتبارات الاقتصادية وحدها ليست كفاية لشرح نهج السلطنة. في جوهرها، تهدف سياسة عمان الخارجية إلى منع إيران أو السعودية من حيازة نفوذٍ مهيمن على المنطقة. لم تحم تلك الاستراتيجية عمان من جيرانها الأكبر والاضطراب لااقليمي فقط ولكن أيضا سمحت لها بالتركيز على تنميتها الذاتية؛ خلال الأربعين عاما الماضية، نمت الدولة من أمةٍ معوزة إلى اقتصادٍ حديث. ترى السلطات العمانية حماية اقتصاد البلاد الذي يبلغ حجمه 80 مليار دولار واستدامة النمو الذي احتاج تحقيقه الكثير من الجهد كمهمةٍ أساسية للحفاظ على الاستقرار السياسي.

الآن، مع انفتاح ايران، تحتاج عمان إلى خلق توازنٍ دقيق: يعادل دورها كصديق ايران الوحيد في مجلس التعاون الخليجي شراكتها الدفاعية الوثيقة مع حلفائها الغربيين وشركائها في مجلس التعاون الخليجي، والذين تتشارك معهم الاستخبارات بموجب اتفاقية دول مجلس التعاون الخليجي لمكافحة الإرهاب.

تشرح هذه الاعتبارات لماذا أصبحت عمان العضو الوحيد في مجلس التعاون الخليجي الذي لم يشارك في الحملة ذات القيادة السعودية لمحاربة المتمردين الحوثيين في اليمن، والذين يراهم الكثيرين كولاءٍ لايران. هذه السياسة لا تخلو من تحديات، أضحت السعودية أكثر حذرا من سعي عمان إلى علاقاتٍ أوثق مع ايران وقرارها بمعارضة اتحاد أوثق لمجلس التعاون الخليجي علنا، والذي كان سوف يساعد في تقوية موقف الرياض الإقليمي.

لكن بشكلٍ عام فإن موقف عمان الحيادي قد أعطاها دورا لتلعبه في المنطقة: وهو دور الوسيط. في 2007، اعتمد قابوس على علاقاته الممتدة مع لندن وطهران ليحارب بنجاح لاطلاق سراح 15 جندي بحرية ايراني أسرتهم طهران. في 2011، كان دوره مركزيا في التوسط من اجل إطلاق سراح ثلاث رحالة أمريكيين اتهمتهم ايران بالتجسس. لذا لم تكن قدرة قابوس على جلب واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات مفاجأة.

يمكن أن تصبح اليمن أصعب اختبار لقدرة عمان على التوسط حتى الآن. لا يعرف بعد هل تستطيع مسقط جلب طهران والرياض معا لمناقشة ما قد يكون يكون أخطر تهديد على الأمن الإقليمي: تنافس الوكلاء الايراني السعودي الذي لا يبدو له نهاية، والذي أصبحت اليمن آخر مسرح له. احدى الطرق للبدء هي تسهيل محادثاتٍ عبر قنواتٍ خلفية بين الأطراف الفاعلة الأجنبية والقوى المحلية المتصارعة في اليمن. تحالف عمان مع الولايات المتحدة وعلاقتها الودية مع كلٍ السعودية وايران قد تساعد في ذلك الشأن.

ما أجل تلك الجهود هو حقيقة أن قابوس كان خارج الصورة لثمانية أشهر، حيث كان يتلقى العلاج في ألمانيا حتى شهر مارس الحالي. الآن حيث أنه عاد، فقد يستطيع استعادة دوره كوسيطٍ اقليمي. من الأمور ذات الدلالة أن وزير الخارجية الايرانية محمد جواد ظريف قد اختار مسقط كأول عاصمة يزورها في جولته الاقليمية لحشد لهم لتسويةٍ سياسية تنهي الصراع اليمني.

بخلاف التوسط الناعم، فليس من المرجح أن تضع عمان نفسها تطوعا في منتصف التوترات السعودية الايرانية. بدلا من ذلك، من المرجح أن تتبع السلطنة نهجا ثلاثي المحاور: تدعيم موقفها كطرفٍ محايد لتصبح الجسر الرئيسي بين ايران ودول مجلس التعاون الخليجي، بينما تعزز من تعاونها الاقتصادي مع طهران وتوسع تعاونها الأمني مع الغرب.

ايضا تحرك الأيدلوجية حسابات عمان. في عمان، الاسلام الاباضي، وهو طائفةٌ محافظة ليست سنية أو شيعية، هو السائد. كانت عمان دوما قلقة من نفوذ السعودية الديني والسياسي في المنطقة، وهو قلق شاركته مع ايران. لذا فإن كلا من ايران وعمان تريان علاقتهما الوثيقة كسياسة ضمان ضد نفوذ السعودية المتنامي وانتشار الفكر السلفي.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب