ماذا تعني مناطق الحظر الجوي وما أهدافها وتكلفتها؟

تقرير صحفي

عندما تطل النزاعات بوجهها القبيح على العالم، عادة ما يعلو النداء الموجه للولايات المتحدة لـ"فعل شيء ما". يتمثل أحد الخيارات التي يتكرر ذكرها في فرض منطقة حظر جوي. تتمتع الولايات المتحدة وحلفاءها بتقدم كبير على معظم الخصوم المحتملين في الجو. وبالتالي تعتبر مناطق الحظر الجوي خطوة جذابة بسبب الانخفاض المتصور في تكلفتها ومخاطرها، بالمقارنة بخيارات أخرى. رغم ذلك، لا يعتبر اللجوء لمناطق الحظر الجوي أمرا "غير مستحق لعناء التفكير". فقد يكون لها تكاليف مرتفعة ومخاطر غير مرئية، حسب الظروف. يهدف الدليل التمهيدي الآتي إلى تعريف القراء بكيفية عمل مناطق الحظر الجوي.

ما هي مناطق الحظر الجوي؟

منطقة الحظر الجوي هي مجال جوي محدد كمنطقة "محظورة" على الأنشطة المتعلقة بالطيران. يلزم أن تتوافر سياسة واضحة بشأن الأعمال المحظورة في المنطقة، ويجب إبلاغها بوضوح. علاوة على ذلك، يجب الإعلان عن شكل من أشكال العقوبات في مواجهة الانتهاكات. عادة ما يتضمن ذلك مشاركة طائرات عسكرية صديقة لاعتراض المنتهكين ومرافقتهم بعيدا، إجبارهم على الهبوط، أو إسقاط طائراتهم.

لماذا تفرض مناطق الحظر الجوي؟

هناك أسباب عديدة، ولكن في أغلب الحالات لمنع الطيران المعادي من مهاجمة من على الأرض أو الإضرار بهم – ومنهم القوات الصديقة أو المدنيين. علاوة على ذلك، يمكن عند فرض منطقة حظر جوي صد تقدم جيش معادي، وأن تضغط على عدو من أجل تقديم تنازلات، تقديم الأمل والإغاثة لمن تعرضوا لهجوم، إضعاف وتحطيم معنويات القوات الجوية المعادية، أو أن يمثل الأمر مقدمة للاجتياح. كما أن فرض منطقة حظر جوي يمكن أن يصاحبه أعمال أخرى – مثل الحصار البحري أو إغلاق الحدود – لوقف تدفق البضائع والأشخاص إلى منطقة محددة، بالإضافة إلى إضعاف العدو بشكل أكبر.

متى تكون منطقة الحظر الجوي فعالة؟

في معظم الظروف، تكون منطقة الحظر الجوي فعالة فقط إن تمتع العدو بقوات جوية قوية. إلا أنه في حال تمتع العدو بقوات جوية قوية للغاية، سيكون من الصعب جدا إقامة منطقة حظر جوي فعالة. وبالتالي فإنه من المرجح أن تكون مناطق الحظر الجوي فعالة ضد العدو الذي يتمتع بقوات جوية قوية، ولكن ليست قوية للغاية.

علاوة على ذلك، يمكن لمنطقة الحظر الجوي أن تخل توازن القوى على الأرض. إن كان أحد الأطراف معتمدا على القوة الجوية بشدة على عكس الطرف الآخر، فيمكن لمنطقة الحظر الجوي أن تمهد الساحة وأن تدعم القوات التي تعرضت لمراقبة اقتحامية أو لهجمات موجعة. وعلى العكس من ذلك، إن كانت القوة الجوية عاملا غير مهم، فمن غير المرجح أن تقدم منطقة الحظر الجوي الكثير (إلا إن كانت الأوامر ممتدة إلى تدمير الأهداف الأرضية).

ما هي متطلبات إنشاء منطقة حظر جوي؟

في الماضي، كانت الولايات المتحدة تسعى للحصول على موافقة دولية عند إنشاء منطقة حظر جوي، عادة عبر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. حيث يقدم ذلك شكلا من أشكال الشرعية للإجراء. ودون ذلك، ستكون الأسس القانونية لمنطقة الحظر الجوي محل تساؤل، وكذلك التزامنا بالمعايير الدولية.

يتمثل الشرط التالي في البت بشأن قواعد الاشتباك – وهي مجموعة من القواعد التي تحكم كيفية تطبيق الحظر الجوي. تحدد تلك القواعد من يمكنه التحليق في المجال الجوي ومن يحظر تحليقه، وتحدد تلك القواعد خطوات لتقرير إن كان أحدهم يخالف القواعد أم لا. يجب أن تعالج تلك القواعد أيضا المواقف المتشابكة، مثل إن كانت الطائرات المدنية مسموح لها بالطيران أم لا. وإن حلقت طائرة مدنية في المجال الجوي دون خطة طيران. وماذا سيحدث إن استخدم العدو طائرات مدنية كواجهة؟ أو إن حمل العدو مدنيين في طائرة، ثم انتهكت تلك الطائرة منطقة الحظر الجوي؟ أو إن أصاب العدو الطائرات الصديقة المسؤولة عن تطبيق الحظر؟ يجب أن تكون الإجابات واضحة أمام من يطبقون السياسة. إن كانت القواعد فضفاضة للغاية، سيتوجب على طاقمنا الجوي أن يفسرها بشكل فوري عند التعامل مع المواقف الغامضة. إن كانت القواعد معقدة للغاية، فقد يواجهون صعوبات في الإبقاء على وضوحها عند التعامل مع الأوضاع المتوترة.

يتطلب تطبيق منطقة الحظر الجوي قدرا كبيرا من القوات العسكرية، بينها طائرات حربية، والطيارين الذين يقودونها، والأفراد الداعمين الذين سيحمونها وسيتولون صيانتها. مالم يكن نطاق الحظر الجوي صغيرا نسبيا، سيتطلب تطبيقه وجود عدة وحدات جوية لتشغل أنواع مختلفة من الطائرات. يتضمن ذلك مقاتلات جو- جو يمكنها اعتراض طائرات العدو. والطائرات المتخصصة مطلوبة أيضا لصد أو تدمير الدفاعات الجوية للعدو التي يمكنها إسقاط طائراتنا. كما يجب أن نتمكن من معرفة إن انتهك أحدهم منطقة الحظر الجوي، ما يتطلب عادة تشكيل من الرادارات المحمولة جوا والرادارات الأرضية. كما يجب أن تتوافر طائرات التزود بالوقود جوا إن كانت قواعدنا بعيدة عن منطقة الحظر الجوي، حيث يمدد الحظر فترات المراقبة التي تنفذها طائراتنا. يجب أن نراقب العدو وأن نترقب أعماله الخطيرة (مثل إعداد صواريخ أرض جو)، ما يتطلب طائرات استخبارات، مراقبة واستطلاع. وبما أننا سنريد أن نسترد طاقمنا الجوي في حال حصاره بسبب عطل فني أو سقوط طائرته، سنحتاج إلى أصول إنقاذ مقاتلة في المنطقة.

بالإضافة إلى تلك القوات، سنحتاج لقواعد لاستضافتها وحمايتها، بنية تحتية لدعمها، خطوط لوجيستية مأمنة من أجل تدفق الإمدادات والأفراد. استخدمت الولايات المتحدة عادة في الماضي تشكيلة من القواعد الأرضية وحاملات الطائرات لدعم عمليات مناطق حظر الطيران. كما أنه من الجيد أن تمتلك عدة قواعد لتنطلق منها الطائرات، حيث يمكن لمشكلة في مدرج الإقلاع أو سوء الأحوال الجوية أن تغلق إحدى القواعد، ما سيعيق تنفيذ العملية.

من شبه الدائم أن يتطلب الأمر وجود تحالف من دول مشاركة لتطبيق الحظر الجوي بشكل فعال في إحدى المناطق. ولكن تشكيل تحالف عادة ما يستلزم خطوات دبلوماسية مستهلكة للوقت والمجهود، إلا أن فؤائد ذلك التحالف واسعة. حيث يقدم أعضاء التحالف موافقتهم على نقل القواعد والبنية التحتية عبر مجالاتهم الجوية، بالإضافة إلى طرق الإمداد وصور الدعم الأخرى. كما يمكن للتحالف أن يساعد في تأسيس الشرعية القانونية للمهمة بشكل كلي، وتستطيع قوات التحالف أن تتشارك عبء مراقبة المجالات الجوية، ما يقلل التكلفة على أي دولة منفردة.

كم يتكلف إنشاء منطقة حظر جوي؟

يعتبر تطبيق الحظر الجوي على منطقة محددة أمرا مكلفا. فمن أجل اكتشاف المنتهكين واتخاذ خطوات ضدهم، يجب أن نكون جاهزين للتعامل في أي وقت، في النهار أو الليل. ما يعني إجراء الكثير من الطلعات الجوية – ربما أكثر مما تتطلب الحملة الهجومية، حيث يمكننا اختيار أوقات وأماكن ضرباتنا (كما الحال في الحملة المضادة للدولة الإسلامية التي نصبت نفسها في العراق وسوريا).

حتى عندما لا تحلق الطائرات، ستحتاج بعض الطائرات والأطقم إلى أن تكون في حالة تأهب، جاهزين للرد على أي استفزاز. ولكن تلك الحالة من الجاهزية مكلفة ومصعدة للضرائب المفروضة على شعبنا. يجب أيضا أن يكونوا جاهزين للقتال، حتى مع استمرارهم لساعات طويلة من الملل في الجو – قد تمتد طلعات المراقبة بين ثمان وعشر ساعات – وعلى الأرض، بعيدا عن بلادهم.

كما أن هناك تكلفة للفرص الضائعة المصاحبة لمنطقة الحظر الجوي. عندما تخصص أعداد كبيرة من الأفراد والمعدات لتطبيق منطقة حظر جوي، لا يعودوا متاحين للعمل في مناطق أخرى. وهو أمر هام ليوضع في الاعتبار عند إدراك أن الكثير من القوات الضرورية لتطبيق الحظر الجوي مطلوبين بشدة ومحدودي العدد. وتمثل طائرات التزود بالوقود، الرادارات المحمولة جوا، وطائرات الاستخبارات، المراقبة والاستطلاع أمثلة جيدة على ذلك. وحتى الطائرات المقاتلة محدودة العدد حاليا. فعلى سبيل المثال، امتلكت القوات الجوية الأمريكية أكثر من 3,400 طائرة مقاتلة عام 1992، عندما فرضت مناطق الحظر الجوي بالعراق. واليوم، انخفض ذلك العدد إلى أقل من 2000 طائرة. نتج عن ذلك أن تطبيق حظر جوي في جزء من العالم سيقيد خياراتنا في مناطق أخرى.

ما هي المخاطر؟

هناك إدراك لفكرة أن فرض الحظر الجوي أقل خطورة من خيارات أخرى. رغم ذلك، يجب أن يعلم صناع القرار أنهم يأخذون على عاتقهم أنواعا كثيرة من المخاطر عند فرض منطقة حظر جوي.

ستواجه القوات الأمريكية مخاطر كبيرة، خصوصا إن امتلك العدو أسلحة قادرة على إسقاط طائراتنا. وبسبب ذلك، قد نحتاج لتنفيذ عملية لتعطيل أو تدمير الدفاعات الجوية قبل أن نبدأ تطبيق منطقة حظر جوي. في ضوء التقدم المتنامي في تقنيات الدفاع الجوي حول العالم، لن يكون ذلك الهجوم الأولي سهلا. بل سيتطلب إجراء عملية هجومية كبيرة على مدار أيام عديدة عبر إجراء المئات من الطلعات الجوية عالية الخطورة، مستهلكة آلاف الصواريخ المكلفة.

بمجرد تحقيق التفوق الجوي وفرض الحظر الجوي، يجب أن نستمر في التنبه إلى التطورات مع تعلم العدو وتأقلمه مع تكتيكاتنا. قد يحاولون أن ينفذوا خططا خادعة أو حيل لإرباكنا أو مهاجمتنا. في التسعينات، على سبيل المثال، كانت الطائرات العراقية لتنتهك الحظر الجوي لاستدراجنا للاشتباك مع نظام صواريخ أرض جو، الذي عدلوا مواقعه حديثا.

إن نجح العدو في إسقاط إحدي طائراتنا – أو سقطت إحداها بسبب عطل فني – فهناك إحتمالية حقيقية لأسر أفرادنا واستغلالهم. ما سيمثل مشكلة صعبة الحل. كما أنه من المحتمل بشدة أن عدوا عديم الضمير سيعذب أو سيقتل سجينا بطريقة بشعة ومستفزة (مثلما فعل تنظيم الدولة الإسلامية عندما أحرقت طيارا أردنيا أسيرا وهو حي).

ربما يتمثل الخطر الأكبر في "امتداد المهمة". فمن غير المرجح بشدة أن يؤدي فرض منطقة حظر جوي إلى النتيجة السياسية المطلوبة تلقائيا. فحتما ستكون هناك دعوات لتوسيع العملية، وربما لإنشاء "منطقة حظر قيادة" أو لمهاجمة القوات البرية. على سبيل المثال، اشتملت منطقة الحظر الجوي الذي تم فرضه في ليبيا عام 2011 على شن غارات قوية ضد قوات الحكومة الليبية في إطار جهود لحماية قوات المعارضة والمدنيين. وبناء على الظروف، قد يكون توسيع المهمة هو الخيار الأنسب، ولكنه يقود إلى سؤال نهائي...

كيف ستنتهي؟

تتمثل النهاية المنطقية لمنطقة الحظر الجوي في تغير الوضع على الأرض، عندما لا يصبح تطبيق الحظر ضروريا. لن نتمكن على الأرجح من فرض ذلك التغيير، بما أنه ليس هناك صلة مباشرة بشكل عام بين تطبيق منطقة حظر جوي وتحقيق نتائج سياسية مستمرة. نحن منجذبون إلى خيار الحظر الجوي بشكل جزئي لأنه محدود في النطاق والمخاطر. إن كان ذلك صحيحا، فمن المرجح أيضا أن يكون محدودا في قدرته على فرض تغيير من تلقاء ذاته. وبالتالي، يستخدم الحظر الجوي على أفضل نحو كجزء من استراتيجية سياسية وعسكرية شاملة. عند اللجوء إليه باعتباره الوسيلة الوحيدة المتوفرة، ستكون النتيجة على الأرجح رحلة طويلة ومحبطة بالنسبة لجميع المشاركين.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب